بنت لابسة إسود من فوق لتحت، طرحة سودة مغرّقة وشها ومخبيّة ملامحه، راسها في الأرض ولا كأنها شايفة اللي حواليها. وراها على طول بنت من الخدم، شايلة شنطة صغيرة، حطتها بهدوء في شنطة العربية. سليم كان متابع المشهد وهو حاسس إن ص,,دره مقفول، لا قادر يتكلم ولا قادر يعترض. ركب العربية بعصبية، قفل الباب وراه بعنــ . ــف، وبعده بلحظات ركبت جنبه… دهب. ولا كلمة. ولا نظرة. العربية اتحركت، والصمت كان تقيل بينهم، صمت مليان حاجات ما اتقالتش،
وحياة بتتفرض على الاتنين من غير ما حد فيهم يختار. — كانت لسه مخبّية وشها، وهو لحد اللحظة دي مش مستوعب إن الخمس سنين اللي غابهم عنها غيّروا كل حاجة… دهب مبقتش الطفلة أم ضفاير اللي اتجوزها زمان، بس هو لسه شايفها بالصورة القديمة. ساق العربية بعصبية، إيده قابضة على الدركسيون، دماغه مولعة أفكار. إزاي هياخدها معاه؟ وهيعمل إيه مع ساندي لو عرفت إنه كان متجوز؟ حياته كلها كانت بتتفكك قدامه خطوة خطوة. فضل تايه في دوامة تفكيره لحد ما تليفونه رن.
رد من غير ما يبص: ـ أيوه يا فؤاد… صوته كان مشدود، معصّب، وكل كلمة طالعة قاسية، من غير ما يعمل أي اعتبار إن دهب قاعدة جنبه وسامعة. ـ أنا في مصيبة يا فؤاد. روحت أقول لجدي إني هتجوز ساندي… لقيته بيفاجئني وبيقولي: دي مراتك! تتخيّل؟! سكت ثانية، وبعدين كمل بعصبية أكبر: ـ اعمل إيه بس؟! حياتي هتتخرب بسببها! الكلمة خرجت تقيلة… ودهِب فضلت ساكتة، راسها واطية أكتر، ولا صوت طلع منها، بس الكلمة وجعتها أكتر من أي صريخ.
— دموع دهب كانت بتنزل في صمت، بتغرق عيونها تحت الطرحة السودة اللي مخبّية وشها، وهو ولا واخد باله…
ولا حاسس بالجرح اللي كلم,,اته بتفتحه فيها واحدة واحدة. كمّل كلامه بغضــ . ــب، صوته عالي، وهو بيحكي لفؤاد إنها السبب في خراب حياته، كأنها عبء اتحط عليه غصب، مش بني آدمه قاعدة جنبه وبتسمع كل حرف. من الناحية التانية، فؤاد حاول يفكر بعقل: ـ طب اسمعني يا سليم… خلّيها تعيش مؤقتًا مع السكرتيرة بتاعتنا لحد ما نلاقي حل.
تطلّقها وترجعها الصعيد تاني، من غير دوشة ولا مشاكل. سليم هز راسه وهو سايق، وكلام صاحبه دخل دماغه من غير ما يفكر فيه مرتين. طول الوقت ده… دهب ساكتة، ولا كلمة خرجت منها، ولا اعتراض، ولا حتى أنّة. وسليم؟ ما فكّرش لحظة يشوف وشها، ولا يسأل نفسه كبرت إزاي، ولا بقت عاملة إيه… ولا خطر في باله إن الطفلة اللي سابها زمان، ممكن تكون اتحولت لوجع كامل قاعد جنبه دلوقتي. — وصلوا القاهرة، والزحمة كانت بتبلع كل صوت جواها.
سليم وقف بالعربية قدّام عمارة في حي هادي، نزل الأول، وبعده نزلت دهب من غير ما ترفع راسها. طلعت معاهم بنت شابة، باين عليها البساطة والهدوء. سليم بصّ لها وقال بسرعة: ـ دي قريبتي من البلد… ومش هينفع تعيش معايا، أنا عايش لوحدي. هتقعد عندك كام يوم بس، لحد ما أظبط أموري. سالي ابتسمت بهدوء، محاولة تطمّنها: ـ طبعًا يا أستاذ سليم، البيت بيتها. دهب ما علّقتش، فضلت ساكتة زي ما هي، ماسكة في طرحتها بإيديها.
سليم ما استناش رد، لفّ ومشي، ولا بص وراه، ولا فكّر للحظة إنها بقت لوحدها في مدينة عمرها ما عرفتها. باب الشقة اتقفل، ودهِب لقت نفسها غريبة… في بيت غريب، مع واحدة أول مرة تشوفها. بس سالي كانت بنت لطيفة قوي، ملامحها هادية وصوتها واطي: ـ اتفضلي يا دهب، ارتاحي… أكيد الطريق كان متعب. دهب هزّت راسها بخفة، وأول مرة تحس إن القاهرة كبيرة قوي… وأوحش بكتير مما كانت متخيّلة. — سالي ابتسمت لها بحنية وقالت: ـ اعتبري البيت بيتك، وخدي راحتك خالص…
وإن حابة، شيلي الطرحة، مفيش حد غريب هنا. دهب ترددت لحظة، وبعدين بإيد مرتعشة رفعت الطرحة السودة عن وشها. سالي اتسمرت مكانها. الجمال اللي كان مستخبي تحت السواد فاجأها… ملامح هادية، بشرة صافية، وأنوثة بسيطة تخطف العين من غير ما تحاول. بس عيون دهب… كانت حكاية تانية خالص. حزينة، حمرا من كتر البُكا، كأنها شالت وجع أكبر من سنها بسنين. عدّت أيام… وبعدين أسابيع. ودهِب عايشة في شقة سالي، بين أربع حيطان غريبة،
ولا خبر،
ولا اتصال. واضح إن سليم نسيها… أو يمكن كان مستني اللحظة اللي يصدّق فيها إنه خلص منها. في ليلة هادية، دهب حكت. قالت لسالي كل حاجة… إنه جوزها، وإنها اتجوزته وهي طفلة، وإنه سابها وسافر، ورجع عشان يرميها من حياته من غير ما يبص في وشها. سالي قلبها وجعها عليها، وتعاطفت معاها من قلبها، غضــ . ــب هادي بدأ يكبر جواها. ومن اللحظة دي… قررت سالي حاجة واحدة: هتساعد دهب، وهتخلي سليم يندم… على كل لحظة قسوة عدّت منه عليها.
— بعد كام يوم، سالي رجعت من الشركة بدري، وابتسامتها فيها حماس: ـ دهب، في حفلة كبيرة النهاردة للشركة… وأنا جايه أجهز عشانها. وطلعت عينها على دهب: ـ تحبي تيجي معايا؟ دهب ترددت، قلبها بيخفق من الخوف: ـ أنا… أنا مش متعودة على الحاجات دي… سالي قربت منها، ماسكة إيديها بهدوء: ـ ما تخافيش، حتى لو سليم شافك، مش هيعرفك… ابتسمت لها: تعالي، هتتبسطي. اختارت لها سالي فستان رقيق من دولابها، يلمع على ضوء الشموع، يبرز جمالها الطبيعي.
فردت دهب شعرها الطويل، اللي زي خيوط الدهب، وسالي حطت لها مكياج خفيف بس برّز جمالها أكتر… وكأنه بيقول للعالم: دي دهب اللي نسيها كل الناس. وصلوا الحفلة، والموسيقى شغالة والناس فرحانين. دهب دخلت جنب سالي… والعيون كلها اتوجهت ليها، مش مصدقة الجمال اللي قدامهم… حتى دهب نفسها اتفاجأت من نفسها، من الجرأة اللي حسّت بيها فجأة. كل خطوة كانت بتاخدها، كل حركة، كل نظرة… كانت بتحس إن العالم كله مبصّ ليها، واللي كانت ساكتة وخايفة قبل كده، دلوقتي بتلمع وسط الأضواء.
— الكل في الحفلة اتلمّت عيونه عليها، منبهرين بجمالها الطبيعي اللي مش محتاج أي تكلف. ضحكتها الخفيفة، نظراتها الهادية، كانت بتشد كل اللي حواليها. سليم واقف جنب خطيبته، بيضحك على كلامها لكنه فجأة حاسس حاجة غريبة. أول ما وقع نظره على دهب، عيونه اتثبتت فيها، قلبه وقع، وإحساس غريب بدأ يتملكه… كأنه شافها قبل كده، بس مش قادر يفتكر فين. اللي حواليه كانوا بيسألوا سالي: ـ مين دي؟ سالي كانت مبتسمة: