عادل كان واقف مكانه، وشه بقى لونه أصفر زي الكركم، ومش قادر ينطق بكلمة واحدة. بصيت لهم بنظرة أخيرة كلها احتقار، وركبت عربيتي ومشيت وأنا شايفة في المراية “سوسن” وهي بتصوت في نص الشارع، وعادل اللي بدأ يدرك إنه خسر كل حاجة في لحظة واحدة.
رجعت بيت والدتي، وكنت حاسة إن جبل كان على ص.دري وانزاح. دخلت لقيت “عصام” المحامي مستنيني، ومعاه ورقة بختم النسر.
“مبروك يا ليلى.. قدمنا طلب التمكين وبما إنك حاضنة ومعاكي أطفال في سن الحضانة، القرار هيص.در بصفة مستعجلة. والبيعة اللي عملها عادل؟
دي هتبقى قضية ‘نصب وتبديد’ رسمي، لأنك لسه ليكي حق الانتفاع بالعين.”
ابتسمت بوجع وقلتله:
“أنا مش عايزة أحبسه يا عصام.. أنا بس عايزة حقي وحق ولادي. عايزة الفلوس اللي طلعت دي ترجع مليم مليم، وعايزة ‘سوسن’ تعرف إن اللي بتبني سعادتها على أنقاض بيت غيرها، بيتسحب البساط من تحت رجليها في ثانية.”
قاطع كلامنا خبط عنيف على الباب.. كانت الساعة بقت 9 بليل. فتحت والدتي الباب، ولقينا “عادل” واقف، بس مكنش عادل اللي خرج من شوية ببدلة شيك.. كان مبهدل، وعينيه حمرا من العياط.
دخل وارتمى تحت رجلي قدام والدتي وهو بيشهق:
“سامحيني يا ليلى..
سوسن طردتني أول ما عرفت إن الشقة فيها مشاكل، وقالتلي ‘اشربها لوحدك’. المقاول وقف الشغل وطالب بفلوس زيادة، وأنا ممعيش مليم.. ضيعت كل حاجة يا ليلى، ضيعتكم وضيعت نفسي.”
بصيت له بمنتهى البرود، مكنتش حاسة بأي شفقة تجاهه. القلبي اللي كان مليان حب، بقى عبارة عن قطعة تلج.
وقفت وقلتله بصوت حاسم:
“قوم يا عادل.. دموعك دي مابقتش تحرك فيّ شعرة. إنت مجتش هنا عشان ندمان، إنت جيت عشان ‘سوسن’ رمتك لما لقتك مابقتش ‘السند’ اللي بتدور عليه. الشقة هترجعلي، والفلوس اللي دفعتها لابنها، هتجيبها منها حتى لو هتبيع هدومك..
والطلاق هيتم بكرة الصبح، وبكل حقوقي.”
عادل بصلي بذهول:
“هتطلقي يا ليلى؟ ولادنا يا ليلى!”
“ولادنا إنت مابصيتش ليهم وإنت بتمضي على عقد بيع سقفهم. ولادنا ليهم أم هتعوضهم عن غياب الأب اللي باعهم بليلة. اخرج يا عادل.. اخرج وروح لسوسن، يمكن تحن عليك وتخليك تنام في مخزن المطعم اللي بفلوسنا.”
خرج عادل وهو بيجر أذيال الخيبة، وقفلت الباب ورايا.. وبصيت لـ “هارون ورقيه” اللي كانوا نايمين في سلام، وقلت لنفسي: “النهارده بس.. عرفت أنام وأنا مطمنة إن السقف اللي فوقنا مابقاش من زجاج.”
بعد أسبوع بالظبط، كنت واقفة قدام باب شقتي.. “شقتنا”. بس المرة دي مكنتش لوحدي، كان معايا “عصام” المحامي، ومعانا محضر من المحكمة وقوة تنفيذ.
عادل كان واقف بعيد، شايل شنطة هدومه اللي فاضلة، وشه كان مطفي تماماً. أما “سوسن”، فكانت واقفة على السلم بتزعق وبتوعد وبتجيب سيرة “ابنها وشقاه”، بس ولا حد كان معبرها. مدير أعمال المقاول كان واقف يطالبها برد المقدم لأن “الأرض طلعت محروقة” والشراكة باظت.
المحضر بصلي وقالي:
“اتفضلي يا مدام ليلى.. الشقة الآن تحت حيازتك الكاملة بقرار التمكين. اتفضلي استلمي المفاتيح.”
مسكت المفاتيح في إيدي، وحسيت برعشة غريبة..
دي مش مجرد حديد، دي “كرامتي” اللي رجعت. فتحت الباب، ودخلت. ريحة الشقة كانت لسه فيها أثر “عادل”، بس أنا كنت مجهزة كل حاجة.
طلعت الموبايل وكلمت شركة “نظافة” و”نقاش”:
“أيوة.. عايزة الشقة تتقلب بالكامل. الحيطان تتدهن ألوان جديدة، والعفش يترتب من أول وجديد. مش عايزة أثر لأي حاجة قديمة.”
بصيت من البلكونة، لقيت عادل لسه واقف تحت، بص لي نظرة أخيرة كأنه بيطلب السماح. شاورت له بإيدي “باي باي”، وقفلت شيش البلكونة في وشه للأبد.
بعد شهر..
الشقة بقت “جنة”. الألوان بقت أهدى، والروح بقت أنقى.
هارون ورقيه بقوا بيلعبوا وهما مطمنين إن مفيش حد هيقدر يخرجهم تاني.
قعدت في البلكونة، بشرب قهوتي وببص على الشارع. عرفت من “عصام” إن سوسن وابنها خسروا كل اللي وراهم واللي قدامهم في قضايا التعويضات، وعادل شغال في شغلانتين عشان يسدد الديون اللي عليه ويهرب من الحبس.. بقى “مشرّد” زي ما كان عايز يعمل فينا.
فتحت اللابتوب بتاعي، وبدأت أكتب.. مكنتش بكتب “شكوى” ولا “محضر”، كنت بكتب أول سطر في روايتي الجديدة:
“يقولون إن البيوت تُبنى من حجارة، لكنني اكتشفت أن البيوت تُبنى من ‘قوة امرأة’ قررت ألا تنحني..
حتى لو انهار السقف فوق رأسها.”
تليفوني رن، كان رقم جديد.. رديت بهدوء:
“أيوة.. مين معايا؟”
جالي صوت راجل وقور:
“مدام ليلى؟ أنا مدير البنك.. حابب أبلغك إن إجراءات استرداد مبالغ القسط اللي اندفعت من حسابك الشخصي تمت، والمبلغ رجع لحسابك بالكامل.”
ابتسمت، وقفلت السكة. بصيت للسماء وقولت: “شكراً يا رب.. دلوقتي بس، الشمس دخلت بيتي بجد.”
تمت.