روايات

مغسلة امـ ـوات نور محمد

بقالي ٣٠ سنة شغاله مغسله اموات، غسلت آلاف، الصالح والطالح، الهادي واللي وشه بيضحك، واللي كنت بحس بظلــ . ــمة في ملامحه.. بس اللي شفته المرة دي خلاني أشك في عقلي، وأعرف إن فيه أسرار في الدنيا دي الواحد أحسن له ميعرفهاش.

البداية كانت مكالمة تليفون الساعة ٢ بعد نص الليل، صوت راجل عجوز مخـ ـنوق: “يا ستنا، أمانة عليكي تعالي فوراً، عندنا أمانة وعايزين نسترها قبل الفجر”.. سألته عن المكان، وصف لي بيت في أطراف القرية، منطقة مقطوعة ومفيش فيها نور.. ركبت وسيلتي الوحيدة في الوقت ده، ومشينا في طريق ضلمة يخلي القلب يقبـ . ــض.
وصلت البيت، والغريب إن مكنش فيه لا صوان ولا ناس واقفة، ولا حتى صوت قرآن.. البيت كان هادي هدوء مرعب، وكأن الحيطان نفسها خايفة تتنفس. دخلت، لقيت تلات رجالة واقفين، وشوشهم خالية من أي تعبير، لا حزن ولا د.موع، بس عينيهم فيها نظرة استعجال غريبة..

واحد منهم شاور لي على أوضة في آخر الممر وقال بلهجة آمرة:
ـ “ادخلي، خلصي بسرعة، مش عايزين حد يعرف إنها ماتت هنا”.
قلبي اتقبـ . ــض، بس قلت دي أمانة.. دخلت الأوضة وقبل ما أقفل الباب، سمعت صوت “تكة” المفتاح من بره! اتحبست.. بصيت للجـ ـثة اللي كانت متغطية بملاية سوداء، مش بيضاء.. والريحة بدأت تهجم على مناخيري، ريحة صعبة جداً، مش ريحة عـ ـفن، لا.. ريحة زي الكبريت المحروق.
سميت الله وقربت، كشفت الوش، وهنا كانت الصد.مة..

الست ملامحها كانت “ممسوحة”، مفيش حواجب، وجلدها كان مشدود لدرجة إن عينيها كانت مفتوحة وجاحـ ـظة لفوق، بس المرعب بجد كان إيديها.. إيديها كانت متـ ـشنجة وقابضة بقوة رهيبة على رقبتها، وكأنها كانت بتخـ ـنق نفسها قبل ما تمــ . ــوت!
حاولت أفرد إيدها عشان الغسل، مفيش فايدة، كأنها حديد.. وفجأة، وأنا بحاول، سمعت صوت “خربشة” طالع من جوه الكفن.. جسمي اتنفض، وبدأت أسمع صوت “فحيح” زي فحيح التعبان طالع من بؤها المفتوح.. بصيت بتركيز، لقيت سائل أسود زي الحبر بيسيل من ودنها وبؤها، وكل ما أمسحه يرجع يزيد!
اتجننت، خبطت على الباب وصـ ـرخت:

“افتحوا لي، الجـ ـثة دي فيها حاجة غلط، أنا مش هكمل!”.. جالي الرد من بره بصوت بارد:
ـ “لو مخرجتش متكفنة، هتفضلي محبوسة معاها للأبد.. خلصي يا ولية وفكينا”.
بقيت بين نــ ــارين، جـ ـثة مرعبة وباب مقفول.. بدأت أكب المية وأنا بقرأ آيات الكرسي بصوت عالي، وكل ما أقول آية، كان جسم الجـ ـثة يتـ ـنفض تحت إيدي وكأنها بتتكـ ـهرب! لدرجة إني شفت عروقها بتنفجر وبيطلع منها نفس السائل الأسود.
كفنتها بأسرع ما يمكن، ربطت الكفن وكنت حاسة إنها بتتحرك جواه..

أول ما خلصت، الباب اتفتح، ولقيت واحد بيشدني من إيدي ويرميني بره البيت، ورمى ورايا شنطتي وهو بيقول: “انسى الطريق ده، وانسى اللي شفتيه”.
رجعت بيتي وأنا مش واعية، قعدت أسبوع مش باكل ولا بشرب، وصورة عينيها الجاحظة وصوت الفحيح مش بيفارق ودني.. كنت بسأل نفسي: دي عملت إيه في حياتها عشان الأرض ترفضها والجسم يطرد روحه بالطريقة دي؟
بعد شهر، الفضول قــ . ـــتلني، وقررت أرجع لنفس المكان عشان أعرف الحقيقة.. ركبت ورحت لحد أول الطريق، ووقفت مصدومة..

