روايات

رواية بقلم ايه محمد

_يبقى يخليه في حاله ويعدي ليلته على خير بدل ما يطلع منها على القبر.
اتجهت نظرات يونس لمؤمن الذي تعلق بذراعه مرددًا بتوسلٍ:
_خدني معاك متسبنيش مع أختك في شقة واحدة يا يونس دي متوحشة وممكن ت/ني!
دفعه بعيدًا عنه وهو يصيح بانفعال شرس:
_هو انا سايب ابن اختي عند امنا الغولة، فتنشف كده يا عم فلقتني… امال عملي فيها باتمان ومتسربع على الجواز ليه اما انت ملكش فيه.. اتكن في جنب لاخلص عليك أنا.. سبني انزل لجدك اشوف في ايه تاني مانا حلال مصايب العيلة.

هز رأسه باقتناعٍ، فمنحهما يونس نظرة اخيرة قبل أن يرحل وهو لا يستوعب ماذا يحدث بينهما!
*******
هبط يونس للأسفل، فوجد الجد فتح الله بانتظاره، جلس جواره وهو يسأله باحترامٍ:
_خير يا جدو!
استند الجد على عصاه وهو يبادله بسؤالٍ أخر:
_حليت الموضوع؟
هز رأسه بتأكيدٍ، وهو يضيف بتريثٍ:
_كلها حلول مؤقته… كنت فاكر انهم هيعقلوا بعض الجواز!
رد عليه الجد بعد صمت زرع القلق في نفس يونس:
_مش هيحصل.. والخوف الأكبر تصميمهم على السفر لامريكا.
أجابه يونس بمزحٍ يلطف الاجواء:
_هي/وا بعض هناك.

انجرف الجد عن مساره المطروح، وقال بجدية تامة:
_أنا قررت انك تروح معاهم.
اتسعت حدقتيه بدهشةٍ:
_أنا! ازاي ده انا ورايا شغلي مستحيل المدير هيقبل بكده، وبعدين انا ازاي هطلع معاهم شهر العسل!
طرق الجد بعصاه وهو يؤكد على عدم ترجعه بقراره:
_اللي عندي قولته يا يونس، قدام عنينا وبيحصل كل ده الله اعلم بغيابنا وببلد غريبة زي دي هيعملوا ايه، رجلك على رجل اختك.
يعلم جيدًا عناد الجد، فإن ظل العمر بأكمله يحاول اقناعه بشيءٍ لن يفعل الا ما يجده صائبًا، فرضخ اليه:
_حاضر.
وجه اليه اخر تحذير:

_عايزك تروح فاضي وترجع زي ما روحت، أصل رفضك للارتباط ولاكتر من عروسة ده مقلقني منك، عينك لو زاغت على بنات بره هتزعل يا يونس.. بنات بلدك مقصروش في حاجة.
ضحك يونس بصوت مسموع جعل الجد يشاركه الضحك، وهو يردد بصعوبة بالحديث:
_والله ما خايف الا منك!<!–nextpage–>
…………. يتبع………..الفصل الرابع..

(حلم أميركا!…)
دبت قدميها بمدينة الأحلام،التي قضت أعوام طفولتها ترعى حلمها الثمين بزيارة أكثر الدول إثا*رة إليها، وضعت ألف حُلم وترقبت تحقيقه كل عامٍ، وحينما كانت تفشل تنتظر العام الذي يليه على أمل حدوث معجزة لا تشبه حياتها المختصرة بشيءٍ، لذا وضعته شرطًا لمن يريد الزواج بها، عساها تحطم استحالة تحققه، والآن يتحقق أمام عينيها، بعدما توقفت الطائرة بالمطار الدولي اتجهت مسك بصحبة مؤمن ويونس للحافلة الضخمة التي تحمل شعار الشركة المسؤولة عن الرحلة السياحية، تحركت الحافلة لساعاتٍ طويلة حتى وصلت لوجهتها “غابة اليونكوي الوطنية” ، والتي تبلغ مساحتها حوالى 117 كيلومترا مربعًا، وهي واحدة من أصغر الغابات المطيرة في

الأراضي الأميركية، لكنها تفوق حجمها في التنوع البيولوجي، تعد غابة اليونكوي موطنًا لـ225 نوعًا من الأشجار المحلية – 23 منها لا توجد في أي مكان آخر في العالم – و164 نوعا من الفقاريات الموثقة، مثل الببغاء البورتوريكي المهدد بالانقراض، كانت تلك هي أول محطة لرحلتهم السياحية، قام مسؤول الرحلة من مقعده الامامي، واستدار تجاه الركاب ليخبرهم بعمليةٍ:
_سنخيم هنا الليلة وغدًا ستبدأ رحلتنا باستكشاف الغابة.
انصاع اليه السياح، وبدأوا بالهبوط تباعًا للأسفل، تركت مسك زوجها وأخيها يحملون الامتعة ثم ركضت للاسفل تطلع الغابة من حولها بانبهارٍ وحماس لخوض تلك الرحلة، هبط مؤمن أولًا، فالقى الحقائب أرضًا وهو يردد باستياءٍ:

_نقلة الدولاب كله بالشنطة!
لحقه يونس وهو يحمل حقيبة ظهره السوداء، فوقف يتأمل المكان من حوله بانبهارٍ، لم تكن فكرة جده سيئة بالمرةٍ، عساه بحاجة لجوٍ مماثل يبدد ملل حياته الروتينية، اتجه خلف الفوج الكامل، فقاموا بنصب الخيم جوار بعضهم البعض، كاد مؤمن بنصب خيمته، فأوقفه يونس وهو يشير اليه بتقزز:
_بتعمل أيه مينفعش نقعد هنا.
رفع رأسه اليه وهو يتساءل بدهشة:
_ليه؟

اشار يونس على الفاحشة التي تحيط بهم من جميع الاتجاهات، فأغلب من يشاركهم الرحلة شباب متحررين من أنحاء العالم، الفتيات ترتدي ملابس تكاد لا تستر العورة، متحررات بدرجة جعلته يشعر بأنه على وشك أن يتقيأ محله، والأبشع من ذلك العلاقات المنفرة التي يمارسونها علنًا دون خشية منهم أو حرجًا، الزنا والفحشاء تجمع جلستهم، حتى نسائهم كانوا يتشاركونهم فيما بينهم، حمل يونس أدوات التخيم والحقائب وأشار لمسك ومؤمن بغض\بٍ:
_مستحيل نفضل هنا.. هنبعد شوية ونعمل الخيم هناك.

لم يناقشه مؤمن بقراره لشعوره بنفورٍ يفوقه، وخوفًا على زوجته مما يحدث هنا، فحمل ما تبقى من الأغراض ولحق بهما، ابتعدوا مسافة كبيرة عن الفوج، وبدأ يونس ومؤمن بتأسيس الخيام، فصنع مؤمن خيمة له ولزوجته وابتعد يونس عنهم بمسافة قليلة وصنع لنفسه خيمة مماثلة، تأويهم من الثليج المتنشر بالغابة في ساعات الليل المتأخر.

******
هربت الشمس مسرعة من عتمة الليل الكحيل التي أصابت السماء فجعلتها تغدف عن صفائها، فاجتمع الفوج بأكمله خارج الخِيَم يتشاركون حفل ملعون بالمحرم\ات والنبذ، لذا كان من المنطقي اشمئزاز يونس ومؤمن من أفعالهم، لذا فضلوا البقاء بعيدًا عن مجلسهم، لا يجتمعون بهم الا وقت التحرك من مكان لأخر، وما أن تأخر الوقت حتى ولج كلا منهما خيمته، تأكد مؤمن من انغلاق الخيمة جيدًا عليهما، ففرك يديه ببعضهما وهو يسرع تجاه الفراش الصغير حيث توجد زوجته التي تراقبه بنصف عين، جلس جوارها وهو يناديها بمكرٍ:

_أظن مفيش أحلى كده أجواء تحني فيها على الغلبان المس*كين اللي استحملك طول الشهر اللي فات لحد ما جينا أميركا زي ما أنتي عايزة!
ابتلعت ريقها بارتباكٍ من طريقته الغير مبشرة بالمرة، فرفعت الغطاء تخفي به جسدها وهي تردد بغض\بٍ:
_عايز أيه يا مؤمن، اطلع نام في خيمة يونس بادبك والا هصوت وألم عليك الاجانب.
رفع أحد حاجبيه بسخطٍ:
_الاجانب مقضينها برة وأنتي هتلميهم علينا وأنتي مراتي والله ما يحصل أنا قتيل!
تدحرجت لليسار وهي تشير اليه بعدم الاقتراب، فقال بضيقٍ:

