روايات

نجمة الباشا

أنا جاي اديك إنذار بالإخلاء الودي يعني أنت تعزل من سكات ونقطع العقود ويا دار ما دخلك شر…قولت أيه؟ تقدمت نجمة في خطوات مرتعشة تحاول مساندة والدها مستهجنة: -أيه شغل قطاع الطرق ده يا أستاذ صلاح،
بابا ماضي عقد مع والدك الله يرحمه واللي أنت بتعمله ده ما يصحش ومتفتكرش اننا هنسكت ونعديه بالساهل ابدًا. تدخل والدها يدفعها نحو زوجته يخشى عليها من الشر المشع من عيون هؤلاء الرجال، ثم حاول دفع الرجال للخارج أثناء حديثه الحاد:

-ادخلي جوا يا نجمة، كلامنا برا يا صلاح مش وسط اهل بيتي،
أنا سبق وقولتلك رجعلي فلوسي وانا هاخد بيها شقه وامشي من هنا،
لكن انت عايز تتجبر عليا وتاخد مني شقتي وفلوسي اللي دافعها لأبوك. دوت ضحكة صلاح الذي أغلق الباب محتميًا برجاله قائلًا في لهجته الساخرة: -فلوس؟
وهي شوية الملاليم اللي ادتهم لأبويا دول فاكرهم فلوس، دول اعتبرهم حق قعادكم في شقتي يا حبيبي. اشتغل وجه شاهين بالغض*ب ليخبره مزمجرًا: -مش هيحصل يا صلاح وانا مش هسكت على حقي وبالقانون.

دوت ضحكة صلاح من جديد أثناء تحريكه لأص*ابعه معلنًا في تحدي: -حلو يا حبيبي، خلي بقى القانون ينفعك. علت صرخات نجمة ووالدتها وهن يتابعن أحد الرجال يندفع كي يعتدي على والدها بالضر\ب في قوة ردت جسده للخلف، اندفعت نجمة تدافع عن والدها وسط صرخاتها المرتعبة ليمسك رجلًا أخر معصمها موقفًا تقدمها. -كفاية! صرخ صلاح في رجُله رافعًا كفه كي يتوقف قبل أن يهدد شاهين والشر ينضح من مقلتاه: -معاك لحد بليل يا شاهين لو الورق مجاش واتقطع قدامي هولع في البيت باللي فيه،
ميبقاش من ماله ولا يهناله يا … يا حبيبي … بينا يا رجالة.

دفع الرجل نجمه نحو والدها المستند على ركبتيه والذي يرفض إظهار الضعف أمام أهل بيته فصاح شامخًا: -وديني ما هسيبك يا صلاح وديني ما هسيبك! لم يبالي صلاح بتهديداته وأشار لرجاله باتباعه والمغادرة مغلقين الباب خلفهم، أمسكت نجمة بذراع والدها تشعر بالقهر هامسة وسط بكاءها: -قوم يا بابا منهم لله. -متعيطيش يا نجمة ابوكي مش هيسكت على الإهانة اللي حصلت دي.

هزت رأسها توافقه والدم\اء السائلة على جانب فمه تسقط على قلبها كالسم القاتل وتسخر من ضعفها ولأول مرة في حياتها تمنت لو كانت رجلًا وليست امرأة ضعيفة، تقدمت والدتها المرتعدة نحو زوجها وحسدتها نجمة للقوة التي تظهرها ملامحها وهي تواسي زوجها: -ولا عاش ولا كان اللي يهينك يا اخويا، احنا مش هنسكت قوم معايا، قوم..

سندته والدتها محتضنة إياه نحو غرفتهما مغلقة الباب أمامها ومنها إلي المرحاض بالتأكيد لتضميد جروحه البسيطة ولإخفاء قهره عن عيني ابنتهما، مسحت نجمة دموعها في غض*ب ما ان انتقلت أفكارها إلى سليم وتلقائيًا وجدت نفسها تركض تبحث عن هاتفها متناسية وعودها ومخاوفها بعدم الاقتراب منه فقلبها يعلم ان لا سند لها غيره.
بلعت حسرة تجاهله عندما اتصلت أكثر من مرة فقوبلت بعدم اجابته، رمت الهاتف من يدها وسحبت ملابسها مقررة المخاطرة والذهاب بنفسها إليه وبالفعل دقائق قليلة وكانت تتسلل للخارج دون اخبار والديها برحيلها متأكدة ان ذويها منشغلان ولن ينتبها إليها الآن.

***** وقف سليم أمام سيارة مخفر الشرطة يحاد\ث بعض زملاءه قبل ان يهتف لأحد الرجال: -حد يجيبلي شنطتي من فوق قبل ما نطلع. -حاضر يا باشا. هرع الرجل ينادي أحد العساكر ولم ينتبه سليم للباقي وقد لمح نجمة تتقدم نحو البناء في عزم وهالة منظرها الشاحب والدموع الجافة فوق وجنتيها، تقدم نحوها في هلع حتى انتبهت له وغيرت مسار خطواتها تقابله سريعًا، ارتجف قلبها في اطمئنان تحاول اطفاء  مخاوفها عندما وقف أمامها مباشرة يتفحصها بقلق يشع من عينيه متسائلًا في نبرة متوترة:

-نجمة، مالك يا نجمة، حصل أيه؟ حاولت السيطرة على ارتعاشه شفتيها وكبح حزنها لكنها انفجرت باكية تخبره في اضطراب دون قدرة على تمالك مشاعرها: -بابا … بابا يا سليم اتضر\ب..

اضطرب سليم واتسعت عيناه وهو يتابع انهيارها وسمح لنفسه بمسك ذراعها وسحبها معه نحو سيارته المركونة على بُعد أمتار قليلة منهما ومن أعين المارين.
جلست جواره في صمت تحاول السيطرة على شهقاتها بينما يبحث هو عن قنينة الماء يقدمها لها ويراقبها ترتشف منها وتتنفس في بطء، لا يريد أن يزيد من هلعها وحدسه ينبئه بأن هناك كارثة قد حلت بها دفعتها للقدوم إليه بتلك الطريقة، فأخبرها في صوت يخفي خلفه الكثير من الهواجس: -براحة أهدي وأحكيلي كل اللي حصل؟

حركت نجمة رأسها في موافقة وجذبت بضع أنفاس وهي تتعلق بالأمان داخل عينيه بتلقائية، ثم اخذت في تلو ما حدث على مسامعه وملامحها تتنقل ما بين الغض*ب والقهر بينما يهز سليم رأسه يحثها على الاستمرار حتى انهت سردها بجملتها التي خطفت قلبه: -ولقيت روحي جيالك وعارفة أنك الوحيد اللي هتقدر تسندني. رفع أص*ابعه يربت على جانب وجهها الرقيق مؤكدًا: -وأنا مش هخيب ظنك، روحي البيت وسبيلي أنا الموضوع ده،
وغلاوة دموعك دي ما هيعدي انهارده غير وأنا جايبلك حقك.

احتضنت نجمة يده بكفيها هامسة في امتنان وخجل: -أنا اسفة اني بشغلك وبخليك…. -بس بلاش كلام عبيط، لو مش أنتي اللي هتشغليني، هنشغل بمين؟ حركت نجمة رأسها ولأول مروة تشعر بالامتنان وبقيمته لكونه شرطي قادر على مساعدتها واستعادة حقها. ***** في مساء ذات اليوم داخل قسم الشرطة… وقف سليم في انتظار حضور نجمة ووالدها أمام ذلك الرجل المدعو “صلاح” الذي كان يقف وسط رجاله عاقدًا حاجبيه والضيق يستوطن ملامحه غير راضٍ أبدًا عما يحدث ويخطط له سليم .. فرفع سليم هاتفه محاد\ثًا نجمة في خفوت:

-انتوا فين؟ -احنا داخلين القسم اهوه يا دنيا متقلقيش. -دنيا، ماشي مقبولة منك، مع السلامة. اخبرها سليم الساخر ثم أغلقت نجمة الهاتف فسمعت توبيخ والدها من جديد: -طيب يا نجمة، أنا هوريكي تتصرفي ازاي من غير رأيي! -الله يا بابا قولتلك كنت مخضوضة وبعدين معملتش حاجه انا رجلي وقفت قدام القسم وكنت هرجع،
بس الرائد سليم لما شافني أصر يعرف في أيه ولما عرف اصر يساعدنا! توقف والدها يتذمر في وجهها مستنكرًا: -والرائد سليم يساعدنا بتاع أيه!

هنا تدخلت والدتها مدافعة عن ابنتها قائلة: -وبعدين معاك يا شاهين، أكيد الراجل حاسس بتأنيب ضمير لما مرمطنا على الفاضي المرة اللي فاتت مش موضوع يعني. حركت نجمة الخجلة رأسها مرات متتالية بالموافقة، فزفر والدها قبل أن يستغفر الله متمتمًا: -انا مش عارف سبتكم تيجوا معايا ازاي! امسكت نجمة بذراع والدتها التي تتبع زوجها بأنف شامخ فهي من رفضت الجلوس وتركه يأتي وحيدًا. وبالفعل وصل “شاهين” حيث سليم المنتظر ودلفت بعده زوجته ونجمة التي احتدت ملامحها بغل ما إن رأت صلاح، فأشار سليم لشاهين قائلًا في هدوء:

-اهلًا يا استاذ شاهين، اتفضل أقعد.. ثم نظر لصلاح نظرة مُحذرة وأكمل: -تقدر تقعد يا صلاح. عاد سليم لينظر إلي شاهين المتجهم الملامح ليصدح صوته أجش ثابت وعملي: -صلاح ندمان وهيحل الموضوع بشكل ودي يا استاذ شاهين. حينها ارتفع صوت صلاح معترضًا وهو يشير بيده: -هحله بس مش هاسيب حقي يا باشا. أندفع بعده شاهين يزمجر بنبرة شر\سة: -ده أنا اللي مش هسيب حقي. رفع سليم يده ينهي صراع جديد كاد يشتعل، ثم أردف بنبرة حازمة:

-نهدا شوية وكل واحد هياخد حقه، صلاح هياخد شقته وأنت هتاخد فلوسك يا استاذ شاهين. فأومأ شاهين مؤكدًا برأسه: -وهو ده اللي أنا قولته يا حضرت الظابط، أنا أصلًا مش عايز شقته أنا عايز فلوسي. فتح صلاح فمه يكاد يزمجر والطمع يحركه: -ملكش عندي ….. قاطعه سليم الذي أشار له بيده ليصمت، يُحذره بنظرة خفية من غض*ب يُدرك صلاح عاقبته جيدًا لو أصر على طمعه..! ثم قال سليم بنبرة دبلوماسية: -هاتدي الحاج شاهين فلوسه يا صلاح وليك عنده إنه يخلي البيت وتاخد بيتك، هو ده الصح والعدل.

كانت نجمة تراقب ما يحدث بابتسامة منتصرة وهي ترى صلاح يبتلع اعتراضه على مضض، قبل أن يهز رأسه موافقًا : – ماشي يا باشا بس من بكره البيت يفضى ! اومأ سليم برأسه، ثم وقف أمام صلاح الذي استقام هو الآخر احترامًا، ليشير سليم بعينيه نحو شاهين آمرة بصوت خافت لكنه حاد مُقلق: -حلو، أعتذر للحاج شاهين، وإيدك لو اتمدت على أي حد تاني هقطعهالك أنت وشوية الأوباش اللي كنت جايبهم، ماشي؟! مرر صلاح يده فوق وجنته متذكرًا صفعة تذوقها قبل قليل لكنه حارب خوفه محاولًا الاعتراض في حنق:

-لا يا باشا ما هو السبب هو اللي … قاطعة سليم في صوت حازم بينما يهز رأسه متشدقًا من بين ابتسامة صفراء محذرة: -اعتذر يا صلاح وخلينا نحلها ودي، ولا أنت عايز تونسني انهارده في القسم؟ زحف التوتر لملامح صلاح التي انكمشت رويدًا رويدًا ثم استسلم في النهاية لينطق على مضض: -انا اسف يا حاج شاهين، مش هتتكرر تاني. حرك شاهين رأسه الشامخة يتنهد مطولًا وقد رُدت له كرامته التي هُدرت على يد الحقير.
انهى سليم الوضع حين ربت على كتف صلاح بشيء من العنــ . ــف المتعمد وهو يتابع من بين أسنانه بابتسامة لا تمت للمرح بصلة:

