روايات

رواية بقلم ايه محمد

_الحيوان غلبان مبيعرفش يستنجد من الطور اللي بيعالجه!
وأشار الجد ليونس قائلًا:
_قوم يا ابني عشان نلحق الصلاة، وأبقى هات ابن عمك في ايدك ليدخل ينام للفجر زي كل يوم!
وتركهم وغادر، فلحق يونس ومؤمن به لقضاء الصلاة الجماعية بالمسجد، وحين عودتهما اتجه كلا منهما لغرفته، والتفكير مازال يقتص من عقل مؤمن حول تنفيذ مشروعه الخاص لعدم حصوله على العمل المناسب، لا يعلم بأنه يأجج فتيل الخيط الذي سيعد بمثابة طاقة خفية ربما تكون قدرًا من ذهبٍ أو باب من أبواب جهنم!<!–nextpage–>
………… يتبع………الفصل الثاني..
(فن إختيار العروس!..)

كعادة الأم المصرية باستقبال عريس قادم لرؤية ابنتها، قامت فاطمة وابنتها مسك بتنظيف المنزل جيدًا استعدادًا للضيف الهام، فقضوا يومهما الطويل بتنظيف غرفة الضيافة والمنزل بعناية، وبالمساء عاد يونس من الخارج بعلبٍ الحلوى الباهظة، وزجاجات المياه الغازية، وغيرها من التسالي، فولج للمطبخ ثم وضع ما بيده على الطاولة المستديرة المتوسطة للمطبخ الصغير، وقال بلطفٍ وهو يمنح والدته بسمة صغيرة:
_الطلبات أهي يا ست الكل شوفيها لو ناقصة حاجة مؤمن بره هبعته يجيبها.
انتهت من صنع أطباق حلوى (المهلبية)، ثم جففت يدها بالمنشفة الصغيرة، ودنت منه لتتفحص ما أحضره ابنها، وبحنان زائد ربتت على كتفيه العريض وهي تخبره بابتسامةٍ مشرقة:

_مش ناقص حاجة يا حبيبي.
هز رأسه وهو يردد:
_طب الحمد لله.. هخرج أقعد مع مؤمن لحد ما الناس توصل.
أوقفته وهي تشير للشعلة الصغيرة:
_خد قهوته وأنت خارج.. كنت محضرهاله.
اتجه يونس اليها، فسكبها بفنجان صغير، ثم خرج بها لمؤمن، فوجده يلهو بڤازة الورد الصغيرة، حتى مزق ورقاتها وألقاها بعشوائيةٍ، برق بعينيه وهو يلتفت خلفه ليتأكد من انشغال والدته بالداخل، فهرع اليه، وضع الكوب عن يده وهو يصيح بصدمةٍ:
_يخربيتك بتعمل أيه؟
أجابه بضجرٍ وهو يلاقي أخر ورقة بالورد البلاستيكي:
_بشوف حظي زي اللي بيشوفوا وكالعادة طلع منيل بنيلة!

انحنى يونس بجسده الممشق الممتد صدره وذراعيه بالعضلات الغير مبالغ بها لهوسه بالذهاب للجيم التابع لاحد أصدقائه، على عكس مؤمن كان يملك جسد طبيعي للغاية ولكنه لم يكن بالسمين، حمل يونس الاوراق من الأرض سريعًا واتجه بها لسلة المهملات، كاد بألقاها ثم عاد بها وهو يردد بصوتٍ كان مسموع لمن يتابعه بحيرةٍ من استكشاف امره:
_أوديهم فين دلوقتي.. منك لله مسك لو شافتهم هتعلقك مكان النجفة دي بتاعت جهازها بتطلعها للغالين وبعد كده بترجعها في الشنط تاني.
ذم شفتيه ساخطًا:

_خليها تلم العدة وتفردها كل ما عريس يجيلها… أهو تجدد وتشتري الحديث لان مفيش عريس هيسلك معاها بشرطها الخايب ده.
واسترسل بمنطق ظنه مفهوم لمن يحدق به:
_هي الناس لاقية تأكل عشان يسافروها أمريكا! حلمها غريب أوي بصراحة، البنات بتحلم ببوكيه ورد، علبة شوكولاتة غالية ودي طالعه السما.
جذبه يونس من تلباب قميصه الأبيض، فجحظت عين مؤمن الذي تخشب جسده بين يد ابن عمه، وردد برجاءٍ:
_القميص مكوي عند عمي اسماعيل ب١٥ج، ايدك بعيد عن القميص لانادي على فتحالله يطلعلك من تحت بالشومة!

وضع يونس الورقات بجيب قميصه العلوي، ونسقها لتبدو ظاهرة لمن تقف قبالته، ابتسامته الماكرة منحت مؤمن نبذة مختصرة عما يود فعله، فلف جسده تجاه من تفتح بابها وتستعد للخروج، جحظت عينيها البنية في صدمةٍ، وهي توزع نظراتها بينه تارة وبين الڤازة المنتزع فروعها، فاقتربت منه وهي تردد من بين اصطكاك أسنانها:
_أنت اللي عملت كده في الڤازة؟
هز رأسه يسارًا ويمينًا، فاتسعت حدقتيها بشكٍ جعله يعود لهزها للأسفل، فض/ربت مقدمة المقعد الفاصل بينهما وهي تصيح بجنون:
_ليلتك سودة يا مؤمن ده أنا شاريها من العباسي ب١٣٠ج، قسمًا بالله ما أنت نازل من هنا الا لما تدفعهم.

تحرر لسانه الثقيل عن طلتها التي اكتسبت اعجابه، فستانها الزهري الطويل، وحجابها الأبيض الذي تدلى من خلفها بنعومةٍ، وجهها الذي يحتفظ بالقليل من ادوات التجميل، رموشها الطويلة التي زادتهم هي طولًا فبرزت جمال لون عينيها الشبية للون الهرة، ريثما هي القطة البيضاء التي تمتلك عينين أجمل من كل ما رأهما في رحلة تصنيفهما بلقب القط والفأر كالمعتاد، من تكون تلك الحورية ليصنفنها بالفأر، بل هو الفأر والابشع من ذلك إن تطلب الأمر، كان عليه أن يسترد هيبته التي اطاحها تعصبها الشديد، لذا قال بمشاغبةٍ:

_ما تهدي يا عروسة للبهيه تسيح قبل ما العريس يجي، مكنتش وردتين لعبت بيهم دور البائس وأنا قاعد كده، اهدي كده وخدي نفس عميق عشان الواد اللي جاي يعين ده!
ادلت شفتها السفلية وتشدقت قائلة:
_خد أنت نفس عميق وأنت بتتكلم عني وعن جمالي، الظاهر إنك من كتر ما بتتعامل مع البهايم والحيوانات بقت متفرقش عنهم!
استدار برأسه ليونس الذي يحتضن رأسه بألمٍ شديد، واستحضره ليشهد على وقاحتها:
_شوفت أختك بتقول أيه؟
كز على أسنانه بغيظٍ جعل صوته محتقن:
_شايف وسامعك أنت كمان..

أنا امنيتي في الحياة كل واحد منكم يتجوز ويغور من هنا عشان أنا اللي ارتاح.
تعالت ضحكات مؤمن وقال بتسليةٍ:
_هتستريح فين وأنا شقتي فوقك بالظبط، وبعد كده لما تتجوز هتطلع انت في الدور اللي فوقي، زي دلوقتي انت فوق وانا تحت مع فتحالله، يعني بالعربي يبقى الوضع على ما هو عليه للمم\ات يا ابن عمي.
التقط نفسًا مطولًا ثم انسحب لأبعد أريكة، فأخرج هاتفه ووضع سماعته الخارجية بأذنيه ليتغاضى عن تلك المعركة التي تحتد لأبعد حد، وانتهت بصياح مؤمن وهو يشير اليها بعنفوانٍ:
_يعني الوردة دي اللي مزعلاكي!
_آه هي..

بعد كده متمدش ايدك على شيء يخص جهازي.
أشار لها بابتسامةٍ واسعة وقال وهو يتجه للطاولة مجددًا:<!–nextpage–>
_بس كده عيوني.
وانحنى يجذب الڤازة ثم قذفها تجاهها وهو يصرخ:
_أدي الڤازة العرة ام ١٣٠ج ولا تسواهم.
سقط الڤازة أرضًا أمام قدم العريس المنتظر في نفس لحظة اشارة الجد له بترحابٍ، بعدما اصطحبه للاعلى مرددًا:
_اتفضل يا حبيبي بيتك ومطرحك.
سقط الورد أسفل قدم الشاب، هرولت مسك لغرفتها بينما حان من الجد نظرة نا*رية لمؤمن، وقال ببسمة مصطنعة يخفي خلفها حرجه:
_فرشنلك الأرض ورد من محبتنا فيك.. اتفضل يا حبيبي اتفضل.

وأشار ليونس باتباعه لغرفة الضيافة، فتفاجئ به مغلق العينين والسماعات مازالت موضوعة بآذنيه، أشار مؤمن لجده بأنه سيتوالى أمره، فجذب الوسادة الصغيرة ودفعها لتصيب وجه يونس، الذي فتح عينيه الملتهبة بجحيم غض\به الحارق، فاقترب منه وقد تخطى الغض\ب محتجزه، ابتلع مؤمن ريقه بارتباكٍ فتراجع للخلف وهو يشير له على الغرفة:
_جدك عايزك العريس وصل.
لف يده حول رقبته وردد بحنقٍ:
_لو شوفتك جوه هرميك من شباك المسقط.

تهديده قذف اليه مشاهد بائسة من طفولته، حينما كان يحمله يونس كشوال البطاطا ويقذفه من النافذة التي تنحدر على طرف المنزل فكان يسقط بالطابق السفلي كثمرة البطيخ التي تتناثر أجزائها بكل اتجاه، لعق شفتيه عله يمنحهما رطوبة تمحي جفائهما وتسلل من بين يديه ليجلس على المقعد، ثم جذب قهوته يرتشفها على مهلٍ وهو يخبره ببسمةٍ مصطنعة:
_خلص وأنا هنا مستنيك.
لاح على وجه يونس بسمة انتصار، فمنحه نظرة عنجهية أخيرة قبل أن يتابع خطاه الثابت للداخل، تابعه مؤمن حتى اختفى من أمامه فإشرأب بعنقه وهو يسبه:
_أياكش تقع وتنكس\ر رقبتك يابو طويلة يا أهبل!

وعاد لمقعده بابتسامة رضا لما فعله، وكأنه استرد حقه أمام ما فعله يونس، وما هي الا ثوانٍ وانتبه مؤمن لمسك تتسلل على أطراف أصابعها حتى وصلت اليه فقالت ببسمة حماسية:
_ها.. حلو؟
ضيق عينيه باستغرابٍ:
_هو مين؟
اجابته بانفعالٍ:
_العريس!
بسخريةٍ ردد:
_مستعجلة على أيه الوقتي تدخليله.. الشيء الوحيد اللي حلو في الليلة إنه هيملي كرشه وهينبسط من واجب الضيافة أصل العريس يا عين أمه محتاج تغذية، تحسيه عمود نور واخد وش بهية نبيتي!
واسترسل قائلًا بتريثٍ:

_المفروض نكتب على البيت من تحت اننا فاتحينها معونة للعرسان البهتنين، كل عريس يجي يتأوت هنا أكل وشرب وبعدها يترفض بذمة.. ما من الأول من غير ما تكلفينا تورته وجاتو وحاجة ساقعة ولب وحلويات انتوا ماشين بمبدأ خش خد ضيافتك وعين واخرج وانت ساكت!
لم يثير حديثه غض\بها تلك المرة، استمعت اليه وما أن انتهى قالت ببسمة واسعة:
_وهرفض ١٠٠ لحد ما ألقي الشخص المناسب اللي يحققلي حلمي ويوديني شهر العسل في أمريكا.
ض/رب كف بالأخر وهو يردد:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، أفهمها ازاي دي يا ربي!<!–nextpage–>
وعاد ليشير لها بانفعال:

_يا حبيبتي دي مواصفات خارج قاموس البشرية نفسها مش العريس المصري الشقيان!
واسترسل بعد تفكير:
_خلاص وقعي ثا*ري عربي في غرامك أهو وقتها الحلم هيكون على قد اللحاف!
قاطعت فاطمة حديثهما، حينما أشارت اليهما بالاقتراب لحمل الصواني التي أعدتها بعنايةٍ، فحمل مؤمن صينية الحلويات، بينما حملت مسك المشروبات، وانصتت الى والداتها التي تهمس لها بالتعليم\ات المعتادة:
_خلي ابن عمك هو اللي يدخل الأول، وانتي وراه… ومتصحكيش كتير أنا عارفاكي هربانه منك.
هزت رأسها فعادت لتسترسل بتحذيرٍ هام:
_وأوعي أوعي تجيبي سيرة أمريكا والسفر والجنان بتاعك ده…سامعة يا مسك.

عادت لهز رأسها، فضحك مؤمن ثم قال بمرحٍ:
_أول ما هيقعدوا لوحدهم عيدي لحد تلاته هتلاقي العريس قايم يجري بعد ما يسمع حكاية السفر دي.
واتجه للداخل فلحقت به، وما هي الا دقائق معدودة حتى خرج الجميع وتبقت مسك بصحبة العريس بمفردهما، ومؤمن يجلس على الأريكة يعد من واحد للرقم العاشر وعينيه لا تفارق الباب، بانتظار لحظة هروب عريس الغفلة كما وصفه!
*******
بالداخل.

بسمة الابتهاج تلك تعرفها جيدًا، اعتادت على رؤيتها على وجه أي عريس تقدم لخطبتها، هي ليست بالدميمة، فتاة بملامح قد تكون عادية ولكنها رقيقة وتمتلك جمالها الخاص كأي فتاة ترتب من ثيابها وحجابها، بدأ الحوار بينهما، حتى أنهته مسك بسؤالها المفاجئ، فقط/عت ما يحضر للنطق به من البداية لحظة جلوسها أمامه، فقالت لتحسم قرارها بشأن تلك الزيجة، قبل أن يطول الأمر بجلوسها الغير محبب:
_هو أنت أيه طموحاتك عن ما بعد الزواج؟
أسبل بعينيه بدهشةٍ من سؤالها المبهم، فقال:
_مش فاهم!
أوضحت أكثر عما تود قوله:
_يعني مثلًا هتقدر تسافرنا شهر عسل بأمريكا.

اتسعت حدقتيه وهو يستمع لما تقول، فردد ساخرًا:
_شهر عسل بأمريكا.. لو كنت أقدر أسافرلها كان زماني متجوز من أربع سنين فاتوا!!
نهضت مسك عن مقعدها لتشير إليه بضيقٍ:
_يبقى ميلزمكش الجوازة دي يا ريس، شيل بوكيه الورد واتكل على الله.
بدى مشدوهًا لما يحدث هنا، فحمل الزهور وهرول للخارج مسرعًا قبل أن تتحول تلك الفتاة الغامضة..

******
مع اشارة يدها بالعد الثامن حتى وجد العريس يهرول لباب الخروج بوجهٍ مصفر، يركض وكأنه خرج من منزل الاشباح للتو، تابعه الجميع بنظراتٍ بائسة، تحركت على من خرجت خلفه تخلع عنها فستانها لتجلس ببيجامتها التي ارتدتها أسفل الفستان احتراز احتياطي لما سيحدث هنا، اشاحت بحجابها لتظل ب ( البندانة) االتي تحجب شعرها القصير عن الأعين، القت حجابها أرضًا وهي تشير لهم بتحذيرٍ سابق قبل الخوض بمعركة الحديث بعد كل عريس:

_مش عايزة أسمع كلمة ملهاش لزمة من حد، مش كتير عليا اني اسافر أمريكا، أنا لا عايزة فرح ولا شبكة ولا شقة ولا عايزة حاجة أكتر من إني أسافر أمريكا، وبقولكم أهو انا مش هتجوز الا من شخص يقبل بالشرط ده.
وفتحت باب الشقة وهي تشير اليهم جميعًا بحزمٍ ظنته مخيفًا إليهم:
_انا طالعه على السطوح أقعد مع نفسي أشكيلها حظي التعيس مش عايزة حد يجي ورايا من فضلكم.
وأغلقت الباب من خلفها، فخلفت فراغ وصمت تام يسيطر على الجميع، إتكأ الجد بجلسته على عصاه، فاحنى ذقنه عليها، وردد بحسرةٍ:
_هنعمل أيه.. محدش هيقبل بالدلع ده!

رد عليه يونس ببسمةٍ ساخرة:
_نعملها اعلان على النت يمكن تلاقي سعيد الحظ.. أو ندورلها على عريس عايش في أمريكا وعايز عروسة مصرية دليفري!
احتضن أحمد رأسه وردد بإرهاقٍ نفسي مازال يحاوطه لتلك اللحظة:
_البنت دي هتجنني.. شكلها كده هتعنس جنبي!
استحضرت فاطمة دموعها، ورددت بنواحٍ:
_متقولش كده يابو يونس، ربنا هيبعتلها ابن الحلال وبكره تشوف.<!–nextpage–>
شمل الهكحوار الجد والعائلة بأكملها، الا ذاك الشارد بخطته التي ستجني ثمارها إن تنفذت أركانها مثلما شاء، فانتصب بوقفته وأشار لهم بغرورٍ:
_ولا يهمكم أنا هتكلم معاها وأكيد هتغير رأيها تمامًا.

مشطه يونس بنظرة مستهزئة، انهاها حينما قال بشكٍ:
_بلاش أنت عشان ما تحدفكش من على السطح!
أعدل قميصه وهو يكمل طريقه باتزانٍ وثبات ظنه مهيبًا:
_أنا اللي هحل الموضوع ده… استنوا وهتشوفوا.
كاد يونس باللحاق به، فجذبه الجد بعصاه ليجلس محله مجددًا، فمازحه قائلًا:
_سبها تخلص عليه هو ابن حلال ويستاهل.
*******

انت في الصفحة 3 من 7 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى