في فرح ابني، بصلي وقال قدام الناس: امشي دلوقتي يا أمي… مراتي مش عايزاكِ هنا.” ما قلتش ولا كلمة، لفيت ومشيت. وتاني يوم الصبح اتصل عادي كأن مفيش حاجة حصلت وقال: “يا أمي… محتاج ملف البيت.” سكت شوية، وبعدين رديت عليه بأربع كلمات بس… أربع كلمات هو عمره ما هينساهم طول حياته.
الفرح كان في قاعة أفراح كبيرة في فندق على طريق سريع برّه القاهرة شوية. السجاد كان طري لدرجة إنك تمشي ومتحسش بخطوتك، والتكييف ساقع زيادة عن اللزوم، وصوت الأسانسير بيرن كل شوية في آخر الطرقة. جنب ركن الحلويات، كان كل حاجة مترتبة بشكل مبالغ فيه كأن الدنيا كلها ماشية تمام ومفيش ولا مشكلة. ابني كريم كان شكله حلو في بدلته. واقف بيضحك مع صحابه، وكرافتته ميلة زي كل مرة يبقى متحمس. ساعتها سمحت لنفسي لحظة أصدق إن ده اليوم اللي استنيته… كل سنين تعبي لوحدي وصلت للحظة دي.
وفجأة لقيته جاي عليّ، بس عينيه مش عليّ، كأنه مستني يخلّص وخلاص. قال بصوت واطي بس حاد: “امشي دلوقتي يا أمي… رنا مش عايزاكِ هنا.” في الأول حسّيت إن وداني خانتني. حوالينا الناس بتصوّر وبتضحك وكاسات بتخبط في بعض. واحد بيهتف ناحية الدي جي، والجرسون معدّي بالصينية ولا كأن حاجة حصلت. قلت له وأنا بحاول أمسك نفسي: “إنت بتتكلم جد؟” قال بسرعة: “لو سمحتي ما تكبّريش الموضوع… امشي بس.” بصّيت وراه. العروسة، رنا، قاعدة على الكوشة بفستانها الأبيض وبتضحك للناس. لما عيوننا اتقابلت، ملامحها ما اتغيرتش خالص. هدوء بارد… كأني حاجة مزعجة لازم تتشال من الطريق.حكايات رومانى مكرم
وساعتها عملت اللي بعمله دايمًا لما أبقى على وشك أعيّط قدام الناس. بلعت زعلي. حطّيت الكوباية على الترابيزة. ما اتخانقتش. ما ترجّيتش أقعد. مشيت من غير ما أعمل مشهد في فرح ابني. خرجت. شمس يونيو كانت ضاربة موقف العربيات نار. رحت لعربيتي القديمة المركونة على جنب، وسط عربيات فخمة جديدة. قعدت ورا الدركسيون شوية لحد ما إيدي بطلت ترجف وقدرت أتحرك. طريق الرجوع حسّيته أطول من أي مرة. نور محطات البنزين، قهوة جبتها وما شربتهاش، وصوت الكاوتش على الأسفلت، وفكرة واحدة بتلف في دماغي:
هو اختار راحة مراته بدل وجودي… من غير حتى ما يتردد. لما وصلت الحي بتاعي، كل حاجة كانت هادية زيادة عن اللزوم. البيوت مترتبة، الأنوار شغالة بتوقيت، وصندوق البريد خبط ورايا بصوت معدني وجعني جوايا. ما نمتش تقريبًا. حكايات رومانى مكرم الصبح كنت قاعدة على ترابيزة المطبخ، مسكة كوب الشاي، وببص على ملف أوراق البيت اللي حطّاه في الدولاب فوق التلاجة. كنت دايمًا أنظم كل حاجة، عشان لما الدنيا تقلب، أبقى مستعدة. الساعة 8 و12 دقيقة، الموبايل نوّر باسم كريم.
قال كأن مفيش حاجة حصلت: “يا أمي… أنا محتاج ملف البيت.” من برّه كان فيه أوتوبيس مدرسة واقف، وصوت منفاخ ورق شغال، والدنيا ماشية عادي كأن ولا حاجة حصلت امبارح. قلت له: “محتاجه ليه؟” قال بسرعة: “بس الملف… عايزين نبدأ موضوع كده الأسبوع ده. لو سمحتي ما تكبّريش الموضوع.” ومن ورا سمعت صوت رنا، واطي بس واضح إنها مستعجلة. بصّيت على الملف، وافتكرت إزاي طلعني من فرحه بسهولة… ورجع يتصل لما احتاج حاجة. سكت شوية.
وبعدين قلت له أربع كلمات. حكايات رومانى مكرم — سكت شوية… وريّتله أربع كلمات بس… أربع كلمات بس كان كفاية. قالها، وكنت عارفة إن دماغه هتلف فيها طول عمره: “خدها بنفسك يا كريم.” اتعلّق صمت في الخط… الصوت جه واطي، متلخبط: “إيه؟!” ما جاوبتش. ضحكت لنفسي بصوت واطي كمان، وقطعت المكالمة. قعدت على الترابيزة، وشربت شايي، وحسّيت لأول مرة من زمان إن عندي سيطرة على الموقف. النهار كان صافي برّه، والطيور بتزقزق، والبيت كله ساكت كأنه بيحتفل معايا، مش ضدي.
كريم رجع يبعت رسائل كتير خلال اليوم… وكلها محاولات إنه يضغط عليا، أو يستعجلني، أو يخلي الموضوع عادي. بس أنا ما رديتش على ولا واحدة، وما خليتوش يحس إن عنده سلطة عليا تاني. لحد آخر اليوم… حسّيت بنوع من الراحة. الراحة اللي ما كنتش حسّاها من سنين. الراحة دي كانت مش بس لأن ابني اتعلّم درس صغير، لكن لأنها كانت بداية لحياتي أنا من غير أي ضغوط أو إحراج أو خجل.
وبكده… الملف اتحرك على حسابه، وكل حاجة في البيت اتحركت براحة، وأنا قعدت أضحك لنفسي… وأفتكر يوم فرحه، يوم اختار يقف مع مراته بدل أمه، واليوم اللي أنا اخترت أوقف لنفسي. دي كانت البداية بس… والباقي يا كريم، هيكتشفه لوحده. حكايات رومانى مكرم حصرى لصفحه رومانى مكرم الأيام اللي بعدها كانت غريبة… كريم حاول كذا مرة يتصل أو ييجي البيت، وكل مرة كنت قفلت عليه المكالمة أو سيبته يتوه في صمت.