روايات

سم فى قلب صعيديه بقلم مايا خالد

زينب بضحكة وجع : الخدم كتير يا جبل بيه، بس الوــ,,ـفا لما بيتدبح، ملوش دية. عيش وشوف ابنك بيكبر قدامك، وشوفني وأنا الست اللي بتدير كل حاجة من ورا الستار، ودي أقصى أمانيك اللي مسموح لك بيها.
ياسين كان واقف ورا الباب، سامع كلام أمه، وشايف كسرة أبوه. دخل عليهم وفي إيده مفاتيح السراية اللي جبل سلمهاله.
ياسين: يا بوي.. يا أمة.. السراية دي من اللحظة دي مفيهاش كبير غير الحق. ومن بكره، أراضي الهوارة هتبقى شركة كبيرة باسمنا إحنا التلاتة. الندم مش هيرجع اللي فات، بس الشغل هو اللي هينسينا الوجع.

جبل حس إن ابنه بيحاول يرمم اللي انكسر بطريقته، بص لزينب ولقى في عينيها لمعة كانت انطفت من زمان، لمعة تحدي بس فيها ريحة عشرة قديمة.مرت الشهور، والسراية ملمحها اتغير.. مابقيتش دار للكبير اللي بيأمر وينهي بس، بقت خلية نحل بيديرها ياسين بفكره الجديد وقوة أمه، وجبل قاعد في المندرة، عين على الأرض وعين على زينب اللي كانت بتمر قدامه زي الطيف، لا بتكلمه ولا بتبصله، كأنه هوا .
وفي يوم، ياسين كان راجع من الأرض وشاف أبوه قاعد في ركن لوحده، ماسك سبحته وعينه دبلانة. قعد جنبه لأول مرة من غير ما يكون في صوته نبرة التحدي.
ياسين:

تعبان يا بوي؟
جبل بابتسامة باهتة : التعب في القلب يا ولدي، مش في الجسد. اللي يوجعني إن الدار بقت ملكي بالاسم، لكن روحها مش طايقة وجودي. أمك يا ياسين.. عقلها سمح، لكن قلبها قفل بوابته ورمى المفتاح في بحر ملوش آخر.
ياسين: حقها يا بوي.. اللي شافته مش قليل. بس هي برضه بتسأل عليك من ورايا، بتسأل أكلت ولا لسه، خدت دواك ولا نسيت. زينب لسه بتحبك، بس الكرامة عندها واعر من الحب.
في اللحظة دي، دخلت زينب وشافتهم قاعدين مع بعض.

كانت شايلة صينية قهوة، حطتها قدام ياسين وبصت لجبل بجمود، بس يدها ارتعشت وهي بتحط الفنجان قدامه.
زينب: ياسين.. المكن الجديد وصل، قوم شوف المهندسين، وأنا هقعد مع أبوك شوية.. فيه كلام لازم يتقال.
ياسين بص لهم، وفهم إن دي لحظة المواجهة الأخيرة. انسحب بهدوء، وفضل جبل وزينب لوحدهم. الصمت كان تقيل، لحد ما زينب اتكلمت وصوتها فيه بحة وجع قديم.
زينب: ليه يا جبل؟ ليه سلمت ودنك للغير؟ أنا كنت عيلة يتيمة، ماليش في الدنيا غيرك، كنت بشوف فيك الأب والسند قبل الجوز.. ليه هانت عليك تفرط فيّ بالسهولة دي؟

جبل والدموع نزلت من عينه لأول مرة : الغيرة يا زينب.. الغيرة كانت بتاكل في قلبي زي الناــ,,ـر. كنت بشوفك حلوة زيادة، والكل بيبصلك، والواشين لعبوا على الوتر ده. قالوا لي زينب مش ليك ، زينب عينها لبره . عموني يا زينب، عموا عيني وسدوا ودني، ومن يوم ما مشيتي والنور انطفى من السراية ومن قلبي.
قام جبل من مكانه، ووقف قدامها، وطلع من جيبه منديل قديم كان لسه فيه أثر دم خفيف.. دمها يوم ما انض.ربت بالرصاص.
جبل: المنديل ده مغسلتهوش يا زينب.. كنت كل ليلة بشمه وأبكي، وأقول يا رب لو ظلــ,,ـمتها احرــ,,ـقني بناــ,,ـري.

وربنا استجاب، وحرــ,,ـقني ببعدك وحرمان ولدي مني. أنا مش طالب إنك ترجعي لي مراتي ، أنا طالب بس إنك تسامحيني عشان أقابل ربي وأنا خفيف.
زينب بصت للمنديل، وبصت لجبل اللي هيبته انكسرت قدامها. مدت يدها وخدت المنديل، ومسحت بيه دمعة نزلت من عينها.
زينب: السم اللي في قلبي بدأ يبرد يا جبل.. مش عشانك، عشان النسخة اللي سبتهالي وبرأتني قدامك. ياسين هو اللي غسل وجعي. وعشان خاطره، وعشان اللقمة اللي أكلناها سوا في الحلال زمان.. أنا مسمحاك يا جبل. بس متبقاش طماع، السنين اللي انكسرت، مبيصلحهاش كلام.

جبل حس بإن جبل وانزاح من فوق ص.دره، باس راسها بدموع ونفس طويل.
جبل: كفاية عليّ الكلمة دي يا زينب.. كفاية إني هعيش اللي باق لي وأنا شايفكم قدامي. النجع كله اتقلب حاله، وبقت السيرة اللي على كل لسان مش خيانة زينب ، لكن جبروت ياسين وعودة الحق لأصحابه. ياسين قرر ينهي الحكاية بمشهد يخلي الصعيد كله يتحاكى بيه، مشهد يمسح فيه آخر أثر للدموع والكسرة.
ياسين وهو واقف في وسط المندرة :
يا بوي.. يا أمة.. إحنا عيشنا في الضلمة كتير، والنهاردة النور لازم يدخل كل ركن في السراية.

أنا قررت أعمل أكبر ليلة شافها النجع، ليلة رد اعتبار ليكي يا أمة، وليلة فرح بمشروعاتنا الجديدة اللي هتشغل شباب الهوارة كلهم.
زينب بصت لياسين بفخر، وجبل لأول مرة يبتسم من قلبه. وفعلاً، بدأت التجهيزات، الذبائح اتدبحت، والزينة اتعلقت من أول مدخل النجع لحد باب السراية.
في ليلة الفرح، المزمار البلدي كان بيعزف ألحان النصر. ياسين كان لابس القفطان الصعيدي والشال الكشمير، واقف يرحب بالناس وكتفه في كتف أبوه. جبل كان بيبص لياسين ويقول في نفسه: سبحان اللي وهبني السبع ده من صلب المظلومة .

ماياخالد
أما زينب، فكانت قاعدة في وسط النسوان، لابسة دهبها اللي ياسين جابهولها، ووشها منور زي البدر. وفجأة، ياسين دخل عليها وخدها من يدها وطلع بيها للبلكونة الكبيرة اللي بتطل على الساحة.
ياسين بصوت عالي خلى المزمار يسكت والكل يرفع راسه :
يا أهالي النجع.. الست دي هي شرف الهوارة، وهي اللي ربت وعلمت، وهي اللي صانت اسم أبوي في غيبته وفي ظلــ,,ـمه ليها. اللي يميل عينه عليها بكلمة، كأنه ميلها على ياسين جبل الهواري!

الناس كلها هتفت باسمها، وجبل طلع ووقف جنبهم، ومسك يد زينب وباسها قدام الكل، في حركة هزت مشاعر الصعيد كله، وكأنه بيعتذر لها قدام الدنيا كلها.
جبل بهمس لزينب :
السم راح يا زينب؟
زينب بابتسامة صافية لأول مرة :
راح يا جبل.. مفيش سم بيعيش في قلب فيه ولد زي ياسين.
وفي وسط الفرح، عيون ياسين وقعت على بنت غريبة واقفة بعيد، عيونها كانت بتلمع وهي بتبص عليه بإعجاب وخجل..

بنت كبير نجع تاني كان بينه وبين جبل عداوة قديمة، وكأن القدر عايز يبتدي حكاية جديدة، بس المرة دي حكاية حب تبني جسور مش تهدم بيوت.
ياسين ابتسم في سره وقال: الظاهر إن السراية دي مش هتهدى واصل يا جبل الهواري.
وانتهت الليلة، والنجع نام وهو مطمن إن فيه كبير جديد، قلبه حديد بس عقله بيعرف يفرق بين الحق والباطل، وإن البرهان الحي مكنش بس ملامح جبل، لكن كان أصل زينب اللي غلب كل شر.
تمت.

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى