روايات

رواية بقلم ايه محمد

هزت رأسها وهي تجيبه:
_لبست وبستنى البنات يعدوا عليا، بس قولت ادخل لاخويا الكبير العسل يديني مصروف زيادة بما إنه اتوظف في بنك كبير محترم، هيقدر ان المصروف اللي بابا بيدهوني مبقاش ينفع بالزمن ده ولا أيه؟
تعالت ضحكاته الرجولية، وهو يستمع اليها بمكرٍ، فاستقام بوقفته ودنى من خزانته الخاصة، سحب “يونس” مبلغ من المال ثم قدمه لها وهو يخبرها بمشاكسةٍ:
_هيكفي لو بطلتي تخلصي مصروفك على الميكب أب والحاجات الغريبة اللي بتشتريها.. قولتلك الف مرة شكلك أحلى من غير المكياج والقرف ده بس هنقول أيه تفاهة بنات.

تجهمت تعابير وجهها، فاغدفت عن نقاء بشرتها الحنطية، فازداد ضحك، التقطت “مسك” المال منه ثم قالت بحتقٍ:
_خف شوية لسه هنزل تحت لمحاضرات جدي، ورزالة ابن عمك الغتت
لذكرها المشاكسات التي مازالت تجمعها بمؤمن الشبيهة بمغامرات القط والفأر جعلته يبتسم، فأشار لها وهو يلتقط المنشفة ومعجون أسنانه الخاص:
_انزلي بدون مشاكل مع مؤمن يا مسك، مش ناقص حوار من بابا على الصبح بسبب خناقكم ده.
عدلت من طرف حجابها الطويل أمام المرآة وهي تجيبه بضجرٍ:
_أنا في حالي دايمًا هو اللي لسانه طويل وبيتخانق مع دبان وشه.

ارتفعت صيحات الفتيات من أسفل نافذة المنزل، فاسرعت للخروج وهي تلوح له:
_همشي انا عشان متأخرش.
حملت “مسك” حقيبتها، وجذبت كتبها الموضوعة على الطاولة وحملت حذائها على يدها ثم ركضت للاسفل، وهي تحاول ارتدائه، وصلت للطابق السفلي، فاستندت على باب شقة جدها لترفع الحذاء لقدميها في نفس لحظة فتح “مؤمن” الباب، لتندفع الأخيرة من حوله حتى كادت بالسقوط أرضًا، انكمشت تعابير وجهها غض\بًا، فاستقامت بوقفتها لتشير له بعصبيةٍ:
_أنت مبتفهمش!
ضيق عينيه بسخريةٍ، فقال وهو يشملها بنظرةٍ خاطفة:

_كنت بنجم عشان أعرف ان سيادتك ساندة على باب بيتي!<!–nextpage–>
وانخفض ببصره تجاه حذائها الغير مرتب، ثم قال:
_ثم إنك مبتلبسيش جزمتك من فوق ليه، الكام دقيقة اللي هتربطي فيهم رباط الجزمة هيعطلوا وزارة التربية والتعليم في حاجة!
جزت على أسنانها بغيظٍ، واستعدت لمعركتها اليومية مع هذا القط السليط، فصاحت بانفعالٍ:
_اما انت انسان متدني ومعندكش ذوق، ده بدل ما تعتذر بتديني محاضرة وأنا متاخرة على الامتحان وعايزة اعدي السنة الاخيرة دي على خير!
ضحك بصوت استفزها، وخاصة حينما ردد بتسلية وهو يلتهم الفلافل الساخنة:

_دي أمنيتك أنا عارف، تخلصي الدراسة وتتجوزي فتى الاحلام اللي يسافرك أمريكا زي ما بتحلمي!
عند ذكره لحلمها الثمين، خرجت عن طور هدوئها، فصاحت به وهي تحذره باشارة اصبعها:
_إياك يا مؤمن، لحد هنا ولو اتكلمت مش هيحصلك كويس.. وبعدين انت مالك أنا حرة إن شالله احلم أروح شيكاغو انت هتتحكم في دي كمان!
هز رأسه مؤكدًا:
_طبعًا، لما تروحي أمريكا مع سعيد الحظ هقعد أنا وأخوكي هنا نهبب أيه، يدينا التأشيرة واحنا نروح نشتغل هناك ان شالله حتى نقف على عربية كبدة مدام الطب معتش بيأكل عيش.
وضعت يدها بمنتصف خصرها وهي تجيبه باندفاع:

