عزة فكرت شوية. “بصي يا عبير، أنا أعرف محامي كويس أوي، شغله زي الدهب، ومحترم وعنده ضمير. إيه رأيك نروحله بكرة الصبح ونشوف هيقول إيه؟” عبير وافقت، يمكن يكون لسه في أمل. تاني يوم الصبح، عزة وعبير راحوا لمكتب المحامي “أستاذ خالد”. المحامي كان رجل وقور، استقبلهم بهدوء، وسمع من عبير القصة بالتفصيل. من أول مشاكل حم,,اتها، لسفرها، لتحويل الفلوس، لجواز مختار، لحد صد.متها الأخيرة.
بعد ما خلصت عبير كلامها، المحامي فضل ساكت شوية، وبعدين اتكلم بصوت هادئ وموضوعي. “يا مدام عبير، أنا مقدر كل اللي مريتي بيه، ومصدق كل كلمة قلتيها. والقانون بيحمي حقوق الزوجة، بس في قضيتك بالذات، فيه تعقيدات كتير.” عبير بصتله بترقب. “تعقيدات إيه يا أستاذ؟”
“أولاً، إثبات إن مختار طلقك غيابي بدون علمك ده شيء سهل، وده بيرتب عليكي حقوق شرعية زي مؤخر الصداق والنفقة والمتعة. ده حقك ولازم تاخديه. لكن بالنسبة للشقة، الأمر مختلف.” المحامي كمل. “الشقة دي مسجلة باسمه هو. وأنتي مافيش بينك وبينه عقد بيثبت إنك كنتي بتدفعي أقساطها أو تمنها من فلوسك الخاصة اللي بعتيها من بره. كل اللي عندك هي حوالات بنكية، وممكن مختار يدعي إنها كانت مصاريف شخصية، أو مساعدات للبيت، أو حتى هدايا. والمحكمة مش هتقدر تثبت إن الفلوس دي كانت مخصصة لشراء الشقة دي بالذات.”
عبير قلبها وقع في رجليها. “يعني فلوسي راحت كده؟ شقى عمري كله؟” “للأسف، من الناحية القانونية، إثبات ملكيتك للشقة دي هيكون صعب جدًا. وممكن لو رفعنا قضـ ـية، تاخد وقت طويل أوي وفي الآخر ممكن نخسرها لعد.م كفاية الأدلة.” المحامي قالها وهو متأسف. “أنا أنصحك بإننا نركز على حقوقك الشرعية اللي القانون ضامنها ليكي، ونحاول نجيب مختار بالتفاوض الودي عشان يديكي أي مبلغ كتعويض عن الفلوس اللي بعتيها، لكن غير كده، هيبقى فيه مجازفة كبيرة.”
عبير قامت من مكانها وهي حاسة إن الأرض بتتشقق من تحتها. كل الأبواب اتقفلت في وشها. القانون مش هيجيب لها حقها. الفلوس راحت. بيتها راح. بناتها… خرجت عبير من مكتب المحامي مع عزة، وهي نظرتها مختلفة تمامًا. الوجع اللي كان في عينيها اتحول لشرارة غض,,ب قوية. “مفيش قانون هيجيب لي حقي، يبقى أنا اللي هجيبه بنفسي.” قالتها بصوت هادي، بس جواه عاصفة. “أنا مش هسيب مختار ونرمين دول يتهنوا لحظة واحدة. أنا هوريهم يعني إيه عبير لما تقرر تاخد حقها.”
بعد ما خرجت عبير من عند المحامي، وعقلها رتب خطة جديدة تمامًا، خطة مبنية على القوة مش على الضعف. الفلوس اللي كانت معاها، اللي كانت فاكرة إنها هتكمل بيها فرش شقتها وتأمن مستقبل بناتها، قررت تستغلها بطريقة تانية خالص. الفلوس اللي كانت حصيلة تعب سنين الغربة، قررت إنها مش هتخلي مختار يتهنى بيها، ولا يتهنى بـ”الست نرمين” اللي استغلت ضعفه.
أول حاجة عملتها عبير، استأجرت شقة في منطقة راقية جدًا. شقة واسعة، مفروشة على أعلى مستوى. كانت عايزة تثبت لنفسها قبل أي حد إنها قوية، وإنها مش ضعيفة ولا مكسورة. بعد كده، نزلت استأجرت عربية فخمة، شكلها غالي جدًا، ولونها أسود فاحم يفتح النفس. كانت عارفة مختار كويس، وعارفة نقطة ضعفه قدام المظاهر. بعد كام يوم، وبالتحديد وقت خروج البنات من المدرسة، عبير وقفت العربية الفخمة دي قدام بوابة المدرسة. قلبت الشمس اللي كانت لابساها على عينيها، وبصت ناحية البوابة. قلبها كان بيدق بسرعة، حاسة بالخوف والقوة في نفس الوقت.
كان مختار واقف قدام المدرسة، مستني البنات زي كل يوم. أول ما العربية السودا الفخمة وقفت، عينه وقعت عليها. عربية زي دي مش من السهل تشوفها في الشارع. مين يا ترى صاحبها؟ فضل يتفرج عليها بانبهار. وبصمختال، لقى ست نازلة منها. ست جميلة، لابسة طقم شيك وغالي، وشعرها معمول بطريقة حلوة، ونضارة شمس سودا على عينيها مغطية جزء كبير من وشها. الجمال ده كله والبرستيج ده كله مين ممكن يكون؟ يا بخت اللي يتجوزها! قربت الست من المدرسة، مختار كان متابعها بعينه، وفي د.ماغه مليون سؤال. الست دي راحت ناحية بوابة المدرسة، وقبل ما تخلع النضارة، شافها بتبص عليه.
رفعت الست النضارة السودا من على عينيها، وبصت لمختار بابتسامة باهتة بس جادة. مختار اتصد.م. قلبه وقع في رجليه. دي… دي عبير! عبير طليقته؟ إيه اللي جابها كده؟ إيه العربية دي؟ إيه اللبس ده؟ عبير قربت منه بخطوات واثقة، عكس المرة اللي فاتت تمامًا. مختار كان واقف مصدوم، مش قادر ينطق ولا كلمة. “إزيك يا مختار.” قالتها عبير بصوت هادي، بس جواه قوة غريبة. “متتخضش كده. أنا مش جاية أعمل مشاكل.” مختار بلع ريقه بصعوبة. “عبير… إيه اللي جابك؟ إيه العربية دي؟”
عبير تجاهلت سؤاله، وكأنها سامعتهوش. “أنا جاية عشان بناتي يا مختار. الفلوس اللي خدتها مني، والشقة اللي إنت عايش فيها مع الست اللي اتجوزتها، كل ده ولا حاجة بالنسبة لي. أنا رجعت ومعايا فلوس كتير أوي يا مختار. اشتريت شقة أكبر وأفخم من شقتك دي بكتير في منطقة راقية جدًا. والعربية دي… زي ما أنت شايف.” بصت العربية بإيماءة خفيفة. مختار كان بيسمع وهو مش مصدق ولا كلمة. عبير دي؟ عبير اللي كانت بتمشي بالجنيه على الجنيه؟ عبير الممرضة اللي كانت شغالة ليل ونهار عشان توفر قرشين؟
“أنا عايزة بناتي يباتوا عندي النهاردة. وكل أسبوع هيجوا يقضوا معايا يوم.” قالتها عبير بصوت أمر، مش سؤال. مختار كان لسه في حالة صد.مة، عقله مش قادر يستوعب التحول ده. “إزاي… إزاي يعني؟” “إزاي دي مش مشكلتك. المهم إن بناتي هيجوا معايا الليلة دي. والليلة دي بس، عشان أقدر أعوضهم عن غيابي. وبعد كده، كل أسبوع يوم. ولو رفضت… أنا ممكن أوريك وش تاني خالص يا مختار، وش عمرك ما شفته قبل كده.” قالتها عبير وعينيها بتطق شرار، بس وشها كان ثابت وهادي.
في اللحظة دي، البنات خرجوا من المدرسة. أول ما شافوا عبير، عيونهم وسعت بس المرة دي كانت فيه فرحة، مش خوف. “ماما!” الاتنين جريوا ناحيتها. الرواية بقلم ملك إبراهيم عبير حض,,نتهم بحب الدنيا كله، رفعتهم عن الأرض وهي بتضحك من قلبها. مختار كان واقف بيتفرج على المشهد، حاسس إن الأرض بتتسحب من تحت رجليه. عبير القديمة اللي يعرفها اختفت، وحلت محلها ست تانية خالص. ست قوية، غنية، وماحدش يقدر يكسرها.
تخيل مختار للحظة إن كل ده كابــ . ــوس وهيصحى منه. لكن صوت البنات وهما بينادوا “ماما!”، وحض,,ن عبير ليهم، أكدله إنها حقيقة. عبير دي، اللي كانت من شوية ممرضة على باب الله، رجعت بلمعة في عينيها وقوة في صوتها، وواضح إن معاها فلوس كتيييير أوي. الفلوس دي اللي مقوية قلبها كده. مختار، اللي عقله كله بقى مشغول بالفلوس اللي عند عبير، ماقدرش يرفض طلبها. “خلاص يا عبير، خدي البنات. بس يبقوا يرجعوا بكرة بدري.” قالها بصوت هادي، بيحاول يداري الصد.مة اللي جواه.
عبير ابتسمت ابتسامة انتصار خفيفة. “متخافش، هيرجعوا بكرة في ميعادهم. سلام يا مختار.” خدت عبير البنات، وركبت عربيتها الفخمة، وسابت مختار واقف لوحده، عقله بيودي ويجيب. ند.م، ند.م مرير، بدأ ياكل في قلبه. ياريتني ما طلقتك يا عبير. ياريتني ما سمعت كلام نرمين. ياريتني ما فرطت في كنزي.
رجع مختار البيت وهو بيبص لنرمين بغيظ مكتوم. كل حركة بتعملها، كل كلمة بتقولها، كان شايف إنها السبب في اللي حصل. هي اللي ضيعت منه الدجاجة اللي كانت بتبيض دهب. زمانه كان قاعد في شقة أكبر ، معزز مكرم، والفلوس بتجيله لغاية عنده. لكن دلوقتي؟ لا. عبير قطعت الحنفية. الفلوس اللي كان بيستقبلها كل شهر خلاص وقفت. بقى مضطر هو اللي ينزل ويشتغل عشان يكفي البيت، بعد ما اتعود إن الفلوس بتيجي بسهولة ومن غير تعب. بص لـ”آسر” ابنه وهو بيبكي، حس إن المسؤولية طوق حوالين رقبته.
في نفس الوقت، عبير كانت في قمة سعادتها وهي بتفرج بناتها على شقتها الجديدة. الشقة كانت فعلًا تحفة، واسعة، وفيها كل حاجة ممكن يحلموا بيها. غرفة خاصة لكل بنت، ألعاب كتير، وشاشات تلفزيون كبيرة. عبير كانت قاصدة إن البنات ينبهروا، عشان يروحوا يحكوا لأبوهم على كل التفاصيل. “ودي أوضتك يا ملك، ودي أوضتك يا ملاك! اختاروا اللي تعجبكوا.” قالت عبير وهي بتفتح أوضتين كبار، كل واحدة أحلى من التانية.
البنات عيونهم كانت بتبرق من الفرحة. كانوا بيجروا في الشقة، يكتشفوا كل زاوية، ويضحكوا بصوت عالي. “الله يا ماما! الشقة دي تحفة! أحلى بكتير من شقتنا!” قالت ملك وهي بتنط على السرير الجديد. “آه يا ماما! أنا عايزة أعيش معاكي هنا على طول!” كملت ملاك. عبير حض,,نتهم بحنية. “كل حاجة في وقتها يا حبايبي. المهم دلوقتي تستمتعوا بوقتكوا معايا.” تاني يوم، البنات رجعوا بيت أبوهم وهما طايرين من الفرحة. أول ما دخلوا، مختار كان مستنيهم بلهفة، مش عشان شوقه ليهم، قد ما كان عايز يعرف تفاصيل الزيارة.
“ها يا حبايبي، اتبسطوا عند ماما؟” “أوي أوي يا بابا! ماما عندها شقة كبيييرة كبيييرة! وفيها أوضتين لينا إحنا بس! وألعاب كتيير، وتلفزيون كبير أوي!” ملك كانت بتحكي وهي بتلوح بإيديها الصغيرين.