عصيان العشق مايا خالد
الدنيا كانت بتمطر بغزارة، وصوت الرصاص لسه بيرن في ودن عاصم وهو بيراقب سليم في المراية، مرمي في المقعد الخلفي وماسك كتفه اللي بينزف، ووشه هربان منه الضي من الوجع.
عاصم كان بيضغط على الدريكسيون بغل وهو بيقول: “اتحمل يا سليم.. خلاص هانت، مفيش مستشفيات الليلة، الحكومة والكلاب اللي بره مالين الشوارع.”
العربية وقفت بفرملة قوية قدام بيت قديم في حارة هادية بعيدة عن العين. عاصم نزل، سَنَد سليم اللي كان خلاص بيفقد الوعي، وراح خبط على الباب بإيده اللي لسه عليها آثار العركة.
فتحت ليلى الباب..
كانت لابسة لبس بيت بسيط، وفي إيدها كتاب. أول ما شافت أخوها سليم متغرق في دمه، وشافت الراجل اللي شايله (اللي باين من هيبته ونظرته إنه مش شخص عادي)، شهقت وصدمتها لجمتها.
ليلى بصدمة: “سليم؟! أخويا جرى له إيه؟!”
عاصم بنبرة خشنة: “وسعي من الطريق يا آنسة.. مش وقت كلام.”
دخل عاصم البيت من غير استئذان، ونيم سليم على كنبة الصالة. ليلى رغم خوفها، غريزة التمريض عندها اشتغلت؛ جريت جابت شنطة الإسعافات وجت تقعد جنب أخوها وهي بتترعش.
عاصم وقف في ركن الأوضة، حاطط إيده في جيوب معطفه الطويل وبيراقبها.
استغرب إزاي البنت دي رغم إنها مرعوبة، بس إيدها ثابتة وهي بتنضف الجرح وبكل مهارة بتتعامل مع النزيف. ملامحها كانت بريئة بس فيها قوة غريبة.
فجأة ليلى رفعت راسها وبصت له بعينين مليانة دموع وعصبية:
“أنت السبب.. صح؟ سليم ملوش في المشاكل ولا السـ . لاح. أنت اللي جيت وجبت معاك المو.ت لبيتنا!”
عاصم سكت.. أول مرة حد يتجرأ يبص في عينه ويقوله “أنت السبب” بالصراحة دي. الكل بيترعب من اسمه، بس البنت دي كانت شايفة “عاصم” المجرم، مش “الزعيم” اللي الناس بتعمله ألف حساب.
عاصم طلع البلكونة عشان يكلم رجاله يآمنوا المنطقة، بس لقى نفسه بيبص على تفاصيل البيت. صور ليلى وسليم وهما صغيرين، ريحة البيت اللي مليانة دفا، هدوء مبيشوفوش في حياته المليانة صراعات.
لما رجع، لقى سليم نام من مفعول المسكن. ليلى كانت واقفة بتغسل إيدها، عاصم قرب منها وسألها بجمود: مايا خالد
عاصم: “ليه مكلمتيش البوليس أول ما شفتيني؟”
ليلى (من غير ما تبصله): “عشان سليم بيحميك بروحه، وعشان عارفة إنك لو اتمسكت، أخويا حياته هتدمر. اتفضل امشي يا سيد عاصم.. مهمتك خلصت.”
عاصم طلع رزمة فلوس وحطها على الترابيزة وقال: “دي عشان مصاريف علاجه.”
ليلى بصت للفلوس ببرود وقالت كلمة واحدة هزت كيانه:
“شيل فلوسك.. إحنا بنداوي الجروح، مابنقبـ . ــضش ثمن الدم.”
خرج عاصم من البيت، بس منساش نظرتها. ركب عربيته وفضل باصص على شباك أوضتها وهو بيولع سيجارته، وحاسس إن حياته اللي جاية مش هتكون زي اللي فاتت أبداً.
عدت ليلة طويلة، عاصم مغمضش فيها عين، فضل راكن عربيته بعيد شوية عن البيت يراقب الشارع، ولأول مرة في حياته مكنش بيراقب عشان خايف من غدر، كان بيراقب عشان يتأكد إن “ليلى” نايمة في أمان.
مع أول ضوء للصبح، سليم بدأ يفوق.
فتح عينه لقى ليلى قاعدة جنبه على الكرسي، نايمة وهي سانده راسها على طرف الكنبة. حاول يتحرك فأنّ بوجع، ليلى صحيت مفزوعة:
ليلى: “خليك مكانك يا سليم، الجرح لسه طري.”
سليم بتعب: “عاصم بيه فين؟ حصل له حاجة؟”
ليلى بضيق: “مشى.. ريح نفسك أنت وبطل تفكر في الراجل ده، هو ده اللي أخدت بسببه الرصاصة؟”
سليم سكت وبص في الأرض، هو عارف إن ليلى مش هتعرف تفهم طبيعة العهد اللي بينه وبين عاصم.
بعد يومين، الباب خبط. ليلى فتحت ولقيت واحد من رجالة عاصم لابس بدلة سودة وشكله “يخوف”، ومعاه أكياس كتير.
الراجل:
“دي أمانة من عاصم بيه.. أكل وعلاجات مستوردة لسليم.”
ليلى بحدة: “قول للبيه بتاعك إن خيره سابق، وإحنا مش محتاجين حاجة.”
وقبل ما تقفل الباب، لقت إيد قوية بتمنعها. كان عاصم نفسه، واقف بهيبته، لابس قميص أسود مريح ومش حاطط النظارة الشمسية.
عاصم: “المرة دي مش جاي بصفتي (البيه)، جاي أطمن على سليم.. مسموح لي أدخل؟”
ليلى بصت له بنظرة كلها تحدي، بس سليم نادى من جوه: “ادخل يا عاصم بيه، البيت بيتك.”
عاصم دخل وقعد جنب سليم، فضلوا يتكلموا في الشغل بلغة مش مفهومة لليلى، وهي كانت واقفة في المطبخ بتعمل قهوة، بس ودنها معاهم.
لفت نظرها إن عاصم، رغم جبروته، كان بيتكلم مع سليم باحترام مش زي ما تخيلت.
لما ليلى دخلت تقدم القهوة، عاصم سكت وبص لها. مكنتش نظرة رغبة، كانت نظرة “استغراب”، كأنه بيحاول يفك شفرة البنت اللي رفضت فلوسه.
عاصم: “سليم قالي إنك ممرضة في مستشفى حكومي.. ليه؟ بمرتبك ده تقدري تشتغلي في أحسن مستشفى خاص.”
ليلى وهي بتحط القهوة قدامه: “عشان الغلابة هناك محتاجين اللي يراعيهم، مش اللي يلم منهم فلوس.. مش كل حاجة بتتقاس باللي في الجيب يا سيد عاصم. مايا خالد
عاصم ابتسم ابتسامة خفيفة، أول مرة سليم يشوفها في حياته: “كلامك فيه منطق..
بس المنطق ده مبيعيشش في الدنيا اللي بره.”
ليلى: “عشان اللي زيك هما اللي ملو الدنيا دي قسوة.”
عاصم قام وقف، وبص لسليم وقاله: “قدامك أسبوع ترتاح، وبعدها هبعتلك العربية.” ولما جه يخرج، وقف قدام ليلى وقرب منها خطوة، وقال بصوت واطي: “أول مرة حد يقولي (أنت) في وشي.. خليكي كدة، يمكن الدنيا محتاجة شوية ناس زيك.”
عاصم نزل ركب عربيته، بس قبل ما يدور المحرك، لقى موبايله بيرن. كان واحد من كبار العصابة “الزيني”.
الزيني: “سمعت إنك مختفي عند سواقك يا كنج.. بدأت تحن ولا إيه؟ البنت اللي هناك دي شكلها شطرتك.”
عاصم ملامحه اتغيرت مية وتمانين درجة، وعيونه رجعت فيها نظرة الدم اللي بتخوف: “لو اسم البنت دي جه على لسانك تاني يا زيني، هحفر قبـ . ـرك بإيدي.. أنت فاهم؟”
قفل السكة وهو بيتنفس بسرعة. في اللحظة دي عاصم عرف إنه وقع في مشكلة أكبر من الرصاص؛ هو مش بس حبها، هو بقى مطالب يحميها من “نفسه” ومن “عالم القذارة” اللي هو ملكه.
الزيني مكنش بيلعب، كان عارف إن “نقطة ضعف” عاصم هي الحاجة الوحيدة اللي هتك.سره. وبعد تهديد عاصم، الزيني قرر يبدأ الحرب من غير ولا رصاصة، بس بلعب قذر.
عاصم مكنش قادر يبعد، وبقى كل يوم يختلق حجة عشان يعدي على البيت؛ مرة يسلم على سليم، ومرة يوصل ورق “مهم” لسليم يراجعه. الحقيقة إنه كان بيروح عشان بس يشوف ليلى وهي بتتحرك في البيت، أو يسمع صوتها وهي بتجادل معاه بلسانها السليط اللي مبيهمهوش حد.
في يوم، ليلى كانت راجعة من شيفت الليل في المستشفى، والشارع كان هادي بزيادة. فجأة، عربية سودة وقفت جنبها، ونزل منها تلات رجالة بملامح مريبة.
واحد منهم: “أهلاً يا ست ليلى.. الزيني بيه بيمسي عليكي، وبيقولك عاصم بيه مش هيقدر يحميكي للأبد.”
ليلى اتنفضت من مكانها، بس قبل ما حد يلمسها، صوت فرملة عربية هز الحارة كلها. عاصم نزل زي الإعصار، وفي إيده سـ . لاحه. بمجرد ما شافوه، الرجالة جريوا على عربيتهم وهربوا، لأنهم عارفين إن مواجهة عاصم وهو “مغلول” معناها المو.ت.
عاصم جري على ليلى، كان بينهج وعيونه فيها خوف حقيقي لأول مرة.
عاصم بصوت مرعوش: “أنتِ كويسة؟ لمسوكي؟”
ليلى بدموع وصدمة: “مين دول؟ وعايزين مني إيه؟ ليه حياتك بتهددني حتى وأنا ماليش ذنب؟”
عاصم مقدرش ينطق، سحبها من إيدها ودخلها البيت، وسليم طلع مفزوع على صوتهم. عاصم بص لسليم وقال بلهجة مفيهاش نقاش:
“البيت ده ميتسابش ثانية واحدة.. ومن بكرة، ليلى مش هتتحرك غير ومعاها حراسة.”
ليلى انفجرت فيه: “حراسة إيه؟ أنا مش عايزة أعيش في سجــ . ــنك! أنت ليه مش قادر تفهم إن وجودك في حياتنا هو الخطر نفسه؟ ابعد عننا يا عاصم.. ابعد وسيبنا نعيش غلابة بس مستورين!”
عاصم قرب منها لدرجة إنها حست بأنفاسه، وقال بنبرة واطية وموجوعة:
“مش قادر.. جربت أبعد ولقيت نفسي برجع ليكي زي المسحور. ليلى، أنا عمري ما عرفت يعني إيه حد يخاف عليا، أو حد يبص لي كإنسان.. أنتِ غيرتي فيا حاجات كنت فاكر إنها ما.تت من زمان.”
سليم كان واقف بعيد، وشايف الزعيم اللي كان بيحني رقاب الرجالة، واقف “مكسور” قدام أخته. سليم عرف إن دي بداية النهاية لعاصم اللي كان يعرفه.
عاصم قرر يعمل أخطر خطوة في حياته. جمع كبار العصابة في اجتماع سري، ودخل عليهم والشرار بيطلع من عينه. حط سـ . لاحه على التربيزة وقال ببرود مرعب:
“من النهاردة، مفيش تجارة سـ . لاح، ومفيش شغل مع الزيني. أنا بصفي الحسابات، واللي مش عجبه، الباب يفوت جمل.. بس اللي هيفكر يلمس شعرة من عيلة سليم، يترحم على نفسه.”
الهمهمات زادت، والعيون بدأت تلمع بالخيانة.
عاصم كان عارف إنه بكده بيعلن الحرب على “إمبراطوريته” نفسها عشان خاطر بنت متعرفش عنه غير إنه “مجرم”.
بالليل، عاصم بعت لليلى رسالة واحدة: “أنا بخلص كل حاجة عشان أقدر أبص في عينك وأنا نضيف.. استنيني.”
ليلى فضلت قاعدة قدام الشباك، ماسكة الرسالة وقلبها بيدق بين الخوف عليه وبين الأمل إن الراجل ده فعلاً يتغير. لكن في الوقت ده، الزيني كان بيجمع رجالته وبيرسم خطة عشان ينهي أسطورة “الكنج” في ليلة ملهاش صاحب.
الزيني اختار اللعب على المكشوف، وقرر يضر.ب عاصم في أغلى ما يملك قبل ما عاصم يلحق يصفي حساباته.
في الليلة اللي عاصم كان بيجهز فيها أوراقه عشان يسلم “الإمبراطورية” للي بعده، ليلى كانت في المستشفى بتخلص ورديتها المتأخرة. فجأة، النور قطع في الممر اللي هي فيه، وقبل ما تنطق، كانت في إيدين سحبتها وكتمت نفسها.
عاصم كان في مكتبه لما جاله اتصال فيديو من رقم مجهول. فتح الموبايل، وشاف ليلى مربوطة على كرسي في مخزن مهجور، والزيني واقف وراها وبيمشي طرف مطواته على وشها.
الزيني بضحكة مستفزة: “شوفت يا كنج؟ الحب بيخلي الأسد قطة. كنت فاكر إنك تقدر تخرج من عالمنا بكلمتين؟”
عاصم وعروق رقبته هتنطق من الغل:
“لو لمست شعرة منها يا زيني، هخلي م.وتك حكاية تتحكي لسنين.. ليلى ملهاش دعوة!”