لم تجيب “هالة” على كلماتها وظلت صامتة فهى تحمل ثقلًا على عاتقًا كافيًا لها، لا تملك الطاقة للحديث مع أحد أو التفكير فى هذا الذئب البشري الذي حول حياتها للجحيم فى لحظة سُكر دون أن يشعر سلبها كل وأعز ما تملك، فاقت من شرودها عندما شعرت بيد “فلك” الدافئة تلمس يدها بحنان ثم قالت:-
-أنا عارفة أن فيكي حاجة، وحاجة كبيرة كمان يا هالة ومقدرة ومحترمة رغبتك فى أنك مش قادرة ولا عايزة تحكي لحد، بس دموعك ونفضتك ورعشتك دول مش حلهم الصمت، بلاش تحكي ليا، قومي صلي وأشتكي همومك لربك هو قادر يحل مشكلتك ويخفف عنك أكتر من أى مخلوق وهو خالق، دموعك اللى بتخبيها رغم تجمعها فى عينيك عشان مكسوفة منى، متكسفيش وأنتِ بتشكي له أمرك يا هالة
أومأت “هالة” لها بنعم ودموعها قد ذرفت من عينيها أخيرًا ونالت حريتها بعد أن سجنتهم “هالة” قدر المُستطاع، ضمتها “فلك” إليها بحنان فرغم ما تحمله من ثُقل فى قلبها إلا أن هذا القلب المريض يملك من الدفء والحنان سحرًا وبئرًا كفيلة ليطمئن الجميع ويخفف عن أحبته همومه، جهشت “هالة” فى البكاء ولأول مرة تبكي بأرتياح دون خوف مُنذ ما حدث معها، كبحت كل ألمها فى صدرها وقلبها المُفطور من الوجع بداخلها خوفًا من أهلها وعائلتها، ظلت “فلك” تربت عليها حتى هدأت تمامًا فقالت بهدوء:-
-أنا همشي دلوقت وهسيبك ترتاحي وهكلمك أطمن عليكي ولو أحتجتينى فى أى وقت أنا موجودة معاكي وجنبكِ يا هالة أومأت إليها بنعم لتغادر “فلك” بقلق شديد على هذه الفتاة وصديقتها الوحيدة، دلفت “هالة” إلى المرحاض وبدأ فى الوضوء ثم خرجت إلى غرفتها وأرتدت إسدال الصلاة الخاص بوالدتها وبدأت تصلي ركعتين راجية من الله أن يخفف من ثقل قلبها وينير طريقها للحل الأنسب لما حدث إليها، ظلت ساجدة لأكثر من نصف ساعة تبكي وتترجي الله أن يرحم روحها المُعذبة بالألم ونيران الجحيم التى تلبست بها وأستحوذت عليها…
********************* أستيقظ “يونس” من نومه العميق ليجد الغطاء عليه فأستغرب بشدة من نومه على الأريكة لكن سرعان ما تبسم لفعلتها اللطيفة ووضع الغطاء عليه ثم رأى ورقة وردية اللون صغيرة على الطاولة أمامه ليلتقطها وهو يفرك عينيه بأصابعه وكانت رسالة من “فلك” محتواها
(أنا نازلة أشوف هالة وهجيب عشاء وأنا جاية متأكلش وأستناني ) أنهتى رسالتها ودونت اسمها فى النهاية وبجواره رسمت وجه مبتسم ليضحك على طفولتها وترك الرسالة ثم دلف إلى المرحاض أخذ حمام دافيء وأرتدي بنطلون قطني أسود وسويت شيرت أسود اللون ثم صفف شعره المبلل ودخل للمطبخ وكانت “غزل” جالسة على رُخام المطبخ وتهز قدميها بدلال ثم قالت:- -حمام الهنا يا حبيبى تبسم إليها وهو يضع الماء فى الغلاية ثم ضغط على الزر وجلب كوب أبيض اللون من البُرسلين فسمع صوت “غزل” تقول بعفوية:-
-مهموم ليه يا يونس؟ أتكأ بظهره على الرُخام التى تجلس عليها ووضع يديه فى جيوب بنطلونه بهدوء ثم قال:- -مش هم يا غزل بس عاجز عن براءة أنس، أنا عمر ما في حاجة أستعصت عليا كدة، دايمًا كنت بلاقي حل لكل مُشكلة وضعت يدها على كتفه بدلال وقالت بحب واثقة بقدرته :- -هتلاقي حل يا يونس أنا واثقة فيك، أنت بس أهدي وفكر بهدوء من غير أنفعال وأنا معاك ذهب نحو الغلاية هاربة من التقرب منها، لأول مرة يشعر بضيق من لمس “غزل” إليه، فور وضع يدها على كتف أنتفض قلبه ضيقًا وذهب بعيدًا ليسكب الماء المغلي فى الكوب وقال:-
-أكيد هلاقي حل للمشكلة دي أخذ الكوب وخرج من المطبخ، جلس على الأريكة وهو يأخذ ورقة “فلك” بين أصابعه بعفوية وظل شاردًا فى كلماتها وكأنه يُحفر خطها الجميل فى عقله، رفع نظره لكي يرى “غزل” لكنها لم تأتى ولم يرى لها أثر، ترك الكوب وذهب للمطبخ وكان فارغًا وقد توارت “غزل” عن نظره ولم يجد لها مكانًا فى شقته ومازالت يده تحتضن ورقة “فلك”، كان مُستغربًا الأمر تمامًا ليلتف على صوت الباب وكانت “فلك” قد وصلت للمنزل وتحمل فى يدها علبتين من الكرتون الخاصة بالبيتزا، تبسمت بعفوية فور رؤيته واقفًا بمنتصف البهو وقالت:-
-كويس أنك صحيت أنا جبت بيتزا سخنة وجميل وضعت الطعام على الطاولة الخاصة بالصالون وجلست وهى تشير إليه بحماس شديد وتناديه قائلة:- -تعالي يا يونس، أنا مش قادرة أستني أكثر من كدة خلعت حجابها ونزعت البلطو عن أكتافها لتجلس بتي شيرت أبيض اللون بنصف كم وبدأت تأكل بشرارة، جلس “يونس” جوارها يراقبها عن كثب وهى تأكل بعفويتها وتلقائيتها الساحرة، رفعت نظرها وفمها ممتليء بالطعام وتحمل قطعة البيتزا فى يدها، خجلت من نظراته المُسلطة عليه بيقول بدلال:-
-كُل متتكسفيش
تبسمت وهى تبتلع لقمتها وتمد يدها إلى فمه تُطعمه قطعتها الخاصة من البيتزا، تناول من يدها برحب شديد لتبتسم بلطف خجلًا منه لكن قلبها يرفرف فرحًا رغم أحمرار وجنتها خجلًا ولم يكتفي “يونس” بهذا القدر ليزيد من خجلها أكثر عندما وقف على ركبته ليجذب الغطاء الموجود خلف ظهرها ووضعه على أكتافها مرة أخرى، أرتفعت حرارتها وهى تقن أن هذا الرجل لن يتركها سالمة هادئة قبل أن يفعل كارثة بقلبها حتمًا، رفعت نظرها إلى الأعلى وهو وقفًا أمامها على ركبتيه ترمقه بعينيها العسليتين اللتان يفيض منهم الدفء والحب الذي يُقلبها الآن ببطيء شديد قبل أن يُسقطها فى الهوي، تبادل النظرات فى هدوء
وصمت سيد المكان فقط صوت أنفاسهما المختلطة بسبب قُربهما ليترك الورقة الوردية من يديه تسقط أرضًا وهو يدرك أن أختفاء “غزل” عن حياته شيئًا فشيء له علاقة بهذه الزوجة الدافئة، أبتلعت “فلك” ريقها بصعوبة من خجلها وعينيه الرمادتين يأسروها فلم تستطيع إبعاد عينيها عنهما وسحرهما يغلبها أمامه ويجعله كقطعة من العجين اللين ليُشكلها “يونس” كما يُريد دون أن تناقشه أو تعارضه، تمتم “يونس” بنبرة خافتة مسحورًا بعينيها ونظراتها التى تحتويه كأنها تعانقه بحُب شديد:- -هتبردي وأنتِ لابسة خفيفة
أومأت إليه بنعم دون أن تتفوه بكلمة ليعتدل فى جلسته أمامها ويتناول الطعام معها وهى تتحاشي النظر إليه بخجل وبعد أن أنهت طعامها فرت من أمامه راكضة للداخل قبل أن يُغلبها قلبها المُتراقص أمامه، تنهد “يونس” تنهيدة قوية بعد رحيلها وكأن وجودها كأن يُقيده أو يُربكه، دومًا ما يشعر بشيء من الحيرة أمام عينيها وحديثها، كل شيء بهذه الفتاة يأخذه إلى عالم جديد لا يعلم عنه شيء ولم يفهمه…
ظل فى حيرته طول الليل حتى أشرقت الشمس فبدل ملابسه وغادر للعمل لكن “فلك” ظلت بمنزلها هذا اليوم ولم تذهب للعمل، أنهى “يونس” عمله فى تمام الساعة الخامسة عصرًا وذهب إلى عيادة طبيب نفسي مختص، أستقبله الطبيب برحب شديد وبدأت يقصي له “يونس” ما يحدث معه وكيف تتلاشي “غزل” من حياته دومًا بعد أن كانت تلازمه بساعات طويلة، نظر الطبيب إليه لثواني صامتة ثم قال بنبرة جادة:- -أسمح ليا اسألك سؤال يا يونس أومأ “يونس” إليه بنعم فسأل الطبيب بفضول شديد:-
-أنت مضايقك أختفاء غزل أو تلاشي وجودي فى حياتك بعد ما كانت ساعات بقيت بتشوفها مرة كل يومين ؟ تنهد “يونس” بحيرة من الجواب الذي لا يملكه ثم قال بتلعثم:- -مش عارف، ممكن أكون مستغرب دا، مستغرب أن بعد السنين دى كلها معايا فجأة وبدون مقدمات بدأت تختفي، على الرغم من أنها وهم ومش حقيقية إلا أن حتى لمستها الوهمية ليه بقيت بهرب منها بس فى نفس الوقت مقدرش أعيش من غيرها لو أختفت لأكثر من ثلاثة أيام ببقي هتجنن عليها
عاد الطبيب بظهره للخلف أكثر ثم قال بثقة جادة ونبرة ثابتة:- -أنت مش هتجنن عليها يا يونس أنت مش هتمـ,ـوت من غير غزل، أنت هتعيش حياتك طبيعي زى أى إنسان، اللى قدر أقولهولك أنك بدأت بالفعل تخف من مرضها، غزل بتتلاشي لأنك فى طريق للعلاج نظر “يونس” إليه بخوف شديد من إختفاء “غزل” من حياته وهي صديقته الوحيدة ليتابع الطبيب بعد أن قرأ الخوف والحيرة على وجه “يونس” مُحدثه:- -وخلينى أقولك أن فلك هى السبب
أتسعت عيني “يونس” على مصراعيها بذهول تام من كلمته وقال بتلعثم شديد مُستغربًا:- -فلك!! أومأ الطبيب بنعم مع بسمة خافتة على شـ,ـفتيه ليقول:- -فلك يا يونس، غزل بدأت تظهر لما أنت فقدت الشخص الوحيد اللى بيقدم لك الحُب، لما خسرت حبيبتك اللى بتحتويك وبتحبك .. غزل ظهرت تقدملك الحب فى مكانة حبيبة ليك تحبك وتحبها وتحتويك وتسمعك، شخص يحبك من غير ما يكون له أى مصلحة من وراء الحب دا، شخص صنعه عقلك الباطن عشان يحمي قلبك من الغدر والخسارة
سأل “يونس” بفضول شديد وهو لا يفهم شيء قائلًا:- -وفلك علاقتها بكل دا أيه؟ تبسم الطبيب وهو يقف من مكانه ويلتف حول المكتب حتى جلس على المقعد المجاور لـ “يونس” ثم قال بحماس شديد سعيدًا لهذا الرجل الذي نال حريته أخيرًا:-
-علاقتها أنك حبت يا يونس، أنت بدأت تحب فلك وفى وقت محدد ولحظة معينة من غير اى ترتيب هتلاقي غزل أختفت تمامًا حتى من غير وداع بينكم، ويمكن اللحة دى اللى هتعترف أنت فيها لنفسك انك حبيت فلك، الموضوع ببساطة أن عقلك بدأ يتنازل عن حمايته لقلبك لأن قلبك خلاص أختار حبيبة له ، أنت علاجك كان الحب يا يونس وأديك لاقيت اللى يحبك، لاقيت الحُب….
