-أيه وجعك ردي قدامك، لكن أنت تعمل اللى عملته دا فى مكان شغلنا دا عادي، دا الشركة كلها كانت بتتفرج عليك من الأزاز عادي فين أحترامك ليا ولكرامتى قدام الناس اللى أنا بشتغل معاهم ها… ولا البيه مبيشوفش غير عمايلي أنا، من النهاردة بقى متسألنيش أنا بعمل أيه؟ جذبها إليه بقوة غاضبًا خوفًا من كلماتها الأخيرة وقال بأنذار:- -قصدك أيه؟ تبسمت بخبث شديد وهى تقول:- -قصدي أضحك مع اللى أضحك له وأكلم اللى أكلمه ميخصكش بقي
لم يصدق ما سمعه منها للتو ليمسك ذراعها بقبضته بقوة وقال:- -أنتِ بتعانديني يا فلك كزت على أسنانها بأختناق شديد من قبضته القوية على ذراعه وهو على وشك اعتصره بين أنامله وقبضته الحادة كأنها خُلقت من الحديد، تطلعت بعينيه بحدة وتحدي معًا ولا تبالي بالم ذراعها وقالت بنبرة قوية صارمة:- -هو يا يتعاملنى بإهانة وتقلل من أحترامي لنفسي قدامها وأقول حاضر يا أم أكون بعاندك، دا ببُعدك يا يونس
جذبها إليه من ذراعها لتلتصق به بقوة وخرجت منها صرخة مكبوحة خوفًا من غضبه، تتطلع بعينيها العسليتين اللتان يشبهان فلق الفجر حين يغت** عتمة الليل وضوء القمر ليُنير السماء بأشعة ذهبية، أبتلعت ريقها بأرتباك شديد من نظرات عينيه المُسلطة عليها ولم تحتضن عينيها فقط بل تلتهمهما بشوق وشغف شديد كأنه يضمها فقط بنظرته دون أن يتحرك له ساكنًا، تمتم “يونس” بهمس شديد وعينيها على وشك أن تغلبه وتُسقطه فى وكر الهوي قائلًا:- -غيرانة!! ضحكت بتهكم وهى لا تصدق كلمته التى أشعلت نيران قلبها وإيقظت دقاته المتسارعة النابضة باسمه، قالت بحدة مُصطنعة:-
-مستحيل أكون غيرانة، وعلى مين؟ أنت يا يونس ترك ذراعها شيئًا فشيء على الرغم من عينيه التى لم تتركها أبدًا وحرك شـ,ـفتيه بزمجرة شديد من كبريائها الذي يمنعها من الأعتراف بما تبوح به أفعالها وغضبها هاتفًا إليها:- -غيرانة يا فلك، وغيرتك بتأكل في قلبك من جوا وكمان غيرتك هتخلي عقلك هطير من مكانه لم تستطيع الصمود أمام جرائته ونظراته المُثبتة عليها بقوة وشجاعة دون خجل منها فألتفت هاربة من أمامه للداخل ليأتيها صوته الخشن يقول بجدية:-
-مصيرك يا فلك تعترفي باللى عينيكِ فضحاه استشاطت غيظًا منه لتعود مرة أخرى أمامه ورمقته بجراءة وتحدي وعينيها تعتصر عينيه بنظراتها القوية وقالت بجدية:- -هقولهالك وعيني فى عينك عشان متكدبنيش يا يونس، أنا مبحبكش ولا بغير عليك، أنـ……..
اسكتها هذه المرة بشـ,ـفتيه وهو يحـ,ـتضن شـ,ـفتيها بدفء وعفوية، صُدمت من رد فعله وأتسعت عينيها على مصراعيها وجسدها توقف بتلجلج وتجمد فى أرضها كقطعة ثلجية صلبة ساكنة، تبسم بعفوية وهو يبتعد عنها بعد سـ,ـرقته لقبـ,ـلتها الأولي التى تسللت لقلبه كتعويذة أسقطته فى عشـ,ـقها أكثر وجعلته أسيرًا لهذه الفتاة، نظر “يونس” لصدمتها وهى كجبل صامدًا أمام لا تشعر بشيء ليبعد عنها ضاحكًا بعد أن غلبها بلمستها وتخلص من تحديها وأربكها تمامًا، فاقت من صدمتها لتجده رحل بالفعل من أمامها لتصرخ بانفعال شديد وهى تضع يدها جوار اذنيها قائلة:-
-يـــونــــــس…….. ******************** كان “أنس” جالسًا فى الزنزانة مُكتئبًا يائسًا وكأن الحياة غدرت به وأعطت ظهرها، ما زال لا يُصدق ما فعله مع “هالة” وصدمته لم تتخلي عنه كل هذه الأيام، أعتقد بأن الأيام والوقت كافيا لنسيان لكن بعض الأخطاء والندم لم يكفى الوقت لنسيانها، فتح باب الزنزانة ودلف العسكري يقول:- -أنس النور وقف لكي يخرج معه ليأخذه إلى مكتب الضابط فوجد “يونس” فى أنتظاره، تركهم الضابط معًا وأيضًا خرج المحامي ، نظر “يونس” إلى باب المكتب وهو يُغلق ثم إلى أخاه الذي جلس أمامه صامتًا ولحيته أحتل وجهه وهو لم يتحمل لحيته يومًا فى وجهه فقال بهدوء:-
-مش هسألك عامل أيه؟ لأن باين عليك؟ أنا عندي سؤال واحد بس لك ولازم تجاوبنى عليه يا أنس نظر “أنس” إليه بصمت مُنتظر سؤاله بيأس وإحباط شديد تمكن منه، كأنه أستسلم لهذه التهمة كى يُعاقب نفسه على ما فعله بـ “هالة” هذه الفتاة المسكينة، سأل “يونس” وهو ينظر إلى عيني أخاه:- -الخادمة قالت أنك رجعت البيت تاني يوم لأول مرة فى حياتك تبات برا البيت كان يوم الجـ,ـريمة، كُنت فين يا أنس؟
صمت ولم يُجيب، كيف يخبره بأنه كان معها، تحديدًا بهذا التوقيت الذي حدث به الجـ,ـريمة كان معها وكانت بين ذراعيه يضمها إليه، كيف ينطق بأنه كان مع “هالة” ليخلص نفسه من جـ,ـريمة القـ,ـتل سيدهس سمعتها وشرفها أكثر، فما زال لا يعلم أحد بما حدث إليها وما زالت تحت عباءة الستر من حديث الناس على الرغم من أنه دهس شرفها بالفعل لكن إذا تحدث سيعلم الجميع أنها كانت معه فجرًا وسيبدأ الجميع بالحديث عنها أما أن يدهس شرفها بألسنة ونظرات البشر أم أن يلحق بنفسه جـ,ـريمة أنـ,ـتهاك عرض وحينها سيعلم الجميع، ومن يدرى بأن “هالة” ستشهد بأنها كانت معه وترفع عنه تهمة
القتـ,ـل؟ من أين يثق بأنها ستدعمه فربما تنكر هذا وتلحق به التهمة أكثر لتنتقم منه بسبب ما فعله به، مُنذ أن قبض عليه وهو يعلم بأن خلاصه ودليل برائته مع “هالة” ومتعلق بكلمة واحدة منها أمام النيابة لكن كيف ولماذا ستفعل هذا؟……. يُتبــــــــــــــع …………….. ___ الفصل الثـــانـي عشـر ( 12 ) ___ بعنــــوان ” بحاجـــة للحُــب ” تحدثت “فلك” وهى تقف فى شرفة منزلها وتضع الهاتف على أذنها اليسري بنبرة حماسية وفرحة عارمة تغمرها قائلة:-
-أخيرًا ردتي، فينك يا هالة بقالك أكتر من شهر مُختفية ومش عارفة أوصلك؟ أتاها صوت “هالة” عبر الهاتف بنبرة واهنة مبحوحة قائلة:- -أنا كويسة يا فلك، أنتِ عاملة أيه؟ أجابتها “فلك” وهى تجلس على المقعد البلاستيكي الموجودة بالشرفة قائلة:- -أهو تمام حالي زى ما هو متغيرش كتير مع يونس تنهدت “هالة تنهيدة مُحملة بالكثير من الإنكسارات والإحباط الذي أصابها ثم تمتمت ببرود شديد :- -هتعدي يا فلك وربنا يهديلك الحال
شعرت “فلك” بضعفها وإنكسارها كأن روحها سُلبت منها، دائمًا ما كانت “هالة” كفراشة المحلقة فى سماء الشركة بعفويتها وحركتها المُفرطة، كانت جميلة بمرحها وعفويتها التلقائية وبسمتها التى تنشرها بكل مكان لكن الآن كان قد تبدل بها الحال تمامًا وأمست نبرتها كنبرة رفيق على وشك الأنتـ,ـحار وحافة المـ,ـوت، شخص أستسلم للحياة وقد أودت به وغدرت به، تملك “فلك” القلق الشديد على “هالة” وكأنها شخص ينتظر المـ,ـوت فتساءلت كثيرًا ماذا حدث لها كي تتبدل هكذا، تحدثت بهدوء قائلة:-
-مُتأكدة أنك كويسة يا هالة ضحكت “هالة” بسخرية من حالها وما حدث إليها وكيف لها أن تخبر أحد بما جرى وما ألت إليه الأمور معها لتقول:- -كويسة أعتبرني كدة تنهدت “فلك” بضيق شديد من حياتها المملة ثم قالت:- -أنا هجيلك لازم أشوفك بس لما يجي يونس هو راح لأنس القسم يمكن يعرف يثبت برائته
أنتفض قلب “هالة” رعبًا وبذكر أسمه عادت للحظة الجحيم التى مرت بها بين ذراعيه وهو يمزق ملابسها بالقوة وهى تصرخ ربما يتقذها أحد من بين يديه وتحاول دفعه بعيدًا عنها بكل قوتها لكنها لم تقوى على زحزحة جسده بعيدًا عنها بجسدها الذي يزن أكثر منها بكثير وهى أمامه كطير صغير، دمعت عينيها وهى تبكى بأنين مكبوح وترتعش خوفًا مع ذكرياتها لهذه الليلة التى ذهبت فيها للجحيم، سمعت “فلك” صوت أنينها لتتعجب من هذه الفتاة ثم قالت:-
-أنا هعدي عليكي يا هالة أومأت إليها بنعم ثم أغلقت الاتصال معها، خرجت “فلك” من الشرفة لترى “يونس” يفتح باب الشقة ويدخل مُنهكًا ومُحبطًا فقالت وهى تسير نحوه بقلق:- -مالك؟ هو أنس كويس؟ جلس على الأريكة بتعب وأرهاق شديد وقال:- -زى ما هو ساكت ومفيش أى رد فعل منه، كأنه راضي وقابل الوضع اللى هو فيه، أنا بدأت أشك أن فعلا أنس أرتكب الجـ,ـريمة دى، بقاله شهر وأسبوع وحاله متغيريش دا حتى مقالش أنا معملتش كدة، مبيصرخش ويقول أنا بريء
جلست “فلك” بجواره بحزن على حالته وإشفاق على قلبه المُنهك وعقله الذي على وشك الأنفجار فى البحث عن البراءة وحده، ربتت على كتفه بلطف وحنان ثم قالت:- -هتعدي يا يونس، يمكن يكون مصدوم من اللى حصله أو اللى بيشوفه جوا السجن وقعدته مع المجرمين، أنا متأكدة أنه هيفوق قريب
نظر “يونس” إليها بحزن شديد وقد وقف على حافة الاستسلام والتخلص من حماسه فى البحث، تبسمت “فلك” بوجهه بسمة هادئة مُشرقة تزيل عنه أعباء الحياة وتخلصه من هموم حياته الثقلية على عاتقه، شعر ببسمتها بأرتياح كأن الحياة تبتسم إليه وقد تبخر حزنه ووجعه مع الهواء وهرب من النافذة بعيدًا عنه ليقول “يونس” بهدوء:- -خليكي معايا يا فلك أومأت إليه بنعم لتشعر بيده تلمس يدها الصغيرة ويحتضنها بلطف شديد ثم تابع حديثه قائلًا:- -متسبنيش حتى لو قسيت عليكي بكلمة أو ضايقتك بموقف مع قدر أشكي ليا اللى يضيقك منى وأنا هراضيكِ والله
رفعت “فلك” يدها الأخرى تربت على يديهما بلطف شديد وبسمتها لم تفارق شـ,ـفتيها بل كبرت أكثر بأرتياح وسعادة تغمر قلبها ظهرت بوضوح فى عينيها وعلى شـ,ـفتيها ثم قالت:- -أنا معاك يا يونس وماليش غيرك، هسيبك وهروح فين يعنى وضع رأسه على قدميها لتبتسم على فعلته رغم أرتجافها خجلًا من هذا التلامس فلم تقصر علاقتهم على الحديث والعيش معًا تحت سقف واحد بل لمساته القليلة لها تُربكها بشدة وتكاد تُغلبها وتجعلها تطمع بالمزيد بكل أنانية منها، أغمض عينيه بتعب رغم بسمته التى تنير وجهه فتمتم بضيق قائلًا:-
-مش عايز يقولي كان فين يومها، تفتكري أنس فعلًا قـ,ـتل البنت دى؟ شردت “فلك” فى موقف “أنس” وأستسلمه للسجن فى جـ,ـريمة قـ,ـتل ليخبرها جزءًا بداخلها أنه لربما فعل هذا حقًا وندم مُستسلمًا للعقاب، ظلت صامتًا لا يتفوه بأى كلمة لكنه ألتف قليلًا ليضم ذراعيه إلى صدره يعقدهما بأحكام وما زالت رأسه على قدميها فقالت “فلك” بهدوء:- -أنا هنزل أروح لهالة أزورها