البيت اللي كنت فيه من شهر، كان عبارة عن خرابة مهجورة من سنين، والناس هناك قالوا لي إن البيت ده مسكون ومحدش دخله من عشرين سنة!
وقفت قدام البيت المهجور، ولقيت على الأرض “فردة جوانتي” من اللي كنت لابساهم يومها.. دخلت وسط الأنقاض وأنا رجلي بتترعش، لحد ما وصلت للأوضة اللي غسلت فيها، ولقيت المفاجأة اللي خلت شعري يشيب…
#الكاتبه_نور_محمد
دخلت الأوضة اللي ريحتها لسه معبية المكان، ريحة كبريت وتراب قديم.. الأوضة كانت فاضية تماماً، حيطانها مقشرة والسقف واقع، بس في الركن اللي كانت فيه “الدكة” اللي غسلت عليها، لقيت حاجة خلت د.مي يتجمد في عروقي.

لقيت مصحف قديم جداً، بس كان متقطع ومحطوط في وسط دايرة من الرمل الأسود، ومربوط بخيوط من “شعر خشن” نفس الشعر اللي شفته في بؤ الجـ . ــثه في القصة الأولى.. وجنبه ورقة صفراء دبلانة، مكتوب فيها بخط أحيدب ومرعب: “بعتُ لساني لئلا ينطق بالحق، ووهبتُ يدي لتخنق كل صرخة مظلوم.. فليكن سواتي هو شتاتي”.
في اللحظة دي، سمعت صوت “الفحيح” تاني.. بس المرة دي كان ورايا بالظبط! لفيت بسرعة وأنا بصرخ، ملقيتش حد، بس لقيت على الحيطة المهدومة خيال لست بتخنق نفسها بإيدها، نفس المنظر اللي شفته في الجـ . ــثه.. الخيال فضل ثواني واختفى وكأن الأرض بلعته.

جريت بره البيت وأنا بلهث، وقابلت راجل عجوز من أهل المنطقة، سألته بد.موع: “مين الست اللي كانت ساكنة هنا؟”.. الراجل بصل بي بأسى وقال:
ـ “يا بنتي، البيت ده كان ملك لواحدة كانت بتشتغل ‘مفرقة’.. كانت بتمشي بالفتنة بين الناس، تخرب بيوت، وتكتب أعمال بالشر، وتظلــ . ــم الغلبان عشان خاطر القرش.. ماتت من ٢٠ سنة في حريقة غامضة، والجيران قالوا إنهم سمعوا صوت خنق وصراخ مرعب، ولما دخلوا لقوها ميتة وهي خانقة نفسها بإيدها.. ومن يومها ومحدش قدر يدفــ . ــنها في مدافن المسلمين، الأرض كانت بتطردها كل مرة!”.
عرفت وقتها إن اللي شفته مكنش مجرد جـ .

ــثه، ده كان “تجسيد” لآخر لحظات حياتها، وعبرة ليا ولأي حد.. إن الواحد ممكن يخدع الناس طول عمره، بس لحظة خروج الروح، الحقيقة بتظهر، والجسم بيفضح صاحبه.
الدرس المستفاد (الفائدة):
القصة دي مش مجرد رعب، دي رسالة لكل واحد فينا:
* الكلمة أمانة: اللسان اللي بيتبلي على الناس أو بيخرب البيوت بالفتنة، نهايته صعبة.. “وهل يكب الناس في النــ ــار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟”.
* الظلــ . ــم ظلــ . ــمات: ظلــ . ــم الناس وأكل حقوقهم بالباطل بيتحول لسلاسل بتخنق صاحبها في الآخر.
* حسن الخاتمة: الإنسان بيعيش على حاجة وبيمــ . ــوت عليها..

اللي عاش على الأذى، نهايته بتكون غامضة وموحشة.
نصيحة أخيرة: دائماً استعيذ بالله من “سوء المنقلب”، وخليك فاكر إن ستر الله جميل، بس لما الستر بيترفع.. مبيفضلش غير العمل.
تمت لو عجبتك القصه ادعمها بلايك وكومنت للاستمرار مع تحياتي الكاتبه نور محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى