بالأعلى..
كانت تجلس أعلى الغرفة التي تتوسط سطح المنزل، اختارت الجلوس جوار خزان المياه الضخم، مكانها المحبب الذي يمنحها شعور مماثل بالجلوس أعلى برج إيفل، لامس الهواء البارد وجهها، فأغلقت مسك عينيها وهي تستمع بذاك القدر الكافي من الهواء المنعش بعيدًا عن ضغط عائلتها، فتسلل إليها صرير الباب الصغير الموصود، فتحت عينيها فتبدلت معالمها المسالمة للغض\ب، فور رؤية مؤمن يقتحم عزلتها الآمنة، استكمل طريقه للداخل حتى اقترب من السلم الخشبي فأوقفته عن تسلقه حينما قالت بتشددٍ:
_أنا مش فايقة أتخانق معاك يا مؤمن انزل تحت بكرامتك أحسن.
تجاهل نصحيتها المط*عنة بتهديد صريح، تسلق مؤمن الدرج حتى أصبح جوارها فوق سقف الغرفة، فأخرج بعضًا من التسالي من جيب بنطاله، ثم قدمها اليها وهو يردد بسخريةٍ:
_سر*قتهم من صينية المرحوم قبل ما ادخلهاله.
منحته نظرة مغتاظة، فأشار لها بتناوله، سحبت من يده الممدودة بعضًا منهم، ثم تناولتهم على مضضٍ، والقت القشور بعشوائيةٍ وكأنها تبث انتقامها من البشرية بأكملها بها، راقبها مؤمن بحذرٍ، وهو يحاول البوح عما صعد لأجله، فمزقت هي رداء الصمت العالق بينهما حينما تساءل بريبةٍ:
_هو اللي أنا طالباه كتير، يعني هو لو هيعملي فرح كبير وشبكة مش هيدخل في نفس المبلغ!
ارتسمت بسمته الخبيثة على شفتيه وقد دنى من هدفه دون مجهود منه، فقال:
_ناس أغبية مبيعرفوش يفكروا صح.
ضيقت عينيها بنظرة تحاول كشف ما يحاول مشاكسها فعله هنا، ظنت بأنها سيتخذ جولة صراعهما بصدرٍ رحب، ولكنها وجدته يستمع لها بهدوءٍ على غير عادته، فقالت بذهولٍ:
_هو في أيه؟ جاي ورايا وجايبلي لب وقاعد تسمعني من غير تريقة أنت بتحطط لأيه يا مؤمن!
القى ما بفمه، ثم وضع كيس التسالي البلاستيكي عن يده وقال وهو يتطلع نحوها مباشرة:
_بصراحه لما قعدت مع نفسي وفكرت لقيت الجواز ده فكرة بشعة أوي، اني اروح اخطب بنت غريبة عني وأجتهد في سنة الخطوبة اني أعرفها، وأنا واثق انها فلتر وحقيقتها هعرفها بمعاشرتي ليها بعد الجواز، بالظبط زي البطيخة يا هتطلع حمرا يا قرعة وده اللي متفائل بيه!
انفرج فمها بدهشةٍ لما تستمع اليه، فاستطرد بمنطقيته الباحتة:
_الموضوع صعب ومعتقدش اني جاهز ليه، عشان كده لما فكرت مع نفسي لقيتك الانسب ليا، على الاقل احنا عرفين بعض كويس وعارفين عيوبنا اللي هنحاول نعلاجها بإذن واحد أحد..
وان كان على المشاكل اللي بتحصل بين أي زوجين فنعتبر نفسنا اتدربنا كفايا طول السنين اللي فاتت دي، ثم انك مش هتلاقي حد يستحملك غيري!
جحظت عينيها صدمة، فاتكأت بمعصمها حتى استقامت بوقفتها، وصاحت بعثبية غير عابئة بوقوفها بمكانٍ خطير هكذا:
_أنت بتهزر.. أنا اتجوزك أنت!
جذب معصمها ليجبرها على الجلوس لجواره مجددًا وهو يردد ببسمة ثقة:
_عندي اللي يخليكي توفقي، يبقى ترسي كده وتسمعيني للاخر.
رفضت الانصياع اليه، واردفت وهي تشيح بوجهها عنه:
_اسمع أيه أنت شكلك اتجننت!
كادت بالاتجه للدرج الخشبي فمنعها مؤمن وهو يسرع بقول ما قد يجعلها لجواره مجددًا:
_هسفرك أمريكا وشهر مش أسبوع.
استكانت حركتها بصدمة تفوق التي تخوضها منذ بداية حديثه، فابتلعت ريقها القاحل بصعوبة وهي تجبر لسانها على تريد:
_أنت بتتكلم جد!
هز رأسه وهو يقذ،،ف حبات التسالي لفمه الذي التقطها ببراعةٍ، فتساءلت بعدم استيعاب:
_ازاي؟<!–nextpage–>
اجابها بشرحٍ مبسط لسؤالها:
_لما أقول لجدي اني خلاص هستقر هيكس\ر الوديعة وهيديني فلوس بابا، ساعتها هاخدك ونسافر بعد الفرح.
صمتت لبرهةٍ تفكر في عرضه المغري، فعمها بعد م\وت زوجته واصابته بالمرض اللعين خشى على ابنه الصغير، فقام ببيع الأرض الزرعية التي يمتلكها واودعها بالبنك إليه، هي تعلم بأنه يمتلك حسابًا ضخمًا قد يوفر لها احتياجها لرحلتها المجنونة، بللت شفتيها الجافة بلعابها قبل أن تخبره:
_ بس تعملي الجواز وتحجز الرحلة قبل كتب الكتاب.. أنت مش مضمون.
زوى حاجبيه تعجبًا لصراحتها الدقيقة، فابتلع ما قالته دون أن يسحبها لجدالهما المعتاد حينما قال بإيجازٍ:
_موافق!
******
بالأسفل.
كان الجد يرتشف كوب الشاي الساخن جوار ابنه وحفيده، حتى زوجة ابنه كانت تجلس ليمينه، إلى أن تفاجئ الجميع بمن تدفع باب الشقة ومن خلفها مؤمن الذي ردد بثقةٍ وهو يعدل من قميصه:
_هيبقى في فرح وفرحة وكل حاجة بس أنا العريس.
جحظت الأعين بصدمة، أخر المتوقع اليهم ارتباط القط بخنقه، لم يعهد اليهم مرة واحدة تخيلهما معًا، الجميع يعلم يكرههما الشديد لبعضهما، وإن اجتمعوا معًا بجلسة عائلية تشب بينهما الخلافات التي ينجح يونس دومًا بفضها، تحرر الجد عن تمثال جموده، حينما ردد:
_عايز تتجوز قبل اخوك الكبير!
اتجهت عين مؤمن اليه وقال بضحكة تكاد تصل للأذن:
_عندك اعتراض يا يونس؟
نهض يونس عن مقعده وهو يردد بصدمة:
_اعترضي على العروسة نفسها، أنا كنت بحارب افصلكم عن بعض عشان ارتاح كده انا اللي هعاني لاخر حياتي!
……….. يتبع…………الفصل الثالث…
(عش الزوجية!..)
زفاف لم يكن مميزًا كالأساطير التي تقصها اغلب الروايات، كان بسيطًا غير متقن بالمميزات التي يسبق ذكرها على ألسنة الناس لأعوامٍ، تطرف على نصية الشارع الشعبي، تألقت به مسك بفستانها الأبيض الرقيق، ولم ترغب بارتداء فستانًا ضخمًا يعيقها عن الحركة، موعد الزفاف كان مفاجأة للمدعوين على الحفل، لم يصدق أحدٌ بأن تلك الزيجة ستتم يومًا، فاستغرق الاستعداد للزفاف ثلاثة أشهر، حرصت بهم مسك بتحضير أوراق جواز سفرها التي تنشئه لأول مرة، فلم يعنيها ما تحضره والدته من مستلزم\ات عش الزوجية، أكثر من ارضاء شغفها بالسفر لدولة أحلام طفولتها، وخلال رحلة بحثها على السوشيل ميديا توصلت لرحلة تقوم بها احدى الشركات لامريكا
بمجموعة محددة تذهب في رحلة للتخييم، مدتها اثنا عشرة يومًا، فحجز مؤمن لهما على متنها، وها هي الآن تزف لشقتها القابعة بالطابق منزل الحاج “فتح الله”، خلعت مسك حذائها والقته أرضًا بقوةٍ جعلت من يقف خلفها ينتفض بوقفته، فصاح بضيقٍ:<!–nextpage–>
_خضتيني.. انتي بتحاربي!
حملت فستانها ثم ولجت للداخل تاركته مازال يقف بالخارج ويتأمل تأففها بدهشةٍ دفعته للدخول خلفها، فسألها بذهولٍ:
_مالك شايلة طاجن جدك فتح الله ليه؟
جلست على الأريكة بانهاكٍ تام، وقالت:
_أيه كل الفقرات دي، مكنش ناقص غير يعملوا فقرة الساحر!
عدل من جرفاته وهو يجيبها بغرورٍ:
_وبجيبوا ساحر ليه وأنا موجود.
وجلس لجوارها ونظراته تشملها بنظرة خطيرة، جعلتها تتراجع للخلف وهي تردد بخوفٍ:
_في أيه يا مؤمن مالك؟
تساءل باستغراب وهو يكاد يسقط فوقها:
_مالي أيه النهاردة فرحنا!
حللت مقصده بمنطقية لم تعترف بها مسبقًا:
_هو انا كنت فاقدة الذاكرة وانت بتساعدني تراجعلي، ما أنا عارفة ان النهاردة كانت خرجتي من الدنيا.
جذب يدها ليضعها على صدره وغمز لها برغبة صريحة كادت بالتفجج من حدقتيه:
_هناك مشاعر وعواطف تض/رب هذا القلب البائس، وما عليكِ سوى الصعود على متن الطائرة لنصعد معًا للفضاء.
سحبت يدها عنه، ودفعته للخلف وهي تصيح بعصبيةٍ:
_مؤمن اتهد في ليلتك دي واعقل، عشان اللي بتفكر فيه ده عمره ما هيحصل يا حبيبي… وإن.. إن يعني حصل مش هيكون غير في أمريكا.
برقت عينيه صدمةٍ لما يستمع اليه، فردد باستنكارٍ:
_نعم.. يعني أحنا هنفضل اخوات كده لحد ما نسافر! يعني هفضل كده عشر أيام!
بدون مبالاة قالت:
_وماله ما إحنا طول عمرنا اخوات مفهاش حاجة لما تستحمل عشر ايام.
رمش بعينيه وهو يردد بعدم استيعاب:
_هو انتي متخيلة اني هضحك عليكي ومش هوديكي عشان كده بتأمني نفسك!
حملت فستانها ونهضت عن الاريكة وهي تجيبه ببسمة واسعة تخالف ظنونه بنفيها هذا الظن المبطن:
_بالظبط.. اختارلك بقا اوضة وانصرف عشان بنام بدري!
اشتعلت جمرات الغض\ب داخله، فالقى المزهرية المجاورة له وهو يصيح بصوتٍ تسلل صداه للمنزل بأكمله:
_ده انتي ليلتك شبه رغيف العيش المدعم! بقى أنا يتشك فيا وفي وعودي يا بايرة، ده انا اللي نجدتك من فتح الله يا بت وزينتلك حلمك التعيس!
وزعت نظراتها بينه وبين المزهرية الشبيهة لتلك التي قام بكس\رها من قبل، حاولت التحكم بغض\بها كونها أول ليلة تجمعهما معًا، ولكن محاولتها باتت بالفشل بعد التقاطتها لأكثر من نفسٍ متقط/ع بصوت مختنق جعل الاخير يردد في خوفٍ:
_هتتحولي ولا أيه؟
انسحبت من أمامه بهدوءٍ كان للاخير مرعبًا، وعادت بعد قليل تحمل زجاجات العطر الخاصة به، فرفع يده يحظرها بنبرة رجاء:
_مسك إوعي، انتي متعرفيش الواحدة من دي بكام وآ…
ابتلع باقي جملته حينما كس\رت أول زجاجة برفيوم، ولم تكتفي بها بل اكملت ببسمة حملت راحة واستمتاع لرؤية وجهه الشاحب القريب من فقدان الوعي!
*******
بالأسفل..
جلس على فراشه أمام حاسوبه الخاص، بعدما انعش جسده بحمامٍ دافئ بعد انتهاء ضجة الفرح التي أرهقته أكثر من الحضور، كونه الأخ الوحيد للعروس، والصديق الوحيد لابن عمه، ارتشف يونس من قهوته السادة وهو يتابع حساباته الخاصة بالبنك لانشغاله طيلة الفترة الماضية، شعر بسعادة تغمر قلبه أنه وأخيرًا سيغفو براحة بعيدًا عن مشاكسات مسك ومؤمن، علهما الآن يفضون وقتًا رومانسي لا يحتاجان به لمن يفض النزاع بينهما، بهتت معالم يونس تدريجيًا حينما تسلل اليه صوت اصطدام قوي يأتي من الأعلى، ومن بعدها عدد مرات لا تحصى من اصوات زجاج يكاد يسقط سقف غرفته فوق رأسه، ومع زعزع بدنه أصوات الصراخ المرتفع،
وفجأة وجد باب غرفته يفتح ووالدته تهرول اليه بقلقٍ:
_يونس الحق يا ابني اطلع شوف أيه اللي بيحصل فوق!!
وض/ربت كف بالاخر وهي تستطرد برعب:
_يا ترى عمل أيه معاها الغشيم ده! أنا عارفة ابن عمك
نهض عن فراشه وارتدى ملابسه وهو يجيبها على مضضٍ:
_ومسك اللي ملاك بجناحين.. مش بعيد اطلع القيها هي اللي مخلصة عليه.
أغلق سحاب جاكيته وهو يهمس بسخطٍ:
_هطلع اخبط عليهم ازاي في وقت زي ده بس!!
فتح باب الشقة وكان بطريقه للاعلى، فاستمع صوت جده المنادي من اسفل الدرج، هبط اليه يونس وهو يتساءل بريبة:
_نعم يا جدو.
أشار له وهو يستند على عكازه:
_اطلع شوف المهزلة اللي فوق دي حالا قبل ما الناس تتفرج علينا.. وانزلي عايزك.
هز رأسه وهو يكمل طريقه للاعلى بضجرٍ، دق يونس جرس الباب أكثر من مرة حتى فتح مؤمن الباب، صعق يونس حينما رأى ثيابه مطوية بإهمالٍ، شعره منهدم بعشوائية وكأنه كان بملحمة تاريخية، أما وجهه كان يحمل مخطوطة من الاظافر، تعلق به مؤمن وهو يردد ببسمة واسعة لا تتناسب مع حالته الجسمانية الغير مبشرة بسلامته بالمرة:
_أبو نسب.. اهلا بيك يا حبيبي.
ودفعه للخارج وهو يرجوه بذعر:
_انزل هات المأذون وتعالى بسرعة… اختك جوه استلمها بكرتونتها وعهد الله مجيت جنبها.. خد اختك وسيبولي اللي اتبقى من الشقة حق المصاريف اللي صرفتها على الجوازة المنيلة بنيلة دي.
دفعه يونس للداخل، ثم أغلق الباب من خلفه، وصاح بغض\بٍ:
_اهدى كده وفوق الجيران حولينا لما يسمعوا الصريخ ده كله هيقولوا علينا ايه! والمصيبة انك انت اللي بتصرخ يا رجولة!
أشار له ليستدير وهو يخبره:
_طب بص كده وشوف بنفسك.
وبالفعل التفت يونس للخلف، فصدم حينما وجد شقيقته تحمل نوع فاخر من السكاكين (سطور)، وباليد الأخرى يد المكنسة وما أن ولج يونس للداخل حتى اخفتهما خلفها ورسمت ابتسامة ترحيب، أشار لها بدهشةٍ:
_ايه اللي انتي عملاه في الراجل ده!
القت الاسلحة النووية من يدها وهي تشكو له:
_الانسان ده مهزء كس\رلي ڤازة تانية من اللي انا جيبها ويستاهل قط/ع رقبته.. ولو زاد فيها هنعيد احداث المرأة والسطور من تاني عشان يلم نفسه من أولها كده.
تمرد بصراخه العاصف:
_مسك احترمي اخلاقك بدل ما وربي أنا اللي هربيكي، انتوا مش هنا لوحدكم الجيران حوالينا وجدك لو طلع هنا هيبهدلكم انتوا الاتنين.
ردت عليه قائلة:
_يبقى يخليه في حاله ويعدي ليلته على خير بدل ما يطلع منها على القبر.
اتجهت نظرات يونس لمؤمن الذي تعلق بذراعه مرددًا بتوسلٍ:
_خدني معاك متسبنيش مع أختك في شقة واحدة يا يونس دي متوحشة وممكن ت/ني!
دفعه بعيدًا عنه وهو يصيح بانفعال شرس:
_هو انا سايب ابن اختي عند امنا الغولة، فتنشف كده يا عم فلقتني… امال عملي فيها باتمان ومتسربع على الجواز ليه اما انت ملكش فيه..
اتكن في جنب لاخلص عليك أنا.. سبني انزل لجدك اشوف في ايه تاني مانا حلال مصايب العيلة.
هز رأسه باقتناعٍ، فمنحهما يونس نظرة اخيرة قبل أن يرحل وهو لا يستوعب ماذا يحدث بينهما!
*******
هبط يونس للأسفل، فوجد الجد فتح الله بانتظاره، جلس جواره وهو يسأله باحترامٍ:
_خير يا جدو!
استند الجد على عصاه وهو يبادله بسؤالٍ أخر:
_حليت الموضوع؟
هز رأسه بتأكيدٍ، وهو يضيف بتريثٍ:
_كلها حلول مؤقته… كنت فاكر انهم هيعقلوا بعض الجواز!
رد عليه الجد بعد صمت زرع القلق في نفس يونس:
_مش هيحصل..
والخوف الأكبر تصميمهم على السفر لامريكا.<!–nextpage–>
أجابه يونس بمزحٍ يلطف الاجواء:
_هي/وا بعض هناك.
انجرف الجد عن مساره المطروح، وقال بجدية تامة:
_أنا قررت انك تروح معاهم.
اتسعت حدقتيه بدهشةٍ:
_أنا! ازاي ده انا ورايا شغلي مستحيل المدير هيقبل بكده، وبعدين انا ازاي هطلع معاهم شهر العسل!
طرق الجد بعصاه وهو يؤكد على عدم ترجعه بقراره:
_اللي عندي قولته يا يونس، قدام عنينا وبيحصل كل ده الله اعلم بغيابنا وببلد غريبة زي دي هيعملوا ايه، رجلك على رجل اختك.
يعلم جيدًا عناد الجد، فإن ظل العمر بأكمله يحاول اقناعه بشيءٍ لن يفعل الا ما يجده صائبًا، فرضخ اليه:
_حاضر.
وجه اليه اخر تحذير:
_عايزك تروح فاضي وترجع زي ما روحت، أصل رفضك للارتباط ولاكتر من عروسة ده مقلقني منك، عينك لو زاغت على بنات بره هتزعل يا يونس.. بنات بلدك مقصروش في حاجة.
ضحك يونس بصوت مسموع جعل الجد يشاركه الضحك، وهو يردد بصعوبة بالحديث:
_والله ما خايف الا منك!
…………. يتبع………..الفصل الثالث…
(عش الزوجية!..)
زفاف لم يكن مميزًا كالأساطير التي تقصها اغلب الروايات، كان بسيطًا غير متقن بالمميزات التي يسبق ذكرها على ألسنة الناس لأعوامٍ، تطرف على نصية الشارع الشعبي، تألقت به مسك بفستانها الأبيض الرقيق، ولم ترغب بارتداء فستانًا ضخمًا يعيقها عن الحركة، موعد الزفاف كان مفاجأة للمدعوين على الحفل، لم يصدق أحدٌ بأن تلك الزيجة ستتم يومًا، فاستغرق الاستعداد للزفاف ثلاثة أشهر، حرصت بهم مسك بتحضير أوراق جواز سفرها التي تنشئه لأول مرة، فلم يعنيها ما تحضره والدته من مستلزم\ات عش الزوجية، أكثر من ارضاء شغفها بالسفر لدولة أحلام طفولتها، وخلال رحلة بحثها على السوشيل ميديا توصلت لرحلة تقوم بها احدى الشركات لامريكا
بمجموعة محددة تذهب في رحلة للتخييم، مدتها اثنا عشرة يومًا، فحجز مؤمن لهما على متنها، وها هي الآن تزف لشقتها القابعة بالطابق منزل الحاج “فتح الله”، خلعت مسك حذائها والقته أرضًا بقوةٍ جعلت من يقف خلفها ينتفض بوقفته، فصاح بضيقٍ:
_خضتيني.. انتي بتحاربي!
حملت فستانها ثم ولجت للداخل تاركته مازال يقف بالخارج ويتأمل تأففها بدهشةٍ دفعته للدخول خلفها، فسألها بذهولٍ:
_مالك شايلة طاجن جدك فتح الله ليه؟
جلست على الأريكة بانهاكٍ تام، وقالت:
_أيه كل الفقرات دي، مكنش ناقص غير يعملوا فقرة الساحر!
عدل من جرفاته وهو يجيبها بغرورٍ:
_وبجيبوا ساحر ليه وأنا موجود.
وجلس لجوارها ونظراته تشملها بنظرة خطيرة، جعلتها تتراجع للخلف وهي تردد بخوفٍ:
_في أيه يا مؤمن مالك؟
تساءل باستغراب وهو يكاد يسقط فوقها:
_مالي أيه النهاردة فرحنا!
حللت مقصده بمنطقية لم تعترف بها مسبقًا:
_هو انا كنت فاقدة الذاكرة وانت بتساعدني تراجعلي، ما أنا عارفة ان النهاردة كانت خرجتي من الدنيا.
جذب يدها ليضعها على صدره وغمز لها برغبة صريحة كادت بالتفجج من حدقتيه:
_هناك مشاعر وعواطف تض/رب هذا القلب البائس، وما عليكِ سوى الصعود على متن الطائرة لنصعد معًا للفضاء.
سحبت يدها عنه، ودفعته للخلف وهي تصيح بعصبيةٍ:
_مؤمن اتهد في ليلتك دي واعقل، عشان اللي بتفكر فيه ده عمره ما هيحصل يا حبيبي… وإن.. إن يعني حصل مش هيكون غير في أمريكا.
برقت عينيه صدمةٍ لما يستمع اليه، فردد باستنكارٍ:
_نعم.. يعني أحنا هنفضل اخوات كده لحد ما نسافر! يعني هفضل كده عشر أيام!
بدون مبالاة قالت:
_وماله ما إحنا طول عمرنا اخوات مفهاش حاجة لما تستحمل عشر ايام.
رمش بعينيه وهو يردد بعدم استيعاب:
_هو انتي متخيلة اني هضحك عليكي ومش هوديكي عشان كده بتأمني نفسك!
حملت فستانها ونهضت عن الاريكة وهي تجيبه ببسمة واسعة تخالف ظنونه بنفيها هذا الظن المبطن:
_بالظبط.. اختارلك بقا اوضة وانصرف عشان بنام بدري!
اشتعلت جمرات الغض\ب داخله، فالقى المزهرية المجاورة له وهو يصيح بصوتٍ تسلل صداه للمنزل بأكمله:
_ده انتي ليلتك شبه رغيف العيش المدعم! بقى أنا يتشك فيا وفي وعودي يا بايرة، ده انا اللي نجدتك من فتح الله يا بت وزينتلك حلمك التعيس!
وزعت نظراتها بينه وبين المزهرية الشبيهة لتلك التي قام بكس\رها من قبل، حاولت التحكم بغض\بها كونها أول ليلة تجمعهما معًا، ولكن محاولتها باتت بالفشل بعد التقاطتها لأكثر من نفسٍ متقط/ع بصوت مختنق جعل الاخير يردد في خوفٍ:
_هتتحولي ولا أيه؟
انسحبت من أمامه بهدوءٍ كان للاخير مرعبًا، وعادت بعد قليل تحمل زجاجات العطر الخاصة به، فرفع يده يحظرها بنبرة رجاء:
_مسك إوعي، انتي متعرفيش الواحدة من دي بكام وآ…
ابتلع باقي جملته حينما كس\رت أول زجاجة برفيوم، ولم تكتفي بها بل اكملت ببسمة حملت راحة واستمتاع لرؤية وجهه الشاحب القريب من فقدان الوعي!
*******
بالأسفل..
جلس على فراشه أمام حاسوبه الخاص، بعدما انعش جسده بحمامٍ دافئ بعد انتهاء ضجة الفرح التي أرهقته أكثر من الحضور، كونه الأخ الوحيد للعروس، والصديق الوحيد لابن عمه، ارتشف يونس من قهوته السادة وهو يتابع حساباته الخاصة بالبنك لانشغاله طيلة الفترة الماضية، شعر بسعادة تغمر قلبه أنه وأخيرًا سيغفو براحة بعيدًا عن مشاكسات مسك ومؤمن، علهما الآن يفضون وقتًا رومانسي لا يحتاجان به لمن يفض النزاع بينهما، بهتت معالم يونس تدريجيًا حينما تسلل اليه صوت اصطدام قوي يأتي من الأعلى، ومن بعدها عدد مرات لا تحصى من اصوات زجاج يكاد يسقط سقف غرفته فوق رأسه، ومع زعزع بدنه أصوات الصراخ المرتفع،
وفجأة وجد باب غرفته يفتح ووالدته تهرول اليه بقلقٍ:
_يونس الحق يا ابني اطلع شوف أيه اللي بيحصل فوق!!
وض/ربت كف بالاخر وهي تستطرد برعب:
_يا ترى عمل أيه معاها الغشيم ده! أنا عارفة ابن عمك
نهض عن فراشه وارتدى ملابسه وهو يجيبها على مضضٍ:
_ومسك اللي ملاك بجناحين.. مش بعيد اطلع القيها هي اللي مخلصة عليه.
أغلق سحاب جاكيته وهو يهمس بسخطٍ:
_هطلع اخبط عليهم ازاي في وقت زي ده بس!!
فتح باب الشقة وكان بطريقه للاعلى، فاستمع صوت جده المنادي من اسفل الدرج، هبط اليه يونس وهو يتساءل بريبة:
_نعم يا جدو.<!–nextpage–>
أشار له وهو يستند على عكازه:
_اطلع شوف المهزلة اللي فوق دي حالا قبل ما الناس تتفرج علينا.. وانزلي عايزك.
هز رأسه وهو يكمل طريقه للاعلى بضجرٍ، دق يونس جرس الباب أكثر من مرة حتى فتح مؤمن الباب، صعق يونس حينما رأى ثيابه مطوية بإهمالٍ، شعره منهدم بعشوائية وكأنه كان بملحمة تاريخية، أما وجهه كان يحمل مخطوطة من الاظافر، تعلق به مؤمن وهو يردد ببسمة واسعة لا تتناسب مع حالته الجسمانية الغير مبشرة بسلامته بالمرة:
_أبو نسب.. اهلا بيك يا حبيبي.
ودفعه للخارج وهو يرجوه بذعر:
_انزل هات المأذون وتعالى بسرعة… اختك جوه استلمها بكرتونتها وعهد الله مجيت جنبها.. خد اختك وسيبولي اللي اتبقى من الشقة حق المصاريف اللي صرفتها على الجوازة المنيلة بنيلة دي.
دفعه يونس للداخل، ثم أغلق الباب من خلفه، وصاح بغض\بٍ:
_اهدى كده وفوق الجيران حولينا لما يسمعوا الصريخ ده كله هيقولوا علينا ايه! والمصيبة انك انت اللي بتصرخ يا رجولة!
أشار له ليستدير وهو يخبره:
_طب بص كده وشوف بنفسك.
وبالفعل التفت يونس للخلف، فصدم حينما وجد شقيقته تحمل نوع فاخر من السكاكين (سطور)، وباليد الأخرى يد المكنسة وما أن ولج يونس للداخل حتى اخفتهما خلفها ورسمت ابتسامة ترحيب، أشار لها بدهشةٍ:
_ايه اللي انتي عملاه في الراجل ده!
القت الاسلحة النووية من يدها وهي تشكو له:
_الانسان ده مهزء كس\رلي ڤازة تانية من اللي انا جيبها ويستاهل قط/ع رقبته.. ولو زاد فيها هنعيد احداث المرأة والسطور من تاني عشان يلم نفسه من أولها كده.
تمرد بصراخه العاصف:
_مسك احترمي اخلاقك بدل ما وربي أنا اللي هربيكي، انتوا مش هنا لوحدكم الجيران حوالينا وجدك لو طلع هنا هيبهدلكم انتوا الاتنين.
ردت عليه قائلة: