جوزي باع شقتنا.. باعها عشان يدي تمنها لابن عشيقته يبدأ بيه مشروعه الجديد. في اللحظة دي، مبعش بس حيطان، ده باعني أنا وأولادي، ورمى ذكرياتنا في أقرب سلة مهملات عشان خاطر ‘ست’ عرفت تسرق منه عقله.. وتمضي بيده على صك نهايتنا.”
كانت الساعة 4 العصر، والشمس داخلة من شباك الصالون بترسم خطوط دهبية على السجاد اللي لسه دافعة آخره قسطه الشهر اللي فات. كنت واقفة في المطبخ بجهز الغدا، وصوت ضحك “هارون” و”رقية” في الصالة مالي البيت حيوية.
دخل “عادل” البيت، بس مكنش عادل اللي أعرفه. كان وشه شاحب، وعينيه بتهرب مني في كل حتة.
حط مفاتيحه على الترابيزة بإيد مرتعشة، وقال جملة واحدة وقعت عليا زي الصاعقة:
“ليلى.. إحنا لازم نسيب الشقة دي خلال أسبوع.. أنا بعتها.”
المعلقة وقعت من إيدي، والوقت وقف. بصيت له بذهول وأنا مش مستوعبة:
“بعتها؟ يعني إيه بعتها يا عادل؟ دي شقتنا، دي البيت اللي شقينا عشان نكمله طوبة طوبة! ولادك هيروحوا فين؟”
رد ببرود مصطنع، وهو بيحاول يبان حازم:
“الفرصة كانت لقطة، ومكنش ينفع تضيع.. ومحتاج السيولة دي لظرف طارئ.”
في اللحظة دي، تليفونه اللي كان على الترابيزة نور بإشعار رسالة “واتساب”. عيني لمحت الاسم: “سوسن”.
مقدرتش أمسك نفسي، خطفت الموبايل قبل ما يلحق يمنعني. الرسالة كانت واضحة وصريحة: “مبروك يا حبيبي، الفلوس وصلت حساب ابني.. هو دلوقتي بدأ يشتري معدات المطعم. مش عارفة من غيرك كنا هنعمل إيه، أنت بجد السند لينا.”
الدنيا لفت بيا. بصيت له والدموع محبوسة في عيني، بس مش دموع ضعف، دي كانت دموع ناــ,,ـر:
“السند؟ السند ليهم يا عادل؟ بتبيع بيت ولادك عشان تعمل مشروع لابن الست دي؟ بتبني ليهم مستقبل على جــ,,ـثثنا إحنا؟”
عادل حاول يزعق عشان يداري خيبته:
“إنتي بتفتشي في موبايلي؟
وبعدين الولد زي ابني، ومحتاج حد يقف جنبه..”
قاطعته بضحكة هستيرية، ضحكة وجع:
“زي ابنك؟ والاتنين اللي بره دول يبقوا مين؟ اللي أنت بترميهم في الشارع عشان خاطر ‘ابنها’؟ أنت مبعتش الشقة يا عادل.. أنت بعتنا إحنا، ومن النهاردة، مفيش ليك مكان في حياتنا.. ولا حتى في خيالنا.”
خرجت من المطبخ وأنا مقررة إن دي مش النهاية.. دي بداية الحرب.
خرجت من المطبخ، وخطواتي كانت تقيلة كأني ماشية وسط بركة من الرصاص. بصيت لـ “هارون” وهو بيلعب بعربيته الصغيرة، و”رقية” اللي كانت بتسرح شعر عروستها ومنطلقة في عالمها الوردي.. ميعرفوش إن السقف اللي فوقهم ده مبقاش ملكهم، ميعرفوش إن أبوهم اللي بيحبوه، شطب عليهم بـ “جرة قلم” عشان خاطر عيون واحدة تانية.
عادل جيه ورايا وهو بينهج، صوته كان مليان توتر وغضب مكتوم:
“ليلى، اسمعيني بس.. أنا عملت ده عشان نكبر، المشروع ده كان هيجيب أرباح تخلينا نجيب فيلا مش شقة!”
التفت له ببطء، وعيني كانت ثابتة في عينه بقوة خلته يرجع خطوة لورا:
“فيلا؟
بفلوس عشيقتك يا عادل؟ إنت عارف إنت عملت إيه؟ إنت مش بس سرقت حق ولادك، إنت سرقت ذكرياتي.. الحيطة اللي ساند عليها ‘هارون’ دي، إحنا اللي دهناها سوا وإحنا بنضحك وتعبنا فيها. الركن ده اللي شهد أول خطوات لـ ‘رقية’.. إنت بعت دموعنا وفرحنا عشان تشتري مكن لمطعم ابن سوسن؟”
ريحت راسي على الباب وأنا بضحك بمرارة:
“عارف يا عادل.. القهرة مش في البيع، القهرة إنك كنت بتمثل علينا دور الأب المثالي وإنت بتخطط من ورانا إزاي ترمينا في الشارع.
إنت كنت بتتعشى معانا وبتنام في سريرنا وإنت عارف إن مفيش لينا مكان هنا الأسبوع الجاي.”
سكتت لحظة، وحسيت بقوة غريبة بتتسحب من جوه وجعي، مسحت وشي بكف إيدي وقولت بصوت واطي ومرعب:
“الأسبوع اللي إنت قولت عليه.. ده هيكون أطول أسبوع في حياتك. والفلوس اللي راحت لحساب سوسن، صدقني يا عادل، هترجعلي مليم مليم.. بس بالمعروف أو بالدم، دي لسه محددتهاش.”
دخلت أوضتي وقبل ما أقفل الباب في وشه، رميت الموبايل بتاعه على السرير:
“خد موبايلك.. رد على سوسن قولها ‘مبروك’، بس قولها كمان إن ‘ليلى’ بتقولك إن اللي بيبني بيته على خرابة بيت غيره..
السقف بيقع عليه أول واحد.”
رزعت الباب، وسندت ضهري عليه.. الدموع بدأت تنزل أخيراً، بس مكنتش دموع ضعف. كانت دموع بتغسل آخر حتة “حب” كانت باقية في قلبي للإنسان ده، عشان تفرغ مكان لـ “انتقام” ملوش حدود.
فتحت الدولاب، وطلعت شنطة صغيرة مخبية فيها دهبي وورق مهم كنت شايلاه للزمن.. وقولت لنفسي: “دلوقتي جه الزمان يا ليلى.. وريني شطارتك.”
قعدت على طرف السرير، والشنطة الصغيرة في حضــ,,ـني كأنها طوق النجاة الوحيد. مسحت دموعي بضهر إيدي بعنف، وكأني بمسح أي أثر للضعف قدام نفسي. طلعت علبة الذهب، “الغوايش” اللي أمي الله يرحمها ادتهالي وقالتلي:
“شيليها يا بنتي للزمن، غدر الرجالة ملوش أمان”.. مكنتش أعرف إن كلامها هيكون هو الحقيقة الوحيدة اللي هقابلها في حياتي.
فتحت الفايل التاني، وطلعت “وصلات الأمانة” و”فواتير الفرش” اللي كنت محتفظة بيها بكل هوس.. أنا اللي كنت بشتري، وأنا اللي كنت بمضي، وأنا اللي كنت بتابع القسط. عادل كان مجرد “اسم” على العقد، لكن الروح والفلوس والتعب كانوا بتوعي.
سمعت صوته بره بيحاول يكلم “هارون” و”رقية”، بس صوته كان مهزوز، كأنه خايف يواجه براءتهم بعد ما باع سقفهم. قمت وقفت قدام المراية، بصيت لوشي اللي كان باين عليه الإرهاق بس عينيا كانت بتلمع بتحدي غريب.
قولت لنفسي بصوت واطي ومسموع:
“إنت اللي اخترت يا عادل.. اخترت تبيع الأمان، يبقى تستحمل القلق. والست اللي فاكرة إنها كسبت جولة بمشروع ابنها، لسه متعرفش إن ‘ليلى’ لما بتتحرــ,,ـق، مابتحرــ,,ـقش نفسها.. دي بتحرــ,,ـق المركب بكل اللي عليها.”
فتحت باب الأوضة وخرجت. عادل كان واقف في الصالة، بصلي برعب كأنه مستني هجوم جديد، لكن أنا كنت هادية.. هدوء يسبق العاصفة بجد.
روحت لـ “هارون” و”رقية”، بستهم في راسهم وقلتلهم بحنان:
“قوموا البسوا يا حبايبي.. هنروح نقضي كام يوم عند تيتة.”
عادل سأل بلهفة:
“هتمشي يا ليلى؟ ده أحسن برضه..
عشان نهدى ونعرف نفكر.”
بصيت له بابتسامة باردة جداً وقررت أرمي أول قنبلة:
“أنا مش ماشية عشان أهدى يا عادل.. أنا ماشية عشان أوسع لك المكان إنت ومحاميك، لأن المحضر اللي هعمله دلوقتي بـ ‘تبديد منقولات’ و’طرد تعسفي’ هيحتاج مساحة كبيرة في ملفات القسم. والشقة اللي بعتها دي؟ لسه متعرفش إن عندي ‘عقد تنازل’ قديم منك بالبيع ليّا، كنت ناسيه في درج المكتب.. فاكره؟”
وشه اتحول للون الكركم، وبدأ يتلعثم:
“عقد إيه؟ إنتي بتقولي إيه يا ليلى؟”
مردتش عليه، سحبته ولادي من إيديهم وخرجت..
وأنا بقفل باب الشقة ورايا، كنت عارفة إن المرة الجاية اللي هفتح فيها الباب ده، هتكون معايّ قوة من القانون.. وكسرة عين ليه ولـ “سوسن”.
وصلت بيت والدتي، ركنت ولادي في أوضتهم مع مامتك اللي كانت بتبصلي بوجع وعارفا إن ورا السكوت ده بركان. قعدت في الصالة، طلعت الموبايل وطلبت رقم “عصام”، المحامي وصديق العيلة اللي مبيفوتش فايتة.
“أيوة يا عصام.. عادل باع الشقة لابن سوسن يا عصام.. باعنا كأننا أثاث قديم. عايزة التمكين، وعايزة الحجز على المنقولات، وعايزة العقد اللي بينا يتم تفعيله حالاً.”
صوت عصام جالي من الناحية التانية مذهول، بس اتحول بسرعة لتركيز المحامين الحريفة:
“اهدي يا ليلى.. لو العقد اللي معاكي ‘صحة توقيع’ أو حتى تنازل ابتدائي، إحنا نقدر نوقف حال البيعة دي ونحبس عادل بتهمة النصب. سيبيني أتحرك، بس إنتي متضعفيش لو جالك يتسحب.”
قفلت معاه، ومسكت موبايلي تاني.. المرة دي دخلت على صفحة “سوسن” على الفيسبوك. لقيتها منزلة صورة “قص شريط” لمحل صغير، وكاتبة: “أحلامنا بتتحقق.. شكراً للي وقفوا جنبي بجد.”
ضحكت بمرارة وقولت في سري: “مبروك يا سوسن.. بس يا ريت تكوني مأمنة المحل ضد الح.ريق، لأن الح.ريقة اللي هولعها في حياتكم مابتطفيش بمية.”
بعد ساعتين، موبايلي مابطلش رن.. عادل.
مردتش غير بعد عاشر مرة، وبمنتهى البرود:
“عايز إيه يا عادل؟ بلحّق تلم هدومك ولا لسه؟”
صوته كان مخنوق، وبيهمس كأن حد جنبه:
“ليلى.. إنتي بتهزري صح؟ عقد إيه وتنازل إيه؟ إنتي عارفة إن البيعة دي لو باظت أنا هتحبس.. سوسن خدت الفلوس وادتها للمقاول والناس بدأت شغل!”
رديت بضحكة عالية سمعت الشارع كله:
“وإيه يعني لما تتحبس؟ مش أحسن ما تترمي في الشارع زينا؟ وبعدين يا حرام.. سوسن هتعمل إيه من غير ‘سندها’؟
بس متقلقش، أنا هبعتلك ‘عيش وحلاوة’ في الزيارة، تمن السجاد اللي إنت بعته.”
“ليلى أبوس إيدك.. سوسن جنبي ومنهارة، بتقول إنك كدة بتخربي بيت ابنها.”
أول ما نطق اسمها، ناــ,,ـر في ص.دري ولعت، وقفت وقولت بقوة:
“بتقول إيه؟ بتخرب بيت ابنها؟ وهي اللي عملته في ‘رقية وهارون’ ده كان إيه؟ كانت بتوزع عليهم شيكولاتة؟ اسمع يا عادل.. القعدة الجاية مش بيني وبينك، دي بين المحامين. والشقة دي، مش هيدخلها غريب طول ما أنا فيّ نفس، والفلوس اللي طلعت دي، سوسن هترجعها دهب وألماظ عشان تطلعك من قضية النصب اللي هلبسهالك..
ده لو وافقت أصلاً.”
قفلت السكة في وشه قبل ما ينطق بكلمة.. وحسيت لأول مرة إني بدأت أتنفس بجد.
لبست أحسن طقم عندي، وحطيت روج أحمر غامق كأني رايحة حفلة مش رايحة حرب. كنت محتاجة أبين في كامل قوتي، مش عايزة ولا ذرة انكسار تظهر على وشي. ركبت عربيتي وطلعت على العنوان اللي شفته في صفحة سوسن.. “مطعم البركة”.
وصلت لقيت العمال شغالين، واليافطة بتتعلق، وريتشارد (عادل) واقف بيمسح عرق جبينه، وجنبه ست رفيعة، لابسة لبس “متصابي” وماسكة في إيده كأنها خايفة يهرب.. كانت هي، سوسن.
نزلت من العربية، وقفلت الباب بـ “رزعة” سمعت الشارع كله. أول ما عادل شافني، وشه جاب ألوان، وسوسن سابت إيده وبصتلي بنظرة كلها غل وحقد.
مشيت بخطوات واثقة لحد ما وقفت قدامهم، وقولت بابتسامة مستفزة:
“ألف مبروك يا جما.عة.. المكان حلو أوي، واليافطة ذوقها ‘بلدي’ شوية بس تليق عليكم.”
سوسن ردت بصوت مسرسع:
“إيه اللي جاب الست دي هنا يا عادل؟ مش قولت إنك خلصت الموضوع؟”
بصيت لها من فوق لتحت وقولت ببرود:
“خلصت إيه يا حبيبتي؟ ده إحنا لسه بنبدأ. أنا بس جيت أهني ‘ابنك’ على المطعم اللي مبيتبنيش غير بخراب بيوت تانية..
وجيت أقول للمقاول والعمال اللي شغالين دول، إن الفلوس اللي بياخدوها دي ‘فلوس حرام’، لأنها ناتجة عن عملية نصب أنا بلغت عنها رسمي.”
عادل اتدخل وصوته بيرتعش:
“ليلى، ارجوكي.. بلاش فضايح قدام الناس، تعالي نتكلم على انفراد.”
“انفراد؟” ضحكت بصوت عالي: “إنت مسبتليش حاجة أتكسف عليها يا عادل. إنت بعت البيت اللي بيلمنا عشان تفرش مطعم لابن دي! وعشان كدة، أنا جيت أقولكم إن المحضر اتعمل، والنهاردة المساحة هتيجي تعاين الشقة، والبيعة اللي إنت عملتها دي ‘بلّها واشرب ميتها’.. لأن العقد اللي معايا بتاريخ أقدم من بيعتك بكتير.”
سوسن بدأت تصوت:
“إنتي كدابة!
عادل قالي إن الشقة بتاعته ومالكيش فيها مليم! الفلوس اندفعت يا عادل.. اتصرف!”
قربت من سوسن لدرجة إن نفسي بقى في وشها، وقولت بصوت واطي زي فحيح الحية:
“عادل قالك؟ عادل اللي خان عشرة ٢٠ سنة، فاكرة إنه مش هيخونك إنتي؟ ده باع لحمه ودمه عشان ليلة.. تفتكري لما يقع، أول واحد هيضحي بيه هيكون مين؟ خدي بالك من نفسك يا سوسن، لأن المطعم ده هقفلهولك بالشمع الأحمر قبل ما تبيعي فيه سندوتش واحد.”
التفت لعادل ورميت في وشه “صورة” من المحضر:
“المحامي مستنيك في القسم يا عادل.. ياريت متتأخرش، عشان ‘هارون ورقيه’ بيسلموا عليك وبيقولولك:
‘البيت اللي بعته، لسه أمه موجودة تحميه’.”
سبتهم واقفين زي الأصنام وسط العمال اللي بدأوا يتوشوشوا، وركبت عربيتي ومشيت وأنا شايفة في مراية العربية سوسن وهي بتخبط على ص.درها وبتزعق لعادل.. ودي كانت أول جرعة “برد” تبرد ناــ,,ـري.
تحركت “سوسن” بانهيار وهي بتمسك في دراع عادل وبتهزه بعنف:
“يعني إيه يا عادل؟ يعني إيه الشقة مش بتاعتك؟ والفلوس اللي ابني دفعها للمقاول دي هتروح فين؟ اتصرف يا عادل.. اخلص!”