_أعملك أيه تاااااني يا بت ما جبتك أمريكا أهو… نطلع أفغانستان عشان تحني يا عديمة المشاعر!
واسترسل بغض\ب وهو يشير لحجابها:
_ده أنتي حتى لحد الآن بتنامي بالطرحة قدامي شبه اللي عليكي تار وخايفة حد يعرفك
جذبت طرف حجابها جانبًا وهي توبخه بعناد:
_اتلم في ليلتك دي يا مؤمن وخليها تعدي بدل ما ادفنك هنا تحت الرمل!
ابتسامة واسعة تشكلت على وجهه وهو يغمز لها بنظرةٍ ظنها عاطفية:
_يا بت حني وسبيلي قلبك هاخده لعالم تاني.

كادت بدفعه ولكنه حاصرها بنظراته، شعرت مسك بمشاعرٍ غريبة تتحرك تجاهه، وخاصة حينما أحاط خديها بيده بحنانٍ، تمكن من ترويض شراستها التي كادت بالولوج لمعركةٍ مصرية بينهما، سمحت له بالاقتراب قليلًا، فشعرت بدفءٍ غريب يحاط بها، وكأنها تحلق في سماء فريدة من نوعها، وفجأة أصاب مؤمن دوار حاد، فارتد برأسه للخلف وهو يحاول التحكم بانفعالات وجهه، فازداد به ما يشعره بأنه على وشك القيء، فردد ساخرًا:
_أنا كنت عارف ان الجوازة دي سودة، انتي عملالي عمل صح، انا حاسس ان الدنيا بتلف بيا وهم\وت بذبحة صدرية وقتي!
جحظت عين مسك برهبةٍ، فتعلقت به وهي تشير اليه بفزعٍ:

_لا يا مؤمن انت مش بتودع اطمن… أنا كمان حاسة باللي انت حاسس بيه!!
احتدت الارض من أسفل قدميهما، فاهتزت من أسفلهما بقوة جعلته يتشبث بها وهو يصيح بصراخ:
_قدمك فقر حتى لما حاولت أقربلك بامريكا زلزل ض/ربها هي وسكانها!!
دفعته بعيدًا عنها وهي تردد بشراسة:
_وانت يعني اللي قدمك كاجو وسوداني، خلي الطابق مستور يابن منصور فتح الله.
تماسك جيدًا حتى لا يرتد للخلف، واجابها بتريث:
_ده وقته خناق، يلا نجري بسرعة قبل ما نم\وت هنا لا نلحق داخلة ولا خارجة.

وما أن اخفض قدميه عن فراشه حتى تصلب جسده حينما احاطته هالة عظيمة من الرمال المضيئة، رفع ذراعيه يتفحصهما بدهشة استحوذت عليه وهو يوزع نظراته على جسده بأكمله، فرسم بسمة باهتة لمن تتأمله بصدمة :
_ده عمل بأيه بس عشان ما أتفاجئش بعد كده.. ابقي مستعد؟
هزت رأسها يمينًا ويسارًا ببطءٍ، وبذلت مجهود مضاعف ليتحرك لسانها الناطق بهمس خافت:
_ماليش بالاعمال… مش أنا اللي عملالك!!
هز رأسه ببسمة يخفي خلفها رعب وعويل لا يتناسب مع رجولته:
_فعلًا.

أكدت له بإشارة صريحة من رأسها، ففغر فاهه حينما صدح صوتًا قوي من أسفل قدميه، وفجأة انزلقت قدميه بشيءٍ غامضًا سحبه للاسفل قليلًا، ارتعبت مسك مما يحدث أمام عينيها، تمسكت به في محاولة فاشلة لانقاذه، فأختل توازنها وسقطت من خلفه لتنتقل الهالة اليها أيضًا، فصرخت بجنون:
_يـونـــــــس!

******
يغفو بخيمته القريبة للغاية من خيمة أخته وزوجها الأبله، لا يعلم ماذا يضع على رأسه أكثر من حقيبته الثقيلة، ليمنع وصول صوتهما المزعج إليه، مازال البائس يبذل أقصى ما يمتلك ليجعلها تقبل به كزوج، حتى تناسى مشاركته له بنفس بقعة التخيم، تأفف يونس مما يحدث، وما يضيق به ارغمه بالسفر معهما وكأنهما أطفال لا تحرص التعامل مع الأخرون، ربما ظنها عزلة لائقة به ليبعد عن ازدحام الناس من حوله وليكن وحيدًا مثلما يرغب البقاء بمفرده على الدوام، ولكن أي راحة ستجد سبيلها اليه في وجود المزعج والمجنونة، حاول جاهدًا اغلاق عينيه للاستسلام لنومٍ قد يكون نجدته مما يستمع اليه

منذ بداية الرحلة المشتركة بينهما، فازداد الصراخ القادم من خيمة شقيقته ومازال يتغاضى عن سماعه لأي شيء، حتى وصل اليه صراخها باسمه، انتفض يونس من مرقده، فجذب قميصه يرتديه على عجلة، ثم ركض اليهما، فوقف خارج الخيمة بترددٍ، فتملكه الحرج من فكرة اقتحام مخضعهما الخاص، كاد بالعودة ولكنه توقف حينما ناداه مؤمن هو الاخر، فاقترب من مدخل الخيمة وهو يجيبهما:
_في أيـه؟
اتاه صوت مؤمن الذي بدى بعيدًا للغاية رغم قرب يونس من الخيمة:
_الحقنـا!

عند نطقه لتلك الكلمة، اقتحم يونس الخيمة فصعق مما رأه، الرمال من أسفل قدميه منيرة بلون بنفسجي وكأنها تحمل اسطورة لا تصدق الا بالأعين، شمل الغرفة بنظرو متفحصة باحثًا عن شقيقته وزوجها، لمح يونس يد مؤمن تغوص بالرمال وهو يحاول الصعود للاعلى، فهرع اليه في محاولة بائسة بالتمسك به، فاحاطته على الفور نفس الهالة المضيئة ثم اندفع جسده بالرمال لينزلق الى مكان يشبه المزلقة، ظل بها مطولًا وعقله لا يستوعب الى أين تتجه تلك المزلقة المدفونة بالأرض، شيء جنوني لا يستعبه العقل وخاصة حينما قذفته بعيدًا عن رحمها ليصفو جوار مؤمن ومسك بأخر مكان قد يستوعبه العقل البشري!
……….

يتبع…… &nbsp; &nbsp;
<p dir=”rtl”>الفصل الخامس.
(عرض مغري!!..)
مكان أشبه بالبلون بنفسج اللون، يملأه فقعات من الضوء أصفر خافت، ومن أعلاه صورة مصغرة للسماء بشكل أكثر جاذيبية، وما يتردد لعقلك كيف توجد سماء أسفل الأرض!
اتكأ يونس بمعصمه على البلور اللين حتى استقام بوقفته يتأمل المكان من حوله بذهولٍ، تاركًا لمؤمن مهمة مساعدة زوجته بالنهوض، فرددت مسك وهي تتأمل ما حولها بدهشةٍ:
_احنا فين؟!
التفت مؤمن حوله بهلعٍ، فابتلع ريقه وهو يجيبها:
_المفروض اننا تحت الأرض… بس اللي مش مفهوم أيه ده!

راقبوا المكان جيدًا، فاقترب يونس من الحائط الغير متساوي، فما أن طرق بيده عليه حتى فرقع البلون الذي يحوى اجسادهم، فانفجر محدثًا هالة من البلور تلاشت حجمها حتى بدت كعقلة الاصبع، ليبدو من أمامهم ما دب الرعب بالأوصال، وجدوا ذاتهم على طبقة ضخمة من شيء مجهول المصدر،شبيه بالطبق الذهبي، ومن حولهم عدد من الكائنات الغامضة، يرتدون ثيابًا من اللون البنفسج الممزوج بالأصفر والبرتقالي،شبيه بلبس البلياتشو، وفوق رؤؤسهم غلاف زجاجي يحجب الهواء عنهم، فصعب عليهم تحديد معالمهم عن بعدٍ، تمسكت مسك بمؤمن برعبٍ،فابتلع الاخير ريقه وهو يهمس ببسمة يظنها خدعتهم:
_انتوا الكاميرا الخفية صح!! ولا ده مقلب والمفروض اننا نخاف وكده!

اقتربت منهم احدى الكائنات، وعلى ما يبدو بأنه كبيرهم، ففور مروره احنوا رؤسهم، والغريب بأن قدميه لم تكن تمس الأرض، ثمة سحابة من اللون البنفسج كانت ترفعه عن الأرض ليصبح قبالتهم، تعلقت مسك بمؤمن وهي تهمس له برهبةٍ:
_احنا فين يا مؤمن.
منحها نظرة ساخطة اتبعها نبرتها الساخرة:
_في الجحيم… ادي أخرة اللي يمشي ورا الحريم.. مش كنتي عايزة تروحي أمريكا! يارب ميكنش في احلامك شيء تاني!

ارتخى اللوح الزجاجي عن وجهه، فجحظت الاعين وهم يراقبون ملامحه المختلفة كليًا عن البشر، انفه كان ينتهى بشكل دائري يبتلع نصف وجهه السفلي، وعينيه كانت قاتمة لا يملأها سوى اللون الأبيض، وما أن بدأ بالحديث حتى تركز اللون البنفسج في حدقتيه بشكلٍ ملحوظ، فقال بصوتٍ يتردد من خلفه برعبٍ:
_أهلًا بكم بقاعدة زحل الرئيسية، حيث نقدم لكم عرضًا لن يتكرر لكم مدى الحياة.
طرق مؤمن على كتف يونس الصامت ثم قال بشكٍ:

_ده شكله قائد الفوج المنيل ومتنكر فكره ان المصريين ناس جبانه ميعرفش اننا عندنا مناعة ضد أي شيء… دور على الكاميرا وابتسم وقول انهي اللعبة يا مان.
منحه يونس نظرة محتقنة، فعاد الرجل ليسترسل بصوته الجمهوري:
_الفرصة لن تتكرر مرة أخرى ، نحن نمن عليكم أيها البشر بزيارة كوكبنا، ولكن احظروا فإن لم تحققوا الشرط الاساسي سينالكم غض\ب يمزق أجسادكم إربًا.

خرجت الامور عن سياقها، وبدى الامر جديًا حينما تشكل الجميع حول كبيرهما المزعوم، وفتح باب جانبي وبرز من خلفه مكان يحاط به الاحجار من جميع الاتجاهات، يشبه لحلبة الملاكمة بشكلٍ كبيرٍ، اختار يونس الاستماع الى هذا الكائن الغريب فقال بثباتٍ قاتل:
_وما هو عرضك؟
ابتسم مقيت الوجه وهو يخبره بجمودٍ وصلابة:
_من ي/ حامينا سنسمح له برحلة آمنة إلى زحل هو وأفراد عائلته وإن غُلب سيلاقى حتفه بالحال ويخسر عرضنا السخي.
قاطعهما مؤمن قائلًا بسخرية:
_يا عم احنا لا عايزين نطلع زحل ولا المريخ خرجنا من هنا الله يكرمك وبطل هزارك السخيف ده!

تجاهله يونس وسأله بدهشةٍ:
_وما الذي يجعلني أصدق ما تخبرني به، نحن لا نعلم من انتم وما الذي تفعلونه هنا بالتحديد؟
دفعه مؤمن وهو يصيح به:
_انت لسه هتتناقش معاهم، لفيلك اي شومة دافع بيها عن نفسك بيقولك هيودينا زحل!!
تجاهل الرجل صخب مؤمن المزعج، وأجابه بصوته الخشن الذي يتردد من خلفه كمن يسكنه شبحًا:
_اهزم محاربنا وحينها سترى بعينك.
رد عليه بنظرةٍ كانت قاتمة ومخيفة:
_وماذا لو اعترضنا عن عرضك؟
ابتسامة مخيفة رسمت على وجهه، فكور يده لتتجمع من حوله هالة من نا*ر التهمت من حولها، فقال وهو يحرك يديه بتسليةٍ:

_من يعرض عن عرضنا سيواجه م\وتة سريعة رحيمة عما سيخوضه داخل حلبة زحل.
ربت يونس على مسك التي تختبئ به بخوفٍ، وقال بثباتٍ:
_كيف سترسلنا لزحل وأنت هنا عالق أسفل الأرض!
ضحك وشاركه من حوله، واجابه بسخرية:
_نحن من صنع طريقًا سريًا للعيش معاكم أيها البشر، هل تظن إنكم تعيشون على كوكب الأرض بمفردكم!
وأشار له على جانب مظلم من هذا الكهف العجيب، واستطرد:

_تلك المركبة فريدة من نوعها، لم يتوصل إليها أحد سوى شعب زحل، نحن صنعنا شيئًا لا مثيل له، قادر على نقلنا وقتما شئنا
انتقلت نظراته تجاه الركن المظلم، فابتسم ساخرًا حينما وجدها تشبه المزلقة، هل يستخدمون (الزوحليقة) للهبوط لعالمنا!
كان الأمر برمته اشبه بالمزحة، ومع ذلك كان عليه التعامل جديًا لأجل سلامة شقيقته، فقال برزانةٍ وحكمة:
_أنا أقدر عرضك حقًا، ولكن لا نريد الصعود لأي مكان.. فإن كان باستطاعتك السماح لنا بالمغادرة.
تعالت ضحكاته المخيفة مجددًا، وارتفع جسده بالهواء قائلًا وذراعيه مفرودة بالهواء:

_أنت آسيرًا ببقعتنا ونستنأذن بالانصراف، القوانين ستفرض عليكم وإن أردت النجاة والصعود لنزهةٍ لن تراها بحياتك عليك بالفوز أمام محاربنا.
سد كل الطرق أمامه، فلم يكن عليه سوى الاختيار، فقال:
_حسنًا ولكن أنا من سيواجه هذا المحارب.
ضحك وهو يمنح مؤمن نظرة ساخرة ختمها حينما قال:
_لا أعتقد اننا بحاجة لنسخ العظام هذا!
رمش بعينيه بصدمةٍ، فقال:
_لا مسمحلكش أنا دكتور بيطري أد الدنيا.
جذبته اليها مسك وهي تهمس اليه رغم خوفها:
_بتزعق ليه الراجل مغلطش! إنت فعلا شبه خلة الأسنان!
كز على أسنانه ليردد من بين اصطكاكهما:

_لو غلطتي فيا تاني هحدفك لحلبة المصارعه اللي عايزين يعملوها توجهي الطور اللي هيطلعوه ده.
واستدار تجاه الرجل وهو يتساءل بفضولٍ:
_هو مش طور برضه يا أخينا!
ضيق الغدافي عينيه فبدى أكثر رعبًا، فتساءل مؤمن بنبرتهم:
_كنت اتساءل عن طبيعة هذا المحارب؟
تحول غض\به لبسمة شيطانية مخيفة، وهو يخبره بكل فخرًا:
_ما اود اخبارك به بأنه لم يسبق لبشري الصعود لزحل، عساك بعقلك الأبله هذا تعلم بأنه لم يفوز عليه بشري من قبل!
ابتلع مؤمن ريقه بصعوبة بالغة، واسترسل بالسؤال الاخير:
_اسمه أيه طيب.

تنقلت نظراته عليهم جميعًا وهو يصيح بكل عزة يمتلكها:
_حنتـوش!
ردد مؤمن بسخط:
_مين يا حبيبي… ده وقت تهريج يا جدع انت!
أشار بيده تجاه تلك الفقعة التي تلاشت ليظهر من خلفها هذا الوحش العملاق، بجسده الشبيه بالمستودون ( هو حيوان ضخم الج/ثة بائد يشبه الفيل ولكن له جلد بفروة. عاش المستودون في أميركا الشمالية وأميركا الوسطى.

ظهر المستودون في أواخر العصر الميوسيني وانقرضت في البليستوسين _العصر الحديث _الأقرب أي منذ 10 آلاف إلى 11 ألف سنة)، مع اختلاف وجهه المدبدب، المختفي خلف حاجز الزجاج الشبية بالطبق الشفاف الضخم، فغر مؤمن فاهه، فتراجع للخلف بذعرٍ وهو يشير بيده لمؤمن هامسًا بشحوب:
_كلم حنتوش.. بيناديلك!
وأشار لذاته وهو يمنحه ابتسامة اخيرة:
_أنا هفقد الوعي شوية عما تخلص وتيجي.
وتمدد مؤمن أرضًا جاحظ العين والفم، يتصنع أنه فارق الحياة لينجو من هذا المأزق الغير مرحب به ببدايته الزوجية، اتجهت مسك اليه وركلته بعنفٍ وهي تصرخ به:
_عملت نفسك ميت وسبتني لحنتوش يا جبان!

قرص ساقها وهو يشير لها بالانبطاح مثله:
_اعملي نفسك ميتة بكرمتك بدل ما نسافر جهنم على دهر حنتوش.. اخوكي ادها خليه يورينا ال٣٦٠ج اللي بيدفعهم في الجيم كل أول شهر هيفدوه بأيه!
تمددت مسك جواره وهي تردد برعب:
_طب ويونس.
همس لها مرددًا:
_صدقيني دي فرصته.. خليه ينمي مهاراته بدل شغل المحاسبة اللي عايش فيها بالبنوك… المهم خلينا ساكتين خالص عشان يركز في اللي هيعمله مع حنتوش!
………. يتبع……..الفصل السادس.
(المحارب حنتوش!..)

هروب مؤمن من ساحة المعركة لم يكن بالجديد عليه أبدًا، لطالما كان يختلج المشاكل مع أصدقائه ويطمث بها يونس الذي كان يجيد التحكم بالامور عن جدارة، استدار اليه ثم حانت منه نظرة ساخرة اتبعها قوله المستهزأ:
_الاموات مش بيكونوا بالبشاعة دي.
اغلق مؤمن فمه وهو يشير له بدهشة:
_أمال بيكون شكلهم ازاي… هجتهد لما أوصل للخلطة اللي هتنجيني من البومة ده.
واستطرد بعصبيةٍ:
_متشغلش بالك بيا… ركز في مصيرك البائس واللي هتعمله مع الشيء مجهول المصدر ده!.
رفع حاجبيه بذهولٍ، اتبع جملته المستنكرة:
_على أساس انه هيكتفي بج/ثتي مثلًا، ما أكيد دورك جاي بعدي!

ببسمة واسعة وصدر رحب اجاب:
_على الاقل هتفيدني بالوقت اللي هحط فيه خططي العبقرية للنجاة من السفرية النحس دي.

كاد يونس باجابته ولكنه تفاجئ بسحابة من اللون البنفسج تسحب جسده بقوةٍ لمكانٍ يتوسط الكهف الغريب، وارتفع من حولهم ساتر مهيب من السحب ذات اللون الأسود القاتم، كانت سحب مرئية اللون رغم لونها المظلم، مرر يونس يده من بينه ظنًا من أنها ستعبر للجهة الأخرى ولكنه وجدها صلبة عاتية كالحجر القاسي، فانتصب بوقفته ليتطلع لمن أمامه بهدوءٍ، استعرض المدعي (حنتوش) عضلاته بعنجهيةٍ، فبدى مختال فخورًا بقوته، امتلاكه جسدًا قويًا هكذا يجعله في أسمى درجة من الغرور، راقبه يونس بعينٍ متلصصة وهو يفرد ذراعيه الضخم، وزحف تجاهه ليقتص منه مثلما يفعل دائمًا مع البشر، وزن يونس فكرته الصاعدة عن كناية هذا القناع،

فتفادي ض/رباته يحرافيةٍ، واندفع باستخدام ساقه على السحب فدفع جسده الصغير مقارنة بهذا الوحش، ليمر من أسفله، فتسلق جسده حتى وصل لوجهه، فسدد لكمة قوية لزجاج الشفاف الذي يختبئ من خلفه، فاستجاب لقوة قبضته وتهمشم انصياعًا له، القى يونس جسده أرضًا، وما أن لامست قدميه الأرض حتى سقط جسد المحارب العظيم كشوال بطاطا تدرج وتلاشى كأن لم يكن له وجود من الاساس، تفتت الستار من حوله والجميع يراقبون ما يحدث بصدمةٍ وعدم تصديق، وخاصة رجال زحل، جحظت عين مؤمن الذي صاح بصدمةٍ:
_من لكمة واحدة! حنتوش يا غالي ريحت واستريحت.

راقبه كبيرهن بذعرٍ وارتباك فشل باخفائه، فأشار لاتباعه بثبات مخادع:
_سنمنح البشري وعائلته رحلة سعيدة إلى زحل.
وقف يونس قبالته، وردد بخشونة ما ان لمس خوفه الصريح منه:

انت في الصفحة 5 من 7 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى