هز سليم كتفيه بلامبالاة وبرود جعلوا قلب نجمه ينتفض فزعًا بين ضلوعها خاصة حين أجابها: -تفتكري المجرمين باخدهم فين؟!
على الحبس طبعًا. تيقنت نجمه من صدق كلامه حينما وجدت نفسها أمام باب “الزنزانة” فعليًا، تلك اللحظة أحست نجمه أن كل شيء يدور من حولها سوى تلك الزنزانة التي تمثلت أمامها في هيئة وحش لكنها زمجرت في عناد متمسكة بفكرة ع\شقه لها: -انت متقدرش تعمل كده وأنا مش هسمحلك تهني بالطريقة دي! أشار سليم إلى أذنه ثم اردف متهكمًا:
-تسمحيلي ؟
طموحة أوي انتي يا نجمة! ابتعدت نجمة عنه تحاول التراجع لكنه منعها ممسكًا معصمها في حزم فهتفت فيه صارخة: -انت فاكرها سايبها أنا هوديك في داهيه لو قربت مني! -جدعه، افتح الباب يا عسكري. تسمرت نجمة مكانها بعيون منفرجة تتابع الباب يُفتح حتى قاطع سليم صدمتها بصوتٍ متسلِ : -متقلقيش انا هاسيبك مع ستات جايين بتهم شبه تهمتك، مش هاوديكي مع قـ,ـتالين **. تحرك بها خطوة ولكن نجمه تلقائيًا تعلقت بساعده تضغط عليه بقوة وكأنها تستنجد به هامسة في صوت مبحوح وحروف مرتعشة من الخوف:
-لأ يا سليم بالله عليك ما تسبنيش مع الناس دي ولو دقيقة واحدة. رفع حاجبه الأيسر قائلًا في نبرة ماكرة: -ليه ام دلال جوا هتدلعك أحلى دلع، اهي الست دي هتعجبك أوي لأنها مدوباهم عشرين القادرة. علت انفاسها في هلع واخبرته في نبرة مهتزة من شفاها المرتعشة تناشد الحب داخله: -أرجوك يا سليم بلاش تخوفني! اتسعت ابتسامته الصلفة قبل أن يمسك يدها متعمد إثارة مخاوفها: -أسف أنا بحب اخوف الناس اللي مش بترضى تتجوزني! -لا لا أنا راضية اتجوزك!
حركت رأسها مؤكدة كلم\اتها، فأكمل سليم بنفس المكر الرجولي: -هتتجوزيني حالًا؟! تعلقت انظارها المغتاظة به لكنها أومأت برأسها موافقة تكاد تبكي كالأطفال حينما اتخذ خطوة للأمام، فتشدقت في قوة مرتعدة: -حالًا بس مشيني وحياة امك! كان يرغب سليم في معاقبتها أكثر ولكن الخوف السابح في عيونها اتاه بنتيجة عكسية، فوجد نفسه يتراجع ليق\بض على كفها الصغير المستقر فوق ذراعه يتحسس فوقه في رقه، هامسًا لها في نبرة هادئة رغم خشونته: -خلاص اهدي وحياة امي مش هدخلك..
استدار معها ساحبًا لها خلفه تحت أعين عناصر الشرطة المتسائلة والمجرمين المتعجبة، كانت تركض تكاد تسبقه وتجذبه هي خلفها، فشد على يديها يوقف تقدمها ثم ادخلها برفق نحو مكتبة.
أجلسها أمامه واعطاها كوب من العصير الخاص به، ثم جلس أمامها مستطرد في مشاكسة املًا في تخفيف ذبذبات خوفها: -لما أنتي جبانه كده عامله نفسك بسبع رجالة ليه؟
زمت نجمه شفتاها ونظرت لأسفل دون إجابة، بينما استمر سليم يطالعها يحاول ازاله ضباب الغيرة المجــ . ــنونة عن مخيلته.
عضت نجمة فوق شفتيها دون حديث فداخلها مضطرب متذبذب ما بين الخوف من مخالفته والعودة لكونه سليم المجــ . ــنون بها، مع لمحة من الرضا المريب بفعلته السوداء.
ترجم سليم ذبذباتها كخوف مطلق وشعر بص*دره يضيق لرؤيته الخوف يتملكها منه، حرك أص*ابعه فوق وجهه في حدة وقد طارت روح المشاكسات تمامًا من الموقف. -أيه؟!
انتفضت نجمة المتسائلة بتلقائية في توجس تراقب تحركاته عن كثب وكأنه سيقفز عليها أي لحظة، عض شفتيه وقد اشعلت حركتها غض*به على نفسه وعليها لأنها من أوصلتهم لذلك الطريق فوجد نفسه يتهمها في حدة: -مبسوطة دلوقتي وانا بثبتلك ان الضباط جبروت مش كده؟
فرحانه انك وصلتيني أعمل حاجة عمري ما تخيلت اني أعملها! طالعته في صمت واستسلام لا تزال تشعر بالخطر والارتباك من اتهام\اته، فازداد غيظه من صمتها الذي كان هو سببًا فيه وهتف مؤكدًا:
-أنا مش كده وعمري ما مشيت ورا رغباتي الشخصية وعلى فكرة كل مهنه فيها الشريف والفاسد،
لكن انتي مش عايزة تشوفي غير اللي يرضي جنونك وضغطتي عليا لحد ما وصلتيني لكده! أخفضت نجمة بصرها ترغب في البكاء ولا تريد التفكير في صحة كلم\اته، ولا تريد اخباره انه برغم ما يحدث إلا انها متأكدة انه ليس بشخص سيء وانها تثق في انفعالاته فهو في أسوأ لحظات جنونه يحاكم نفسه قبل محاكمتها: -أنا مجرد انسان يعني وارد أغلط أنا مش مثالي ولا نبي،
لكن أنتي وجودك في حياتي لعنة وغلطتي الوحيدة اني مش قادر أسيبك!
حرك أصبعه في الهواء يؤكد كلم\اته للفراغ فأغلقت عيناها باتت لا تعرف أيحاد\ثها هي أم يحاد\ث نفسه، لا تدري كيف تلبسها البرود وقتها لكنها ارتشفت كوب العصير دفعة واحدة ثم رفعت رأسها تتمتم في خفوت: -رجعني عند ماما وبابا زمانهم قلقانين. عم الصمت المكان حولهما حتى قطعه سليم حين هز رأسه مرتين عاجز عن فهمها أو فهم نفسه من الأساس، تحرك نحو الباب لكنه عادة مرة أخرى خاتمًا كلم\اته: -الإنسان لما بيكون قدام متصيد للأخطاء مش بتطلع منه حاجة صح!
خليكي هنا انا هخرج اجبهم وانهي الحوار.
اخبرها سليم وهو يحارب شعوره بتأنيب الضمير فما حدث قد حدث وانتهى الأمر لكن نجمة السائلة في تردد اوقفته: -طيب وال … العريس؟ حينها تبخر كل شعوره بالذنب وتأجج على حافة ملامحه ذلك الوحش مسلوب التفكير المعمى بالغيرة: -متختبريش صبري يا نجمة،
ولو صعبان عليكي، تحبي تونسيه؟ حركت نجمه رأسها نافية في عن.ف وبتلقائية تامة دون مبرر خرجت منها ضحكة بلهاء تفصح عن جنون المشاعر المضطربة داخلها، قائلة: -لا ما يبقى وحيد عادي!
ارتفع حاجب سليم غير قادر على فك الإشارات التي تعطيها له تلك الشقية التي وقع صريع ع\شقها وكأنها لم تلاحظ مشهد خوار قواه ونفاذ صبره منذ قليل، تحرك في صمت مغادرًا لإصلاح جنونه مع عائلتها.
أما نجمة فكانت تشعر بأعاصير من فرط الانف.عال والخ.وف الذي مرت به منذ لحظات ولكن في عبق تلك الانفعالات والمخاوف الجلية كان هناك فتيل اشتعل بين ضلوعها يُنير ما كانت تحاول اطفائه تجاه سليم..
فهناك رضا مريب بفعلته حتى وإن كان الجنون سمتها..
ترى هل المشكلة به أم بها لتشعر بمثل هذا الشعور؟!!
***** الفصل السادس: أغلق “سليم” الهاتف مع المأمور بعد أن أخبره بتأجيل طلب أجازته في الوقت الحالي، تنهد بينما يفرك عينيه المنغلقة يشعر أن الآم رأسه قد زادت، عض شفتيه في آسى فقد مر أسبوعين منذ تلك الليلة التي جن جنون غيرته فيها بسبب نجمة، ولم يتذوق فيهما طعم النوم مع الهاجس التي زرعته نجمة ملتهمًا ما تبقى من عقله.
يشعر بتأنيب ضمير قاتل كلما تذكر الذعر الخام داخل مقلتيها صحيح أنه تراجع عن لعبته معها ما أراده هو تطبيق المقولة المتبعة في مجاله “قرصة ودن” كي لا تنساق وراء جنونها وتفقده هو صوابه، ليكتشف بعدها انه فاقد لصوابه بالفعل فـ نجمة حبيبته وليست أحد المجرمين ليفعل فعلته تلك..
استقام ثم مط ذراعيه يحاول التغاضي عن شعور التكسير المتملك لجسده متمتمًا: -منك لله يا نجمة، بهدلتي قلبي وضيعتي عقلي ودلوقتي صحتي بتروح مني بسببك يا شيخة!
توقف عن مط ذراعيه ثم رمش مرتين على التوالي قبل ان تنكمش ملامحه في استنكار هامسًا: -والله عال وبقيت أكلم نفسي كمان!
زفر في حدة وانزعاج مما وصل إليه حاله فها هو يجلد ذاته داخل جدران مكتبه ويحارب مشاعر شوقه لها ولصوتها الرقيق بينما هي تعيش حياتها منعزلة عنه دون أن تفكر مرة بالتواصل معه!
ليسخر عقله منه، لما تلومها وأنت الجاني في معاقبة نفسك بعدم الاقتراب منها مقتنعًا بأن أي حركة منك ستجد رد فعل من نجمة مص*دره خوفها منك ومما يمكنك فعله بها.
زمجر مستنكرًا جنونه، فقد قولب ذاته بفعلته داخل قالب الجبروت دون وعي منه وبالطبع هي لن تبادر بالاتصال به وكل فعل منها حوله سيكون كالمشي على قشور البيض.
حرك كفيه فوق خصلات شعره القصيرة في شبة هستيريا يرغب في ا\\اع رأسه الذي يتخذ بها قرارات متهورة دون تفكير، فها هو الآن يخشى التقرب من سارقة القلب فيكتشف انه خسرها وفقد ثقتها للأبد. -ايه يا باشا أخبار النجمة أيه ؟ قطع “عدي” زميله أفكاره فرمقه سليم في ذهول قبل ان يرد متعجبًا: -نجمة، أنت عرفت منين؟! عقد عدي بين حاجبيه متمتمًا ببلاهة وهو يتقدم من سليم يتحسس جبهته: -مالك يا سليم يا حبيبي ما كل الناس عارفه هو سر !!
ازداد ذهول سليم أضعافًا وعقله المُغيب بمُعذبته ونجمته يرميه نحو هوة بعيدة كل البعد عما يقصده عدي، لكنه همس في عدم فهم: -كل الناس عارفه ازاي يعني، جاوب بصراحة عرفت منين موضوع نجمه ده؟ حينها لم يستطع عدي كبت ضحكته وهو يربت بأص*ابعه فوق كتفه في استنكار: -في أيه يا أبو المجاريح مالك؟
أنا قصدي النجمة اللي فوق كتافك يا حضرت الظابط، الترقية يعني ده أنت ضايع. حينها زفر سليم بعنــ . ــف وهو يضر\ب على جبهته غير مصدقًا… لا يصدق أن كل الإشارات بعقله أصبحت تشير لشيء واحد… نجمته التي قلبت حياته وتفكيره وعقله رأسًا على عقب.
أما عدي فقد جلس جواره غامزًا بطرف عيناه مشاكسًا إياه: -اللي واخده عقلك! حرك سليم رأسه في قلة حيلة محيطًا وجهه بيداه معًا يؤكد على جملة صديقه التي أحسها بكل جوارحه: -هي سر\قت عقلي وسر\قت قلبي وسر\قتني من حياتي كلها فعلًا يا عدي. ارتفع حاجبي عدي الذي هز رأسه وهو يسبل أهدابه مغمغمًا بنبرة درامية ساخرة: -اممممم وإيه كمان يا حنين؟ حينها انتبه سليم أنه إنساق خلف التيه الذي يجتاح روحه، فهب يضر\ب عدي الذي تعالت ضحكاته بينما سليم يزمجر بغيظ:
-تصدق أنا راجل مشوفتش تربية عشان افضفض مع واحد زيك، اتكل على الله ياعم شوف رايح فين! ضحك عدي على حالة صديقه ثم قال من وسط ضحكاته بينما يلقي السلام مغادرًا: -خلاص ياعم م\اتزقش اديني ماشي، لو احتاجتني أي وقت رنلي. -اتكل على الله يا عم! صاح بها سليم في انزعاج ثم جلس يزفر بعنــ . ــف مقررًا معاودة اشغاله التي يؤجلها منذ الصباح فقاطعه صوت رنين هاتفه، ليتمتم مستنكرًا: -مش هنشتغل في يومنا ده!
رفع الهاتف فكاد يسقط من بين أص*ابعه عند لمح أسم نجمة يضيء الشاشة، فجأة ارتبك متسائلًا هل يجب أن يجيب؟
شعر بسعادة مختبئة خلف رجفة تملكت قلبه، لكن الوقت قد فات والرنين توقف.
أغمض جفنه الأيمن أثناء زمه لشفتيه يشعر بالحيرة لكنه يخشى اجابتها خوفًا من قرارها بمواجهته بفعلته المشينة لأنه حاليًا لن يتمكن من ايجاد مبرر لها، أما ان كانت تتصل بدافع الخوف فوقتها ستتمزق احشاءه وهنا أيضًا لن يجد رد مناسب.
عاد الهاتف للرنين من جديد لكنه استقام مغادرًا مقررًا ترك هاتفه داخل حقيبته الصغيرة خوفًا من الاستسلام والتراجع عن قراره.
*****. قبل ساعتين من تلك الواقعة…. داخل منزل نجمة، استيقظ الجميع على صوت خبطات متتالية متسارعة الرتم فوق باب المنزل، خرج والدها اولًا هاتفًا: -طيب طيب، في حد يخبط كده؟! فتح الباب في انزعاج واضح لكنه فوجئ باندفاع أربعة رجال توسطهم صاحب المبنى الذي يقطن فيه والذي يحاول منذ الأزل إبطال عقد الإيجار القديم الخاص بشقتهم واسترجاعها، هتف “شاهين” والد نجمة مستنكرًا: -انت اتجننت يا صلاح، بتتهجم عليا في بيتي؟ -اصبر على رزقك لسه التهجم مجاش وقته،