خرج “يونس” من مبنى العيادة وبدأ يسير فى الطرقات شاردًا بهذا الحديث، كيف له أن يكن الحب بداخله إليها وهى له مجرد صديقة وشريكة فى السكن، لم يتخلي يومًا أن علاجه كان الحب ليجلس أرضًا فى الشارع بصدمة ألجمته وتساءل كثيرًا هل كل هذه اللحظات التى اوهم نفسه بها بحبه لـ “قدر” كانت كذابة، إذا لم يكن يحب “قدر” فلم تحمل كل هذه الإهانة والذل منها، تساقطت الدموع من عينيه على وجنتيه بضعف شديد وأنهيار تام ورفع يديه يضعها على رأسه نادمًا على كل هذه السنوات التى قاضها مريض وعلاجه كان الحب والآن عثر عليه لكن أهم سؤال ضـ,ـرب عقله الآن
كان هل تحبه “فلك” وسترضي بالبقاء معه للأبد أما ستهجره كما حدث فى الماضي ويعود للمرض من جديد مع شخصية جديدة غير “غزل” ويبدأ من الصفر …… ******************** كانت هالة تقف بداخل مرحاض فى أحد المولات تبكي بهلع شديد وهى تغلق قبضتها بقوة على أختبار حمل بعد أن رأت النتيجة ولم يكتفي “أنس” بجـ,ـريمته وما سلبه منها ليضع بداخله قطعةً منه، الآن تحمل بأحشائها جنينًا منه فماذا ستفعل بهذا الكارثة التى حلت بها؟….. يتبــــــــــــــع …………….
___ الفصل الثــــالــث عشـر ( 13 ) ___ بعنــــوان ” ذنــب لم ينتــهي ” دلف “أنس” إلى مكتب الضابط وصُدم عندما رأى وجهها وهى الزائرة التى جاءت لزيارته، كانت “هالة” جالسة فى صمت بوجه ملتهب كجمر من النار مُرتدية بنطلون أسود وجاكيت جلدي أسود طويل يصل لأعلى ركبتيها وتلف حجاب أسود ليُدهش “أنس” من حجابها، غادر العسكرى ليبقيا الأثنين فى المكتب ليقول:- -جاية ليه؟
لم تُجيبه على هذا السؤال بل وقفت من مكانها لتذهب أمامه، رفعت عينيها به لأول مرة مُنذ ما حدث، تطلعت به على عكسه لم يجرأ على النظر بها ليُصدم عندما نزلت لطمة قوية من يدها الصغيرة على وجهه فرفع نظره بها بصدمة لتقول:- -يا ريت القلم دا يصلح اللى خـ,ـربته، واللى كسـ,ـرته وخـ,ـربته جوايا مبتصلحش يا أنس بيه، بس تعرف أنت تستاهل اللى أنت فيه ويمكن دا يكفر شوية عن اللى عملته فيا، أنا مش هطلعك من هنا حتى لو أتحكم عليك بالإعدام …
صمت ولم يُعقب على حديثها أو يُجادلها حتى أنه لم يطلب منها النطق بشهادة كفيلة لإخراجه من هنا ونيل حريته التي لا يستحقها، أتاها صوته المبحوح فلم يلفظ بكلمة واحدة مُنذ ان قبض عليه يقول:- -وأنا مطلبتش أن أخرج من هنا بكت بأنهـ,ـيار شديد وهى تقول بضعف وإنكـ,ـسار بينما يديها تضـ,ـرب صدره بقوة بقدر قلة حيلتها وعجزها:- -أنت فى داهية بس اللى فى بطني هعمل فيه أيه؟ أنا حتى مش عارفة أروح لدكتور ينزله … منك لله يا أنس حسبي الله ونعم الوكيل فيك على اللى عملته فيا، ربنا ينتقم لي منك أشد أنتقام
جلست على المقعد بتعب وأنهيار وهو يقف أمامها مصدومًا لا يُصدق ما سمعه للتو منها وأتسعت عينيه على مصراعيها جـ,ـريمة لم تنتهى بهذه الليلة المظلمة وجحيمه الذي صُنعه لها لم يكن لليل طويل معتم ومُرعب، لم يقتصر أبدًا على لحظة ثمالة بل الآن يوجد بذرة جحيمه وكرهها له بداخلها، تحمل طفلًا منه، أقترب منها مصدومًا وهى جالسة على المقعد وتضع يديها الأثنين على وجهها تبكي بأنهيار وضعف شديد ليجثو على ركبتيه أمامها وسأل بنبرة واهنة خوفًا مما سمعه للتو منها:-