لم يُجيبها فنظرت إلى رأسه أكثر بتركيز لتراه غارقًا فى سبات نومه العميق، تزحزحت برفق حتى لا تقظه ووضعت الوسادة أسفل رأسه ودلفت إلى غرفته لتجلب غطاء ووضعه فوق جسده بحنان حتى لا يُمرض بأصابة نزلة برد، بدلت ملابسها وأرتدت بنطلون جينز أزرق وبلطو أسود مغلق ولفت حجابها ثم خرجت من الشقة ذاهبة إلى “هالة”……. ******************* خرج المريض من العيادة لتخرج “قدر” خلفه تاركة العيادة ليستوقفها صوت امرأة مُسنة تقول:- -أنا مكشفتش ليه يا بنتى
نظرت “قدر” إليها بأشمئزاز من حالتها الفوضوية التى تظهر وضعها المادية وكونها من طبقة الفقراء وقالت:- -وأنا وقفتى خلص، روحي شوف ليكي مستشفي حكومة تكشفي فيها مرت من أمامها بغرور شديد وهى تقول بسخرية من هذه المرأة:- -مبقاش إلا دول كمان هو الواحد ناقص قرف أقتربت الممرضة تأخذ بيد المرأة العجوزة بحزن شديد مُشمئزة من غرور هذه الطبيبة اللعينة، ساعدتها فى الجلوس وقالت بلطف:- -أنا هشوفلك دكتور تاني يا أمى، أستنيني هنا
غادرت الممرضة إلى مكتب الاستقبال كى تبحث عن طبيب أخر متواجد الآن ليفحص هذه المرأة، كانت “صفاء” واقفة بقسم الأستقبال تراجع جدولها اليومي وعندما سمعت طلب الممرضة فقالت بجدية:- -ما دكتورة قدر موجودة ألتفت الممرضة إليها بغضب مكبوح بداخلها من هذه الطبيبة وقالت بجراءة دون أن تخشي “صفاء” صديقتها أن تذهب وتخبرها:-
-والله الدكتورة المغرورة اللى حضرتك بتتكلمى عندها اللى معندهش لا قلب ولا ضمير لمهنتها رفضت تكشف على ست عجوزة فى سن جدتها عشان بس فقيرة، بس اللى متعرفهوش أن الفقر مش عيب لكن فقر المشاعر عيب وعديم الرحمة عيب، أنا مش مستغربة أن جوزها أتجوز عليها اللى زى دى متتعاشرش أصلًا مغرورة وغرورها هيقـ,ـتلها فى يومها صمتت “صفاء” وهى تستمع لهذا الحديث فهى لديها كل الحق فى كل كلمة تتفوه بها، منذ متى والطبيب يختر من يُعالجه ويقدم له الداء…
صعدت إلى الأعلى غاضبة من “قدر” لتفتح باب المكتب بانفعال شديد ورأت “قدر” بدلت ملابسها وعلى وشك المغادرة لتقول “صفاء” بأختناق شديد:- -أيه اللى عملتي فى العيادات دا قدر نظرت “قدر” إليها ببرود شديد ثم قالت:- -وفيها أيه؟ هى المستشفي دى مفيهاش حاجة بتستخبي، لحقوا ينشروا الخبر، أنا حرة فى طريقتى وتعاملي، اللى مش عاجبه ميتعاملش معايا ونخلص أقتربت “صفاء” منها بضيق شديد ثم قالت بحزم صارمًا:-
-بطريقتك دى فاكرة أنك صح والناس غلط، أقولك حاجة له حق يونس أنه يسيبك ويروح لغيرك، غرورك قاتلك وبيخسرك كل الناس يا قدر حتى اللى بتشتغلي معها محدش من الممرضين عايز يتعامل معاكي وحتى بتاع الكافتريا مبقاش بيحب خدمتك، أنتِ بتبعدي كل الناس عنك وترجعي تعيطى ، فوقي يا قدر غرورك بيقضي عليكي لم تتحمل “قدر” حديثها الغليظة أكثر ولم تقبل بحرفًا واحدًا منه فغادرت المكتب دون أن تُجيب بكلمة واحدة عن هذا الحديث….. **********************
كانت “فلك” جالسة على الفراش بغرفة “هالة” وتحدثها عن حياتها لتقول:- -حتى يونس مبقاش مبسوط وقلق، أنا كمان بقيت حاسة أن أنس قـ,ـتل البنت دى وإلا مكنتش قبل بكل دا يحصله ويترمي فى السجن وسط المساجين والمجرمين 5 أسابيع بحالهم نظرت “هالة” إليها بصمت شديد ولم تجيب فوحدها من تعلم أنه لم يرتكب هذه الجـ,ـريمة وتعلم جيدًا أن بكلمة واحدة منها ستعطيه حريته لكنه بنظرها لا يستحق هذه الحرية، سألتها بخفوت شديد:- -الصراحة من كلامك أنا كمان مستغربة صمته دا
تأففت “فلك” بضيق وهى تشعر بالعجز والحيرة من هذا الأمر لتقول:- -هو موقفه محيرنا كلنا، أزاى فعلًا يكون بريء وراضي وقابل بدا