في العمارة الجديدة، كانت فيه جارة مطلــ ـقة اسمها نرمين، ست حلوة وصغيرة نسبياً، ولسانها معسول. نرمين كانت دايماً بتشوف مختار وهو رايح الشغل وراجع، وبيوصل بناته للمدرسة. بدأت نرمين تتقرب من أم مختار، تساعدها في قضاء حوائجها، وتزروها وتونسها. أم مختار اللي كانت بتكره الغريبات، بدأت تحب نرمين وتتكلم عنها قدام مختار. “بصراحة يا مختار، نرمين دي ست بيت أصيلة. بنت حلال. بتدخل قلبي والله. مش زي اللي سابوكي وسافروا.”
مختار كان بيسمع الكلام ده في الأول باستهزاء، بس مع الوقت، وبفعل الوحدة اللي كان بيحس بيها، وبفعل قرب نرمين منه ومن بناته، بدأ قلبه يلين. نرمين كانت بتهتم بيه، بتسأله عن يومه، بتعمله أكل في الأيام اللي أم مختار بتكون تعبانة، وبتلاعب بناته. فرق كبير بينها وبين عبير اللي في آخر الدنيا. “إيه رأيك يا مختار لو اتجوزتيني؟” في يوم من الأيام، نرمين قالتها لمختار بكل جرأة. “أنا عايزة أعيش معاك العمر كله، وأربيلك بناتك كأنهم ولادي. مش عايزة منك غير الحلال.”
مختار اتردد في الأول. “بس أنا متجوز يا نرمين.” “عبير في بلد تانية يا مختار، وسابتك سنين. وانت محتاج ست جنبك. أنا مستعدة أكون الست دي.” نرمين كانت ذكية. عرفت تلعب على وتر ضعفه ووحدته. أم مختار كانت بتايدها بقوة. “اتكل على الله يا ابني. عبير اختارت السفر. أنت ليك حق في ست تهتم بيك.” وافق مختار. لكن نرمين كان عندها شرط قاطع. “مش هتجوزك إلا لما تطلقها. أنا مش ضرة لحد، ومش هعيش في الحرام.”
الشرط ده كان صعب على مختار. عبير؟ اللي بنت معاه عش الزوجية؟ اللي سابت حياتها عشانه؟ لكن إغراء نرمين، وكلام أمه، والوحدة، كانوا أقوى. مختار قرر يطلق عبير غيابي. من غير ما تعرف. من غير ما تسمع كلمة واحدة منه. كل ده وهو لسه بيستقبل فلوسها، وبيطمنها على الشقة. بعد طلاقه لعبير، مختار ونرمين اتجوزوا بسرعة، في سرية تامة. محدش عرف غير المقربين أوي. مرت الأيام، ونرمين حملت، وبعد حوالي سنة من جوازهم، نرمين خلفت ولد سموه “آسر”. مختار كان طاير من الفرحة. ولد! أخيراً بقى عنده “الذكر” اللي دايماً كان نفسه فيه.
في الوقت ده، عبير كانت بتخلص إجراءات رجوعها. جمعت كل الفلوس اللي كانت بتحلم بيها. شافت الشقة الجديدة متشطبة ومفروشة في خيالها. كانت عايزة تعمل مفاجأة لمختار. عايزة تشوف الفرحة في عيونه لما يلاقوها قدامه. الرواية بقلم ملك إبراهيم حجزت عبير طيارتها. ما قالتش لمختار. خدت أجازة من شغلها، وجهزت شنطتها، ورجعت مصر بعد سنين غربة. قلبها كان بيدق من الشوق لبناتها ولمختار. كانت بتتخيل لحظة لقاهم، والحض,,ن اللي هيدفي سنين الشوق.
وصلت عبير المطار، وخدت تاكسي على العنوان الجديد. العمارة كانت حلوة، والشارع رايق. طلعت عبير السلالم، وقلبها بيطير من الفرحة. وصلت قدام باب شقتها الجديدة، اللي تعبت وشقيت عشانها. خبطت على الباب. مرة، واتنين، وتلاتة. الباب اتفتح. عبير شافت ست واقفة قدامها. ست حلوة، لابسة قميص بيتي خفيف، وشعرها منكوش خفيف. وفي إيدها طفل رضيع. الطفل ده كان بيبي! بيبي لسه شهور. عبير بصت للست بصد.مة. الست دي… نرمين! جارتهم القديمة! إيه اللي بيعملها هنا؟ لابسة قميص بيتي ليه؟ مين البيبي اللي في إيدها ده؟
نرمين، اللي وشها كان باين عليه علام,,ات الصد.مة هي كمان، حاولت تبتسم ابتسامة باهتة. “أهلاً… مين حضرتك؟” لسه عبير هترد، مختار ظهر ورا نرمين. عينه وقعت على عبير، وشها اتخطف، الد.م جمد في عروقه. “عبير!” قالها بصوت خافت وكأنها شبـ . ــح. الكلمة دي كانت كفيلة إنها تفوق عبير من صد.متها الأولانية. الكلمة دي كانت كفيلة إنها تفهم كل حاجة. قميص بيتي. بيبي. نظرة مختار. المفاجأة اللي عبير كانت بتحلم بيها، اتحولت لصد.مة قاسية، كسرت كل أحلامها، وهدت كل اللي بنته سنين طويلة.
“نرمين؟ إيه ده؟ إيه اللي بيحصل هنا يا مختار؟” صوت عبير خرج ضعيف، بس جواه بركان كان بيغلي. “مين حضرتك؟” نرمين قالتها ببرود وهي بتضيق عينيها. عبير ما قدرتش تستحمل برودها، الغض,,ب مسكها من نافوخها. “أنا؟ أنا عبير، مرات مختار، وأم بناته! اللي واقفة في شقتي اللي متكلفة من فلوسي اللي حيلتي كلها!” صوتها كان بيعلى مع كل كلمة. نرمين رفعت حاجبها وسندت على الباب. “مرات مين يا حلوة؟ مختار طلقك من سنة، وأنا مراته على سنة الله ورسوله، ودي شقتنا أنا وهو، والبيبي ده ابنه!” بصت للبيبي اللي في حض,,نها بفخر مصطنع وابتسمت ابتسامة صفرا.
كلم,,اتها نزلت على عبير كالصاعقة. طلقها من سنة؟ ابنه؟ شقتها؟ الدنيا لفت بيها تاني، وحست إنها هتقع على الأرض. في اللحظة دي، سمعت صوت خفيف ورا مختار. بصت لاقت ملك وملاك واقفين ورا أبوهم، عيونهم واسعة، بيتنططوا من الفضول. “ماما!” همست ملك بصوت خافت. عبير قلبها اتعصر. “ملك! ملاك! وحشتوني يا حبايب ماما!” فتحت إيديها عشان تحض,,نهم، بس البنات اتخفوا ورا أبوهم، كأنهم ما يعرفوهاش. كأنها غريبة. “متقربيش منهم يا عبير!” مختار قالها بصوت فيه تحذير، ووقف قدام بناته وكأنه بيحميهم منها. “أنا قولتلك إيه؟ أنا خلاص مش عايزك. إنت طالق.”
كلمة “طالق” المرة دي كانت مسموعة، حقيقية، نزلت على راسها أثقل من ألف صاعقة. “تطردني؟ تطردني من بيتي؟!” عبير صرخت، والد.موع نزلت زي المطر على خدها. “ده مش بيتك يا عبير، ده بيتي أنا. الشقة دي باسمي، وأنتِ مالكيش فيها حاجة. وياريت تتفضلي تمشي بهدوء عشان فضايح.” مختار قالها وعيونه كانت قاسية، كأنه بيتكلم مع واحدة غريبة. نرمين دخلت لجوه، وسابت عبير في نص الصد.مة. مختار زق الباب في وشها. عبير فضلت واقفة مكانها دقايق، مش مصدقة اللي حصل. قلبها كان بينزف من الوجع. بناتها اللي ما عرفوهاش. بيتها اللي بقى ملك لغيرها. مختار اللي تحول لوحش غريب.
في لحظة غض,,ب ويأس، نزلت عبير السلالم وهي بتجري، مش شايفة قدامها. وصلت لحد القسم، ود.موعها سبقوها. حكت للضابط كل حاجة. قصة سفرها، تعبها، الفلوس اللي بعتتها، الشقة، لحد ما رجعت واتفاجئت بطلاقها وبنرمين وولادها. الضابط استمع ليها بهدوء. “يا أستاذة، كل اللي بتقوليه ده كلام على عيننا وراسنا، بس فين إثبات إنك بعتي فلوس؟ فين عقد بيثبت إن الشقة دي ملكك، أو إن مختار خد منك فلوس معينة عشان يشتريها ليكي؟” عبير سكتت، أصلها ما كانتش عاملة حسابها على كده. كانت بتبعت الفلوس حوالات، ومختار كان بيقولها “دي بينا يا حبيبتي، إنتِ ومختار واحد”. كانت بتثق فيه.
“مفيش إثبات يا فند.م. أنا كنت ببعتله الفلوس، ومكنتش أعرف إنه هيعمل فيا كده.” الضابط تنهد. “للأسف، من غير إثبات مادي، الموضوع صعب. لكن عشان خاطر شكواكي، أنا هكلمه ونشوف.” الضابط جاب مختار القسم. مختار جه وهو بيبص لعبير بشم,,اتة. الضابط حاول يتكلم مع مختار بهدوء، يفهمه إن اللي عمله ده مش صح، وإنه لازم يراعي ربنا ويراعي العشرة، ويرجع لعبير فلوسها اللي تعبت فيها.
“يا حضرة الضابط، هي طالق. والورق يثبت. والشقة دي باسمي أنا. وهي ملهاش عندي أي حاجة. أنا حر في فلوسي وأنا اللي اشتغلت عشانها.” مختار قالها بصلف، وابتسامة خفيفة ظهرت على وشه. “لو عندها إثبات واحد إني خدت منها مليم، يبقى ليها عندي اللي هي عايزاه.” الضابط بص لعبير بحزن. “للأسف يا أستاذة عبير، مختار كلامه سليم. لو مفيش أي إثبات على الحوالات دي، القانون مش هيقدر يعملك حاجة.”
الكلم,,ات نزلت على عبير كالصاعقة للمرة الألف. خسرت كل حاجة. فلوسها، بيتها، جوزها، بناتها. خرجت عبير من القسم، والشارع كان بيدور بيها. بقت في الشارع، غريبة عن بلدها، مكسورة، وحيدة، من غير أي سند. الكابــ . ــوس بقى حقيقة مرة. بعد ما خرجت عبير من القسم، والليل بدأ يليل، ماكانش ليها مكان تروحه. الشارع كان وحش عليها أوي، خصوصًا بعد سنين الغربة اللي عاشتها. فكرت في حد ممكن تلجأله، ما لقتش غير “عزة”، صاحبة عمرها، اللي كانت دايماً سندها.
وصلت عبير لبيت عزة، وهي شبه منهارة. عزة فتحت الباب، ولما شافت عبير بالمنظر ده، عينيها وسعت من القلق. “عبير! إيه اللي حصل؟ مالك يا حبيبتي؟” عبير ما قدرتش تتكلم، بس حض,,نت عزة حض,,ن طويل، وبدأت تعيط بكل صوتها. عزة سحبتها لجوه، قعدتها وشربتها ماية، وحاولت تهديها لحد ما قدرت عبير تحكي كل اللي حصل. من أول ما سافرت، لحد صد.متها في مختار ونرمين، ورفض الضابط مساعدتها.
عزة كانت بتسمع وقلبها بيوجعها على صاحبتها، بس في نفس الوقت، كان جواها غض,,ب كبير. “أنا لله وأنا إليه راجعون! أنا ياما حذرتك منه يا عبير! ياما قولتلك الراجل اللي يقبل إن مراته تصرف عليه، وتشقى في الغربة عشان بيت، ده عمره ما كان راجل أصيل! عمره ما هيصونك ولا هيحفظك!” عبير كانت بتبكي: “أنا كنت بحبه يا عزة، وكنت فاكرة إنه بيحبني، وإن ده مستقبل بناتي.”
“حب إيه اللي تتكلمي عليه دلوقتي؟ ده باعك ببلاش يا عبير! باعك بكلمتين حلوين من واحدة ما تسواش جزمته القديمة! والأسوأ إنه حرمك من بناتك!” عزة كانت غاضبة أوي. “بس تعرفي إيه؟ ده ذنبك انتي اللي رميتي نفسك في التهلكة دي! ليه وثقتي فيه الثقة العمياء دي كلها؟” “خلاص يا عزة، اللي حصل حصل. أنا دلوقتي عايزة أعمل إيه؟ عايزة بناتي، وعايزة حقي، وعايزة أوريه هو والست دي إن الدنيا مش سايبة.” عبير قالتها بصوت كان فيه مزيج من الحزن والعزيمة.