_وما تسافرش انت ليه، ما أنت على قلبك فلوس ورث أد كده.. تخليك تسافر اسبانيا لو حابب.
تجعد وجهه وهو يدعي الحزن الذي لحق نبرته الساخطة:
_هما فين دول… أطولهم بس وأنا هعمل العجب.
قاطع حديثهما يونس الذي هبط من خلفها يعقد جرفاته، فقال بتريثٍ:
_ابتدينا.. احنا لسه على الصبح!!
أسرعت بتقديم شكواها قبل أن يسبقها:
_هو اللي بدأ.. أنا اتاخرت بسببه.
اتجهت نظراته الصارمة تجاه مؤمن الذي قابلها بالحنق، وراح يخبره:
_اختك دي عندها قدرة عالية إنها تقفل يوم أي حد.
واتجه للأريكة، فجلس وهو يردد بملل:

_أهو… مش خارج يارب تكوني انبسطتي!
خرج الجد من مطبخ المنزل يجفف يده المبتلة بالمنشفة، ليصيح به:
_انت لسه هنا!!
انتصب بوقفته سريعًا، وهرع للأسفل وهو يشير ليونس بعدم فضح أمره، فتعالت ضحكاته وقال هو يشير لمسك:
_تعالي انا هوصلكم بعربيتي.
لحقت به وهي تردد بتوتر:
_بسرعة قبل ما اللجنة تبدأ.

*******
سئم البحث عن عمل كعادة كل يومٍ يقضيه بالبحث، كونه طبيب يأهل له سرعة الحصول على عمل هكذا المنطق الذي لا ينطبق بالأونة الأخيرة، عاد مؤمن للمنزل، ليجد زوجة عمه بالأسفل تملأ المائدة بأطيب أنواع الطعام، وما أن لمحته حتى أشارت له ببسمة هادئة:
_اقعد يلا يا حبيبي.
واتجهت للدرج الجانبي، ثم ضغطت على الجرس فهبط يونس وأبيه للأسفل، بينما خرجت مسك من المطبخ حاملة عصير البرتقال الطازج، سكبته بالأكواب وجلست بمقعدها، اجتمع الجميع على المائدة بعد انضمام الجد إليهم، والصمت يغمرهم كالستار المبجل، إلى أن حطمه الجد حينما سأل ابنه:

_والعريس اللي جاي يشوف مسك بنتك هيجي أمته يا أحمد؟
فور سماعها لتلك الجملة اللازعة كالليمون بالنسبة لها سعلت بقوةٍ كادت باسقاط الشوربة عن فمها، فناولها يونس منديل ورقي وهو يكتم ضحكة كادت بالانفلات منه، وخاصة حينما أجاب أبيه:
_العريس جاي لوحده بكره بليل يا حاج.. وبعد كده هيجي هو وأهله لو حصل نصيب.
وأضاف وهو يتطلع تجاه زوجته وابنته:
_شاب محترم وابن حلال، وملوش في عك الشباب بتوع اليومين دول.
التهم مؤمن قط/عة الدجاج، فلاحظ ان لونها داكن بعض الشيء، فرفع جزء منها للأعلى وهو يتساءل بشكٍ:
_اوعى يكون اللي في دماغي صح!

اتكمشت ملامح عمه بيأس من مقاطعته المعتاده لأي موضوع هام مطروح بين أفراد عائلته، فرد عليه يونس باستهزاءٍ:
_دبحنالك جوز فراخ من اللي أنت كنت أويهم على السطوح، متخافش دي فراخ تصدير محلي وكله مثبت بالأوراق!
مسح لسانه بالمنديل الورقي ليزيح المتبقى من الطعام، وقال بغض\ب:
_غير صالحة للاستعمال الادمي يا بني آدم، عايز تم\وتني عشان تورث اللي مش عارف أورثه!
حرك الجد اصابعه على السبحة وهو يردد بصوتٍ مسموع:
_لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم… توب علينا يا رب!
القى مؤمن المنشفة ونهض وهو يصيح باندفاع:

_بتحفل عليا يا فتحالله، بقي دي اخرتها سايب ابن ابنك الكبير يتريق عليا، ومرات ابنك قفشالي فرختين طالعين من السونا!
فشلت فاطمه بالسيطرة على ضحكاتها، ورددت قائلة:
_والله أبدًا دي حتى فراخ بلدي تربيتي مش بيضة زي اللي أنت كنت جايبها!
جلس محله مجددًا واستكمل طعامه بنهمٍ، فقال بحرجٍ حينما لاحظ نظراتهم المندهشة إليه:
_مدام حمرة نأكل بنفس.
منحته مسك نظرة محتقنة كالشرارة، وتساءلت بسخطٍ:
_أنت ازاي دكتور بيطري ومش قادر تفرق بين الفراخ البيضة والبلدي!
رسم ابتسامة كادت بالوصول لأذنيه وهو يجيبها:
_أنا من الدفعة بتاعت التابلت مطبقناش اللي واخدينه عملي..

وبعدين جدك اللي مصمم يخليني دكتور بالعافية، مفيش قسم رضى بيا الا الحيوانات!
همس الجد بحنقٍ:

انت في الصفحة 2 من 7 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى