فتحت باب العربية بسرعة وركبت وهي بتنهج من التوتر، وقبل ما تنطق بكلمة، العربية انطلقت بسرعة رهيبة خلتها تترمي لورا على الكرسي الجلد الفخم.
قاسم كان قاعد جنبها، حاطط رجل على رجل، وباصص في موبايلها بتركيز مستفز. صبا حاولت تهجم على الموبايل وتاخده، لكنه مسك إيدها في الهوا بقبــ,,ـــــضة قوية ونظرة حادة خلتها تتسمر مكانها.
قاسم بنبرة واثقة:
اثبتي مكانك.. أنا مش بخطفك، أنا بس بحافظ على “حقوق الملكية” للفيديو اللي اتصور على عربيتي.
صبا وصوتها بيترعش من الغضب:
أنت بني آدم غريب ومستفز! نزلني حالا وخد الفيديو والعربية وكل حاجة، بس سيب الموبايل..
عليه حاجات تخصني.
قاسم لف الموبايل ناحيتها وورّاها الفيديو وهو شغال، وقال بهدوء:
على فكرة.. رقصك مش وحش، بس كان ناقصك إضاءة أحسن من كدة.
صبا وشها بقى زي الدم من الكسوف، غطت وشها بإيديها وقالت:
يا ربي على الرخامة.. بجد أنت عايز إيه؟ لو عايز فلوس هديك، بس خلصني.
قاسم سكت لحظة، وبص لها بتمعن، وكأنه بيفكر في حاجة تانية خالص غير الفيديو. قفل الموبايل وحطه في جيبه الداخلي للجاكيت وقال:
أنا مش محتاج فلوسك.. أنا محتاج “مرافقة”.
عندي اجتماع مهم في المطار مع وفد أجنبي، ومحتاج بنت تكون شكلها بريء وزي الملاك زيك كدة تكون قاعدة جنبي.. كأننا في ميعاد غرامي عشان أخبي الغرض الحقيقي من المقابلة.
صبا فتحت بؤها بصدمة:
نعم؟! أنت عايزني أمثل معاك؟ أنت أكيد فيلم هندي!
قاسم ابتسم ابتسامة خطيرة وقرب منها:
تقدري تقولي كدة.. الاجتماع يخلص، والموبايل يرجعلك بكلمة السر بتاعته، وفوقيهم اعتذار رسمي.. ها؟ قولتي إيه؟ المطار مفيش بيننا وبينه غير 5 دقايق.
صبا بصت له بذهول، كانت حاسة إنها في حلم أو كابــ,,ـــــوس مش مفهوم، بصت على باب العربية اللي مقفول بـ “سنتر لوك” وبصت لقاسم اللي ملامحه مش بتهزر، وقالت بصوت واطي ومقهور:
يعني مفيش مفر؟
قاسم ببرود وهو بيعدل ساعة إيده:
مفيش مفر.. ده بيزنس يا..؟
صبا بضيق:
صبا.. اسمي صبا.
قاسم هز رأسه وكأنه بيسجل الاسم في ذاكرته:
اسم رقيق.. زيك. دلوقتي يا صبا، مفيش وقت للشرح.
الوفد ده لازم يفتكر إننا “كابل” وقاضيين ليلة سعيدة، مش عايز حرف عن الفيديو ولا الموبايل، والضحكة اللي شفتها في الفيديو دي عايزها تطلع دلوقتي، وإلا الموبايل ده هيفضل معايا للأبد.
العربية وقفت فجأة قدام صالة كبار الزوار، والسواق نزل بسرعة فتح الباب. قاسم نزل ومد إيده لصبا بحركة جنتل مان كلاسيكية، بس نظرة عينه كانت بتقول “لو ما نزلتيش هسحبك”.
صبا نفخت بضيق، وحطت إيدها في إيده وهي بتهمس من تحت ضرسها:
حسبي الله ونعم الوكيل في التيك توك واللي بيعملوه.
قاسم ضغط على إيدها بخفة وهو بيشدها ناحيته، وهمس في ودنها وريحة برفانه بتسكرها:
اضحكي.. الخطر مبيحبش الوشوش العبوسة.
أول ما دخلوا الصالة، كان في راجل أجنبي طويل ومعاه سكرتيرة واقفين مستنيين. قاسم فجأة تحول لشخص تاني، ابتسامة ساحرة، وبدأ يتكلم لغة إنجليزية بطلاقة وهو بيقدم صبا:
— “Meet my fiancé, Saba. I’m sorry we’re a bit late, she insisted on a quick stop before the flight.”
صبا كانت واقفة مشلولة، “خطيبته”؟ الكلمة رنت في ودنها وهي بتحاول ترسم ابتسامة باهتة على وشها. الأجنبي سلم عليها بحفاوة وقال:
— “She is stunning, Qassim.
Now I understand why you were ready to miss your private jet.”
قاسم بص لصبا بنظرة كلها “حب” مصطنع، ولف دراعه حوالين وسطها وقربها منه أكتر، لدرجة إنها حست بدقات قلبه المنتظمة والقوية. قاسم رد وهو باصص في عيونها:
— “She is worth every minute.”
صبا حست إن جسمها كله بيترعش، مش عارفة ده من التوتر ولا من وجوده القريب منها بالشكل ده. الاجتماع بدأ وهما قاعدين على ترابيزة واحدة، وقاسم كان بيناقش صفقات بملايين الدولارات وهو لسه ماسك إيد صبا تحت الترابيزة، بيضغط عليها كل ما يحس إنها هتفصل من الدور.
فجأة، موبايل صبا اللي في جيب قاسم بدأ يرن.. وصوت التراك اللي كانت بترقص عليه طلع عالي جداً في وسط هدوء الصالة.
قاسم اتصرف ببرود، لكن صبا وشها بقى أحمر من الكسوف.الكل سكت تماماً، وصوت الأغنية “التريند” مالي القاعة الفخمة ومخلي الموقف كوميدي ومرعب في نفس الوقت. الراجل الأجنبي رفع حواجبه باستغراب، وقاسم ملامحه ما اتهزتش، مد إيده في جيبه ببرود وطلع الموبايل، وبص للشاشة وابتسم بتمثيل متقن وهو بيبص لصبا:
— “معلش يا حبيبتي، أكيد صاحبتك (سارة) بتلح عليكي عشان الفيديو اللي صورتيه لها.”
بص للأجنبي وقال بضحكة واثقة:
— “صبا مهووسة بتصوير الطبيعة، وصاحبتها مش صبورة خالص.”
صبا كانت عايزة تنشق الأرض وتبلعها، بس لقت نفسها بتساير التمثيلية وقالت بصوت مهزوز:
— “آه فعلاً.. أنا آسفة جداً.”
قاسم قفل الموبايل خالص وحطه قدامه على التربيزة بوضوح، وكأنه بيديها أمل إنها هتاخده. الاجتماع كمل، وقاسم كان بيدير الكلام بذكاء لدرجة خلت الوفد يمضي الورق وهما مبهورين بشخصيته.
أول ما الوفد مشي، قاسم قام وقف، ملامحه رجعت لبرودها القاتل تاني، وساب إيد صبا فجأة.
صبا نفخت بجدية:
— “ها.. المهمة تمت بنجاح يا سيادة النجم.
هات الموبايل بقى وخليني أمشي، أنا أعصابي باظت.”
قاسم مسك الموبايل، وبدأ يقلب فيه ببطء وهو ماشي ناحية باب الصالة:
— “الحقيقة أداؤك كان معقول، بس لسه الفيديو عندي.. وبعدين مين قال إن المهمة خلصت؟”
صبا مشيت وراه بسرعة:
— “أنت هتستعبط؟ الورق اتمضى والناس مشيت!”
قاسم وقف فجأة، فخبطت في ظهره العريض. لف ليها وقال وهو بيبص في عيونها بقوة:
— “الناس دي هتركب معايا الطيارة دلوقتي، وهينزلوا معانا في (بيروت). الاجتماع ليه تكملة هناك.. ولو اختفيتي دلوقتي، هيشكوا إن في حاجة غلط، وأنا مش بخسر صفقات يا صبا.”
صبا شهقت:
— “بيروت إيه؟ أنت فاكرني مين؟ أنا عندي جامعة وعندي أهل!”
قاسم طلع باسبورها من جيبه (اللي كان في شنطتها اللي السواق جابها من العربية):
— “باسبورك معايا، وشنطتك في الطيارة، وأهلك.. السواق بتاعي كلم والدتك وقالها إنك مع صاحبتك وهتباتوا سوا عشان مشروع التخرج.”
صبا اتصدمت من جبروته:
— “أنت شيطان! أنت إزاي تعمل كده؟”
قاسم قرب منها وهمس:
— “أنا قاسم الألفي.. اللي بعوزه باخده. وقدامك حل من اتنين: تركبي الطيارة دي كـ (خطيبتي) وتعيشي يومين ملكة في لبنان وترجعي بموبايلك ومعاه هدية اعتذار..
يا إما تفضلي هنا، وباسبورك وموبايلك هيسافروا معايا.”
صوت المحركات بره بدأ يعلى، وقاسم بدأ يتحرك ناحية الممر المؤدي للطيارة وهو مش بيبص وراه، واثق إنها هتمشي وراه.
صبا وقفت في نص الصالة، دموعها قريبة من عينها بس غيظها أكبر..صبا كانت واقفة بتغلي، بتبص لظهره وهو ماشي بكل ثقة وبرود، وكأنه ضامن إنها خاتم في صباعه. بصت حواليها لقت أمن المطار والناس، فكرت تصرخ وتلم الناس عليه، بس افتكرت إن باسبورها وموبايلها معاه، وهو “قاسم الألفي” يعني بكلمة منه ممكن يقلب الترابيزة عليها ويطلعها هي اللي غلطانة.
جريت وراه ولحقته قبل ما يدخل الممر، مسكت دراعه بقوة وقالت وهي بتجز على سنانها:
— “أنا موافقة.. بس وحياة أمي يا قاسم يا ألفي، لادفعك تمن كل دقيقة رعب عيشتها، وهخليك تندم إنك فكرت تستخدمني في ألعابك القذرة دي.”
قاسم وقف، وبص لإيدها اللي ماسكة دراعه بابتسامة سخرية، وبعدين بص لعيونها اللي بتشرار غضب:
— “بلاش طولة لسان عشان نعرف نتعامل.. وبعدين ‘وحياة أمك’ دي مش لايقة على فستانك الرقيق خالص.”
شدها من إيدها ودخلوا الطيارة الخاصة. صبا أول ما دخلت انبهرت بالفخامة، بس حاولت تداري ده ورمت نفسها على أول كرسي بضيق.
قاسم قعد قدامها بكل هدوء وفتح اللابتوب بتاعه وكأنها مش موجودة.
الطيارة بدأت تتحرك، وصبا حست بقلبها هيقف من القلق، بصت له وقالت:
— “الموبايل.. هاته دلوقتي عشان أمسح الفيديو قدامك.”
قاسم من غير ما يرفع عينه من على الشاشة:
— “لما نوصل بيروت ونطمن إن الصفقة تمت.. الموبايل هيرجعلك. دلوقتي ارتاحي، قدامنا ساعتين طيران.”
صبا قامت وقفت وقربت منه، وبكل جراءة قفلت له اللابتوب بإيدها:
— “أنا بكلمك! أنت فاكرني جارية عندك؟ أنا هنا عشان مصلحتك، يعني تعاملني باحترام.”
قاسم رفع عينه ببطء، والنظرة المرة دي كانت مختلفة..
كانت تقيلة ومركزة في ملامحها أوي. قام وقف وطوله خلى صبا ترجع خطوة، بس فضل يقرب لحد ما لزقت في جدار الطيارة. حط إيده الاتنين على الجدار حواليها، وحاصرها تماماً:
— “أنا مابحبش حد يقاطــ,,ـــــعني وأنا بشتغل.. ومابحبش حد يملي عليا شروط. أنتِ هنا عشان غلطتي، والغلط تمنه غالي عندي أوي.”
صبا كانت حاسة بنفاسه قريبة منها، وقالت بصوت مهزوز حاولت تخليه قوي:
— “تمن الغلط اعتذار، مش خطف!”
قاسم قرب من ودنها وهمس بصوت خلى جسمها كله يتنفض:
— “أنا مابعتذرش.. أنا باخد تعويض. والتعويض بتاعك إنك هتفضلي ‘خطيبتي’ لحد ما نرجع..
ولو الدور عجبني، يمكن أخلي الخطوبة بجد.”
صبا زقته بكل قوتها وهي بتصرخ:
— “في أحلامك يا قاسم! أنا مستحيل أتجوز واحد مغرور وشيطان زيك.”
قاسم ضحك بصوت عالي لأول مرة، ضحكة رجولية هزت كيانها، ورجع قعد مكانه وقال ببساطة:
— “نشوف.. لبنان جوها بيغير النفوس.”
أول ما وصلوا مطار بيروت، كانت في مفاجأة مستنية صبا..
لقوا صحافة وتصوير في انتظار “قاسم الألفي وخطيبته الغامضة”.
أول ما باب الطيارة اتفتح، صبا اتصدمت بفلاشات الكاميرات وصوت الصحفيين وهما بينطقوا اسم قاسم الألفي. بصت له برعب وهمست من بين سنانها:
— “إيه ده؟
أنت ما قولتليش إن في صحافة! أنا هروح في داهية لو حد من قرايبي شاف الصور دي.”
قاسم لبس نظارته الشمسية بمنتهى الثبات، ومسك إيدها وضغط عليها بقوة وكأنه بيفكرها بالاتفاق، وقال بهمس قاتل:
— “اثبتي.. أي حركة غلط الموبايل هيتفرمت بكل اللي عليه قبل ما توصلي للأرض. اضحكي يا خطيبتي العزيزة.”
نزلوا من على سلم الطيارة، وقاسم لف دراعه حوالين وسطها بتملك واضح، وبدأ يمشي وسط الصحفيين وهو بيرد بكلمات مقتضبة وذكية. واحد من الصحفيين قرب المايك وسأل:
— “قاسم بيه، مين الجميلة اللي خطفت قلب صقر الاقتصاد العربي فجأة كده؟”
قاسم بص لصبا بنظرة كلها “عشــ,,ـق” مزيف، وقال بصوت واثق: