-طيبة…يالا يابنتي تعالي ساعديني أحط الأكل بابا زمانه جاي.
خرجت طيبة ذات الوجه البيضاوي المنير وعيونها العسليه وكذلك شعرها يتطاير من حولها تردد وقد تأنقت في زي بسيط.
-يا ماما أنا متقفه مع صحابي نخرج النهارده سوا.
-يا حبيبتي أجليها الحمل شادد عليا وابوكي كان هيرجع بكره لكن خلص بسرعه وراجع النهاردة.
زمت طيبة شفتيها غير راضية وهي تردد بتبرم:
-يوووه بقا
-بطلي دلع يا طيبة ويالا تعالي ساعديني، والا هقول لبابا لما يرجع.
-قولي له
قالتها وهي تداعب لها حاجبيها فردت الأم:
-صحيح مانتي عارفه ان مش على الحجر غيرك وهو لا بيزعلك ولا بيعمل حاجة، هتيجي تساعديني ولا والله ادعي عليكي دعوة تتسخطي قرد دلوقتي
-خلاص هاجي.
ساعدتها في رص صنوف الطعام على السفره، كان الحال ميسر والوالد ينفق عليهم من وسع، حلست الام بجوار طيبة تضع يدها على معدتها وهي شاردة تفكر:
-تفتكري أبوكي جايب لنا ايه معاه المرة دي
-أكيد توابل وحنه بيضا انا طالبه كذا علبه لأصحابي أول ماعرفوا انه رايح أسوان شبطوا..
صمتت طيبة لثواني وسألت:
-تفتكري يا ماما ممكن يعدي على جدي والعيلة هناك ولا…
قضبت حديثها عندما لاحظت تلاشي البسمه من على ملامح والدتها وتحولت الى تجهم عالي ثم ردت:
-لا حرم خلاص، هو ياما حاول وهما قافلين الباب في وشه لحد ما يأس وبعدين أبوكي مع الفوج السياحي في أسوان و أهل أبوكي من قنا.
التفت طيبة تسألها متحينة الفرصة ربما جاوبتها:
-هما ليه اهل بابا قالبين عليه يا ماما؟ مافيش عداوة كده ابداً.
أسبلت الأم جفناها بألم وقالا:
-عشاني، عشان اتمسك بيا
-ايوه بس مش للدرجة دي يعني مهما كان، جوازة مش راضيين عنها مش هتخليهم يطردوا ابنهم ويتبروا منه كل السنين دي ومهما يروح يتمنع انه يدخل حتى.
-عشان أهل أبوكي عيله كبيرة ،كبيرة قوي،ماسكة زمام قنا كله، وانا… صمتت الأم تتنهد بأسى وعجز تكمل:
-حلبية
-أيه؟!! يعني ايه؟!
-يعني من الحلب الي هما الغجر، انتي ماتوعيش على الكلام ده، بس زمان كانوا موجودين والقرب منهم عار، لما كانوا يحلوا على بلد كانوا بيعاملوهم زي الوبا، يسيبوهم على طروف البلد والغجر بردو سمعتهم مش الي هي، كانوا هليبة وحراميه يسرقوا الكحل من العين، بس انا مش ذنبي ان أمي حلبية لكن ابويا كان راجل شريف، أتجوز أمي بعد ما لافت عليه وشغلته، دي كانت البدايه بس بعد ما اتجوزها عقلت وبقت من ايده دي لأيده دي وماتت على سجادة الصلاة، لكن بردك الناس مش بتنسى واهل أبوكي فضلوا فاكرين، يوم ما فاتحهم بس في الموضوع….يااااه، نــ ــار بعيد عنك والبيت
دب فيه الصوات وجدك حالف بأيمان المسلمين مايحصل…بس أبوكي صمم …و… قاطع حديثها صوت اتصال فابتسمت باتساع:
-ده ابوكي، تلاقيه بيقولي انه قرب عشان أحمر الفرخه. فتحت الاتصال بنفس البسمه لكن سرعان ما تلاشت وهي تسمع صوت غير صوت زوجها يخبرها انه قد أنصاب في حـ .ــادث جـ,ـسيم . وصلوا للمشفى ركضاً كل منهما تستند على الأخرى بهلع. سألت عنه طيبة بقسم الإستعلامات فأخبروها أنه في الطوارئ.
ركضت كل منهما والأم تلهس من شدة الحمل لكنها كانت تركض، وصلا لأحد الغرف حيث خرج الطبيب فسألته طيبة:
-لو سمحت يا دكتور بنسأل عن الحالة اللي جايه من شويه، الأتوبيس السياحي اللي اتقلب.
-اه السواح بخير والسواق بس عنده كدمات كتيره كسر في الحوض.
-طب…و …بابا…المرشد اللي كان معاهم.
سألت بتقطع وقلق فكلام الطبيب لم يكن مبشر وبالفعل صدق حدسها فقد تحولت ملامحه للأسف الشديد وردد:
-لا البقاء لله
انهارت الأم صـ,ـراخاً وما عادت ترى أمامها بينما طيبة قد ذهب عقلها وتمسكت بتلابيب الطبيب الشاب الذي كان يهم بالرحيل، اخذت تهزي :
-البقاء لله ايه، لا…خده ..خده حطه في الإنعاش ولا…ولا اعمله بجهاز الصدمه ده، اعمل اي حاجه .
-وحدي الله يا انسه، والدك جاي خلصان أصلاً، وحدي الله. حررت كفيها بصدمة من على قميصه وألتفت ترى والدتها تصرخ منهارة وبعدها صمتت نهائياً وسكن جسدها
ويلها ويلين، والدها جـ . ــثه بالداخل و والدتها الحامل مغشي عليها بالخارج.
لم تكن تحسن التصرف ولا تعرف أين تذهب وتجيئ، وحيدة مكسورة الظهر وملكومة.
إجراءات الدفــ . ــن تمت، وقفت تدفــ . ــنه مع أهل حيها، الأم كانت تحت تأثير المنوم وهي لا تعرف رقماً للتواصل مع أهل والدها كي تدفــ . ــنه في بلدته بمقاب العائلة، وقفت مع جارهم الحاج شوقي ترتدي الأسود وهي محتارة تردد:
-مانستنى ماما تفوق وتقولي رقم اكلمهم عليها.
-يابنتي إكرام الميت دفــ . ــنه وابوكي ميت من إمبارح وامك الدكتورة بيقول ضغطها عالي وده خطر على وضعها فمديها منوم طويل المفعول، وانا ماعرفش غير ان أبوكي إسمه مهران الكاشف وعيلته في قنا لكن فين تحديداً ماعرفش.
-ندور على الفيسبوك.
-وده كلام يابنتي؟؟
ده على ماندور ونبعت وحد يردلنا خبر تكون الجته لا مؤاخذة اتحللت . كرمشت ملامحها، متضايقة من الوصف الحقيقي فكمل الحاج شوقي:
-ما عشان كده بقولك إكرام الميت دفــ . ــنه، وكلها دفــ . ــنه ومتر في متر هتفرق ايه في الصعيد عن هنا…كلنا هنطلع منها نقابل وجه كريم، يالا يا بنتي يالا ربنا يكملك بعقلك. تمت إجراءات الدفــ . ــن كانت وحيده بطولها، شباب الحي الغرباء هم من حملوا جثمان والدها، كانت تنظر حولها، تبحث عن حض*ن ترتمي فيه لكنها لم تجد، يومها ذاقت مرار الفراق وكذلك علمت معنى الوحدة وتجرعت مرارتها.
عادت بجسد هزيل تسكن المشفى لجوار والدتها لم تذهب حتى للبيت، يوم جر أسبوع والوضع يزداد سوءاً، المال بدأ ينفد، لجأت لبيع مشغولات والدتها الذهبية التي اشترتها بأيام الرخاء لكنها لم تكن تتعدى الثلاث أساور. مصاريف وتكاليف لم تكن تعلم عنها شيئ وبين عشية وضحاها باتت هي المسؤولة. دلفت لعندها جارتهم السيدة محاسن وابنتها طيبة :
-هي عامله ايه دلوقتي يابنتي؟
-زي مانتي شايفه ياطنط؟ مش بتتحسن خالص.
-يعني الدكاتره ماحدش طمنك؟!
-لا دول خايفين يولدوها بدري بسبب الطلق المبكر الي بييجي لها.
-اه كله من الضغط لما بيختل قولي يا منجي….هييح …هنقول ايه، شدة وتزول.