روايات

رد حق الاول ملك

تنهدت عبير تنهيدة موجوعة. ده كان حالها كل يوم. من ساعة ما اتجوزت مختار من سبع سنين، وهي بتعيش في الشقة دي، إيجار قديم، في الدور الأرضي. شقة ضيقة مكونة من أوضتين وصالة، ومطبخ وحمام صغيرين. أوضة لمختار وعبير وبناتهم التوأم “ملك” و”ملاك” اللي عندهم خمس سنين، وأوضة لحم,,اتها. الحياة كانت كومة مشاكل فوق بعضها.

حم,,اتها، الست أم مختار، كانت ست كبيرة، بس لسانها كان أطول منها. عمرها ما عجبها حاجة عبير بتعملها. الأكل مش عاجب، الشغلانة مش عاجبة، تربية البنات مش عاجبة، وحتى قعدة عبير معاها في البيت مش عاجباها. كانت عايشة دور المظلومة اللي ابنها جاب لها “غريبة” تقرفها في عيشتها. عبير قامت وهي بتدعي ربنا يقويها. غسلت وشها، وحضّرت فطار سريع للبنات ومختار. حاولت تتجنب أي كلام مع حم,,اتها عشان ما يبدأش يومها بخناقة جديدة. لكن الحماة كان عندها خطة تانية.

“هو أنتِ ناوية تفضلي شغالة ممرضة كده؟ بصي لنفسك في المراية يا بنتي، وشك بهتان، وعيونك غرقانة نوم. مختار محتاج ست تهتم بيه، مش طيف يادوبك بيلمحوه كام ساعة في اليوم.” قالتها الحماة وهي بتبص لمختار بعين قوية، كأنها بتستنجد بيه. مختار، اللي كان بيحاول يشرب الشاي بتاعه في سلام، رفع راسه. “يا أمي، عبير بتتعب عشان تساعدنا في مصاريف البيت. الشغل مش عيب.” “أنا قولت إنه عيب؟ أنا بقول إن صحتها أهم، وبيتها أهم، وعيالها أهم! ولا ناسية إن احنا قاعدين في شقة إيجار قديم، والوقت بيجري بينا، والناس كلها اشترت شقق، واحنا لسه مكاننا سر؟”

كلمة “شقة” كانت بتطرق في د.ماغ عبير زي المطرقة. ده كان الحلم اللي بيطاردها هي ومختار من يوم ما اتجوزوا. شقة تملك، ملكهم هما وبس، بعيد عن مشاكل الإيجار القديم والتهديد بالطرد في أي لحظة. شقة واسعة، فيها أوض لكل بنت، وفيها خصوصية ليهم كزوجين. في اليوم ده، عبير راحت شغلها في المستشفى وهي شايلة هموم الدنيا فوق راسها. وهي بتمر على العيانين، قابلت زميلتها، ممرضة أكبر منها في السن اسمها “سامية”، كانت تعرف ظروف عبير كويس.

“مالك يا عبير، وشك مخطوف كده ليه؟” سألتها سامية بحنية. عبير حكت لها اللي حصل، واللي بيحصل كل يوم. سامية ابتسمت ابتسامة حزينة. “أنا عارفة كل اللي بتقوليه ده. عشان كده، أنا قررت أسافر. جالي فرصة شغل ممتازة في السعودية.” عيون عبير اتفتحت على آخرها. “سفر؟ السعودية؟ يا بختك يا سامية!” سامية كملت كلامها: “الطلب كتير هناك على الممرضات، والرواتب أعلى بكتير من هنا. أنا كنت بفكر أقولك، في مكتب بيسفر ممرضات تبع وزارة الصحة، مرتبات كويسة جداً وإقامة مؤمنة. إيه رأيك؟”

الفكرة نزلت على عبير كأنها طوق نجاة. شقة! ممكن تشتري شقة! ممكن تخلص من مشاكل حم,,اتها، وتأمن مستقبل بناتها. لكن في نفس الوقت، الخوف مسكها. تسيب بناتها؟ تسيب مختار؟ تسيب بلدها؟ رجعت عبير البيت وحكت لمختار عن عرض السفر. مختار استقبل الفكرة بحماس غير متوقع. “سفر؟ ده يبقى حل لمشاكلنا كلها يا عبير! نسافر وتشتغلي هناك، نجمع قرشين ونشتري شقة نملكها، ونخلص من مشاكل أمي وكل حاجة. البنات أنا أتحملهم، وأمي هتساعدني. هي فترة وهتعدي.”

كلام مختار كان سحر على ودان عبير. كانت بتحبه، وكانت بتثق فيه. كان سندها الوحيد في الدنيا دي. صدقت كلامه، وصدقت وعده إنه هيحافظ على بناتها وبيتها. “بس هتوحشوني أوي يا مختار، هتوحشني بناتي.” قالتها وعيونها مد.معة. “كله يهون عشان مستقبلنا يا عبير. هتروحي وتشتغلي ليل نهار وتجمعيلنا فلوس الشقة. وبعدين ترجعي وأحنا مستنينك في بيتنا الجديد.” قالها مختار وهو بيحض,,نها بحنية مزيفة، بيبث فيها الأمل. بدأت إجراءات السفر. كانت صعبة وطويلة، بس عبير كانت مصممة. كل ورقة بتخلصها، كل خطوة بتاخدها، كانت بتشوف فيها حلم الشقة بيقرب. عدت الأيام، وجه يوم الوداع.

ملك وملاك كانوا صغيرين أوي عشان يفهموا يعني إيه “ماما مسافرة”. حض,,نوها وهما بيبكوا، وعبير كانت بتقطع قلبها. “هتوحشوني يا روح قلبي. ماما رايحة عشان تجيبلكوا بيت حلو.” ودعت مختار بحض,,ن طويل. “خلي بالك من البنات يا مختار. دول أمانة في رقبتك.” “في عنيا يا عبير، روحي وأنتي مطمنة.” مختار قالها وعيونه كانت بتلمع لمعة غريبة عبير ماقدرتش تفسرها في زحمة المشاعر. وسافرت عبير.

في بلد الغربة، كانت عبير بتشتغل كأنها ماكينة. شفتات طويلة، أيام مرهقة، الوحدة كانت بتقرص في قلبها، لكنها كانت بتفكر في بناتها ومختار والشقة. كل شهر، كانت بتبعت جزء كبير من مرتبها لمختار عشان يجمع فلوس الشقة. كانت بتحاول تكلمهم كل يوم، بس المكالم,,ات كانت قصيرة ومختار دايماً مشغول. “الفلوس وصلتك يا مختار؟” “أيوة يا حبيبتي، وصلت. ربنا يكرمك يا عبير، بتتعبي أوي.” “المهم أنتوا كويسين. البنات عاملين إيه؟ وحشوني أوي.” “البنات كويسين وزي الفل. سلميلي على أمك. ها، جمعتي قد إيه؟”

في يوم من الأيام، بعد حوالي سنة من سفر عبير، مختار كلمها وهو صوته فيه فرحة مش طبيعية. “عبير، لقيت الشقة! شقة تحفة يا عبير، في مكان نضيف، وهتشطب على ذوقنا. فلوسك كفت الحمد لله! أنا خلاص حجزتها وبدأنا تشطيب.” عبير قلبها كان بيرقص من الفرحة. “بجد يا مختار؟ يا روحي يا مختار! أخيراً الحلم هيتحقق! دي أحلى أخبار سمعتها في حياتي! مبروك علينا يا حبيبي!” فضلت عبير تبعت الفلوس عشان التشطيب والفرش، ومختار كان دايماً يطمنها إن كل حاجة ماشية تمام. في المقابل، حياة مختار في مصر كانت بتاخد مسار تاني خالص.

بعد ما استلم الشقة الجديدة، ونقل هو وأمه والبنات ليها، كانت حم,,اتها طايرة من الفرحة. أخيراً عندها مكان واسع ومريح، وبعيد عن “المرمطة” على حد قولها. لكن المشكلة القديمة فضلت موجودة. عبير بعيدة، ومختار عايش لوحده مع أمه وبناته.

انت في الصفحة 2 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى