روايات

مراتى

لكن اللي ماكنتش أعرفه، إن شيخ صغير كان سامع كل الكلام، وكان متفق سرًا مع أخت مراتي التوأم. أول ما مشيت، كلمه في التليفون وقال: هشام عرف كل حاجة، راجع بالميه، لازم تتحركي بسرعة. على الطرف التاني، ضحكت الأخت وقالت: ما تقلقش، أنا عارفة أعمل إيه. لما رجعت البيت، حاولت أتصرف طبيعي، ابتسمتلي وقالت بنعومة: عامل إيه؟ قلت: تمام، رايح المدرسة أدي آدم حاجة، وحطيت الزجاجة على الترابيزة ودخلت أجيب الملح. أول ما خرجت، دخلت الأوضة بهدوء، فتحت الزجاجة، وحطت فيها سـ,ـم فئران، وهمست: نشوف هيكمل النهار ولا لأ.

قفلت الزجاجة بابتسامة سودا، وأنا رجعت، حطيت الملح، ومشيت على المدرسة… من غير ما أعرف اللي حصل. ليه الأخت بتعمل كده؟ وهل آدم هينجو ولا النهاية قربت؟ وقف هشام جنب الطريق، ماسك زجاجة مية صغيرة، إيده بترتعش جامد، الزجاجة دي كانت الأمل الوحيد اللي فاضل ينقذ ابنه اللي عنده خمستاشر سنة من مـ,ـوت بطيء كان بيحصل كل نص الليل. كان حاسس إن الزجاجة دي فيها روحه، فيها نفس ابنه، فيها آخر فرصة قبل ما كل حاجة تضيع، وصدره كان مقفول كأن حد حاطط حجر تقيل عليه.

وهو بيجري ناحية عربيته بسرعة، خبط فيه واحد فجأة من غير ما ياخد باله، جسمه اتلخبط، والزجاجة فلتت من إيده في ثانية. وقعت على الأرض، خبطت، ودحرجت قدامه، ودخلت في بالوعة المية قبل ما يلحق يعمل أي حاجة. صرخ هشام صرخة مكتومة، والعربيات حواليه كانت بتزمّر، والناس بتعدّي، ولا حد حاسس إن حياة طفل بتغـ,ـرق قدام عينه. شاف المية الوسخة وهي بتبلع الزجاجة واحدة واحدة، وحس كأنها بتبلع ابنه معاها. همس بصوت مكسـ,ـور: دي حياة ابني…

رجليه كانت بتتهز، وظهره اتقوس، وحس إن الدنيا بتلف بيه. طلع تليفونه بإيد بتترعش وكلم شيخ العيلة، صوته كان مبحوح وهو بيعيط: بالله عليك، الزجاجة وقعت وضاعت، كل حاجة راحت، ابني هيمـ,ـوت. سكت الشيخ شوية، السكون كان تقيل، وبعدين قال بصوت هادي لكنه حاسم: ارجعلي فورًا، ربنا مش هيكـ,ـسرك، ولسه في فرصة، بس لازم تلحق. هشام قفل المكالمة، جري على العربية، وساق كأنه مجنون، مش شايف الطريق، ولا سامع كلاكسات، ولا حاسس غير بنبض قلبه.

وصل عند الشيخ، قعد يدعي معاه، الشيخ صلى ودعاله، واداله زجاجة مية تانية، وقاله بجدية: اجري، الوقت بيخلص، وكل ثانية فارقة. مسك الزجاجة وكأنها كنز، وطلع جري، ركب العربية، واتجه على طول ناحية مدرسة آدم. قلبه كان بيدق بسرعة غريبة، أفكار سودا بتهاجمه، خايف يكون اتأخر، خايف يوصل يلاقي ابنه ضاع منه. لما وصل المدرسة، شاف منظر وجعه، آدم كان قاعد لوحده تحت شجرة، بيكلم نفسه، جسمه ضعيف، ضهره محني، وعنيه فاضية. هشام نزل من العربية وهو بيجري، وقع على ركبه قدامه، حـ,ـضنه وقال وهو بيعيط: اشرب يا ابني، عشان خاطري، دي آخر حاجة ممكن تنقذك.

آدم بص للزجاجة وقت طويل، كأنه مش فاهم هي إيه، وبعدين مد إيده وشربها على مهله. هشام كان حابس نفسه، عينه مش سايبة وش ابنه، مستني أي حركة، أي نفس. عدت دقايق تقيلة، أطول من العمر كله، وفجأة جسم آدم بدأ يرتعش بعـ,ـنف، المدرسين جريوا، في صريخ، في خوف. هشام حـ,ـضنه جامد، كان بيبكي وبيقول: سامحني يا ابني، سامحني إني ما لحقتكش بدري. وبعد لحظة، كل حاجة سكتت، الصريخ وقف، الرجفة هدّت. رفع آدم راسه وبص في عين أبوه، وقال بصوت واطي هادي: بابا؟

الصوت ده كسـ,ـر هشام، انهـ,ـار في العياط، ابنه رجع، رجع لعقله، رجع إنسان. وفي نفس اللحظة، بعيد عن المدرسة، في بيت هشام، صرخة قوية شقت الشارع. داليا خرجت تجري، هدومها مقطوعة، شعرها في إيديها، بتضحك وتعيط، وتصرخ: أنا اللي قتـ,ـلتها! أنا اللي عملت كل ده! وقعت على الأرض، بتكرر الكلام، والجيران اتلموا، حد اتصل بالشرطة. اعترفت بكل حاجة، قـ,ـتل أختها التوأم، استغلال آدم، وخطتها إنها تقتـ,ـل هشام بعد ما تخلص من ابنه. الشرطة خدتها، وعقلها كان رايح خلاص، كلامها ملخبط وضحكتها مرعبة.

آدم تعافى بعد اليوم ده، رجع طبيعي، رجع طفل، ونهى اتدفـ,ـنت أخيرًا، وارتاحت بعد رعب طويل. البيت سكت، لكن الذكريات فضلت. النهاية أحيانًا الحاجة اللي تفتكرها خيبة، تطلع رحمة من ربنا، الزجاجة اللي ضاعت كانت سبب إن آدم يعيش. وكل واحد عمل شر، مهما طال، لازم يدفع تمنه. تمت

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى