ومازال أمير يبتعد وينسحب رويداً رويدا حتي أنه مؤخراً غاب عن المشهد نهائياً، ومٌنذُ ذاك الوقت وقد ساءت حالة أمل من جديد جراء إبتعادهُ ، قررت سَحر أن تذهب إليه داخل منزل والده كي تستعطفه ليعود من جديد لمساندة إبنتها التي تذبل وتذوب أمام أعيُنها يومً بعد الآخر جراء إبتعادهُ المخزي وتخليها عنه بتلك الطريقة المُهينة دقت الجرس وانتظرت، فتحت لها شيرين وهي ترتدي ثوبً فخمً وكأنها تحضر عُرسً أو مناسبة هامة ، إرتبكت حين رأتها أمامها وتلبكت قائلة :
_ طنط سَحر ! خير فيه حاجه ؟ إستمعت سحر وانتبهت لضحكات وأصوات صاخبة تأتيها من الداخل فتحدثت إلي شيرين بإستغراب لردة فعلها تلك : _ دي مقابلة بردوا تقابليني بيها يا شيرين وطلت برأسِها للداخل متسائلة : _ هو إنتم عندكم ضيوف ؟ اجابتها بنبرة رخيمة تلك التي ما زالت مُمسكة بباب الشقة وتغلقهُ بجسدِها : _ اه، عندنا ضيوف تنهدت سحر وأردفت قائلة بإستسلام : _ طب يا ريت يا بنتي تندهي لـ أمير علشان عوزاه في موضوع مُهم ورنيت عليه في الفون وللأسف مردش عليا
وأكملت لتُطمأنها : _ وما تقلقيش، هاخده وهنقعد برة في أي كافيه ، يعني مش هعمل لكم ربكة في المكان تلبكت شيرين وأجابتها بنبرة مرتبكة ظهرت علي وجهها : _ أمير مش هينفع يخرج مع حضرتك ثم أخذت نفسً عميقً لتقوي حالها وتُرمي بقُنبلتها في وجة تلك الأم الحزينة : _ بصراحة كده أمير خطب وهيتجوز، وخطيبته وأهلها معزومين علي الغدا عندنا إنهاردة، يعني وجود حضرتك هنا مش في محله ولا مُرحب بيه
نزلت تلك الكلمات علي قلب سحر أحرقته ، وما شعرت بحالها إلا وهي تتخلي عن كبريائها وتربيتها الحَسنه وتدفع تلك الشيرين للخلف مما جعلها تتهاوي وكادت ان تسقط أرضً لولا إستنادها علي الحائط أسرعت سحر إلي الداخل تحت صياح شيربن ، تسمرت قدميها بالأرض حين وجدت أمير يجلس بجانب شقيقة زوج شيرين التي لم يسبق لها الزواج بعد ، مُمسكً بكف يدها ويتبادلان الأحاديث والضحكات وحولهما مباركاتٍ من الأهل إنتفض وهب واقفً من جلسته حين رأها أمامه ونظر إليها بعيناي جاحظة ثم تمتم بشفاهٍ مُرتعشة :
_ طنط سَحر تحدثت هي إليه بنبرة غاضبة وعيناي تطلقُ شزراً : _ آه يا قليل الأصل يا ندل يا خسيس ، بقا سايب مراتك تعبانة وأخوها هو اللي متحمل نفقة علاجها وقاعد تحب وتخطب يا عِرة الرجالة ، إخص عليك وعلي أصلك الواطي ، إخص وأكملت وهي ترمقهُ بنظرات مشمئزة : بس تعرف، العيب مش عليك، العيب علي بنتي اللي حبت وإتجوزت واحد لا يليق بمستواها لا الفكري ولا الإجتماعي ولا المادي وأشارت بيدها ساخرة :
_ وأدي النتيجة ، طلع خسيس وباعها عند أول إختبار قابلهم في حياتهم وقفت راوية وتحدثت بحده ونبرة غاضبة : _ ما تلمي نفسك يا ست إنتِ ، إنتِ جاية تغلطي فينا في وسط بيتنا، وبعدين يا حبيبتي أنا إبني حُر ويعمل اللي علي كيفة وأكملت بنبرة خالية من الرحمة : _ بنتك وربنا إبتلاها بمرض مش هتقوم منه ، وإبني راجل ولسه في عز شبابة ومن حقة يتجوز واحدة تشوف طلباته وتخلف له الولد اللي بنتك حتي لو فلتت من المرض عمرها ما هتعرف تخلفهوله
هتف مصطفي بنبرة حازمة ناهراً زوجته بحدة : _ عيب يا راوية الكلام اللي بتقولية ده، إسكتي خالص مش عاوز أسمع صوتك نزلت كلماتها المُميتة علي قلب سحر زلزلته فتحدثت بذهول وإهانة لتلك الشمطاء : _ إبنك مش جايب قلة الأصل من برة يا راوية ، دي وراثة رضعها في اللبن اللي شربه منك وبتجري جوة دمه ثم نظرت إلي والدة العروس وتحدثت ساخرة بألم :
_ مبروك يا أم العروسة ، بس نصيحة مني ليكي ، ما تبقيش تنسي وإنتِ بتمضي سبع الرجالة علي عقد الجواز تبقي تمضيه كمان علي إقرار إنه يبقا راجل مع بنتك وميسبهاش عند أول إختبار حقيقي يحصل لها ثم نظرت إلي أمير الذي يقف كالفرخ المُبتل يشعر بخِزيٍ وعار من حديث سحر المُحق ويلعن حالهُ أنه سلم رأسهِ لوشي والدتهُ وشقيقته وتحدثت سحر بقوة وشموخ لإمرأة عزيزة النفس : _ ورقة طلاق بنتي توصلني في أسرع وقت وقبل ما تتمم جوازك من الأستاذة
وأكملت مُشيرة بسبابتِها مُهددةً إياة بوعيد : _ وإلا قسماً بالله هخليها تخلعك وأبعت لك المُحضر بإعلان القضية علي مكان شُغلك وأفضحك وسط الناس كلها يا إبن أمك
هُنا قرر مصطفي التدخل رُغم الخجل الذي يعتريه من وجود سَحر : _ إهدي يا مدام سحر وخلينا نتفاهم بالعقل ، طلاق إيه بس بعد الشر اللي بتتكلمي عنه، إعملي حساب حتي للبنت الصغيرة إلتفت إليه وتحدثت بقوة وهي ترمقهُ بنظرات إشمئزاز :
_ وإنتم كنتم عملتم حساب للبنت ولا للعشرة ولقمة العيش اللي كلناها سوا ، ولا كنتم عملتم حساب لبنتي اللي عاشت مع إبنكم علي المُرة قبل الحلوة، ورضيت بيه وبفقرة وهي بنت الأكابر اللي عُمرها ما أتحرمت من حاجة وأسترسلت حديثها بنبرة لائمة: _هو ده رد الجميل يا أستاذ مصطفي يا أبن الأصول؟ وأكملت بحسرة وقلبٍ يتألم علي صغيرتها : _يا خسارة العشرة والعيش والملح اللي معملتوش حسابهم ، ياخسارة كل لحظة بنتي عاشتها معاكم وهي مخدوعة فيكم وفكراكم أهل وسند ليها
هتفت شيرين قائلة بنبرة وقحه : _ جري إية يا ست إنتِ ، ماخلاص خلصنا، بنتك وعندك إشبعي بيها، وأخويا وخلاص هيتجوز ويشوف حياته ويكملها ، ولو علي الطلاق فدي بسيطة