-جدع يا صلاح، ما يوصلنيش انك ظهرت قدامهم تاني أبدًا ولا يكون ليك علاقة بيهم، اتفقنا يا صلوحه؟ بلل صلاح شفتيه هامسًا موافقته دون أن يستطع النطق بالمزيد… فيما كانت نجمة تحدق في سليم بابتسامة واسعة، وداخلها شعور عنيف يهتاج به ص*درها من الامتنان و… الحب !
خجلة أنها من أسقطت كل مبادئها المزعومة ود\فنتها تحت سابع أرض متخطيه فوقها نحو استغلال سلطته في مساعدتهم…
لتدرك أن الوظيفة التي كانت تطلق عليها شعارات الاستغلال والجبروت ليس بهذا السوء، بل لكل مهنة مميزات وعيوب…

*****. بعد مرور شهران….. كانت نجمه ممددة على فراشها ممسكة بهاتفها تتلاعب به وتلك الابتسامة تزين ثغرها أثناء عبثها بصورة سليم على شاشة الهاتف لتُكبرها… تسأل نفسها متى استسلمت لهوج تلك العاطفة ؟!…
لقد حارب سليم مخاوفها بمواقفه الرجولية التلقائية، محى ش\بح تلك الصورة التي كانت مرسومة بعقلها عن شخصيته كضابط.
حتى في أكثر لحظاته جنونًا وتهورًا عندما أتى بها وبأهلها إلى قسم الشرطة لم يستغل ضعفها ليتزوج بها رغم توقعها لذلك، بل أدركت حرص سليم الكبير على ألا يزرع خوف داخلها تجاهه هو لا يريدها خائفة ابدًا بل يريدها راضية بكامل ارادتها…!

وها هي أعلنت رضوخها لتلك النبضات الجاهرة العصية … وما أروعه حينما يكون الاستسلام لــ “سليم ” .. المتعجرف دومًا بامتلاكه لها.
تنهدت لا تصدق حتى تلك اللحظة أن مشاعره اجتاحتها حتى تشجعت أمام نفسها بل أقوى هي صارحت “دنيا” رمز مخاوفها وهواجسها نعم كانت مكالمة قصيرة ولم تكن دنيا راضية لكنها شعرت بانتصار كبير وبأنها ك\سرت حاجز غبي خفي عن الأعين داخلها…
هي فخورة بنفسها لأنها صارحتها بمشاعرها نحو سليم بل ودافعت عنه.. دافعت عنه وكأنها تدافع عنه ضد هاجسها.

لوت ثغرها في تذمر فقد مر شهران عليهما يتحدثان فيهما كل لحظة من اليوم، تطورت فيها علاقتهما إلى الأفضل، ومع ذلك هو لم يصارحها مرة بحبه صراحةً أو يطالب بالزواج منها كما كان يفعل في أسوأ احوالهما.
انتفضت نجمة من افكارها فكالعادة كلما تذكرته حضر، نظرت للهاتف المهتز معلنًا عن اتصاله، وتلك الابتسامة التي تخصه بها وحده عادت لتجد مكانها على ثغرها، ثم اجابت وهي تستحضر صوتها العذب: -ايوه يا سليم. شاكسها الاخر متمتمًا: -عليكي واحدة سليم بتجيب أجلي!

ضحكت برقة ولم تعلق، ليكمل سليم في حنو: -وحشتيني يا نجمة. تمتمت نجمه مجيبة في خجل: -امم، ميرسي. ارتفع حاجبي سليم مستنكرًا وكأنها تراه وأستطرد: -إيه ميرسي دي ان شاء الله؟
لا اظبطي كده لاظبطك، أقولك وحشتيني تقوليلي وأنت وحشتني يا سليم يا حبيبي! كبحت نجمه ضحكتها بصعوبة، ثم سألته في مكر مغيرة الموضوع: -خلصت شغلك؟ تنهد سليم مبتسمًا يع\شقك دلالها وقد أدرك محاولتها لتغيير الموضوع: -ايوه ياستي خلصته، بس عندي شغل تاني أهم بكتير.

سألته نجمه عاقدة حاجبيها بعدم فهم: -شغل إيه اللي أهم؟ حك سليم ذقنه النامية ثم أجاب بصوت أجش مُذبذب موقفًا محرك السيارة بعد أن كان يسير في المنطقة التي تقطن بها نجمة، وتحديدًا أمام بنايتها ولكنه لن يخبرها بذلك كي لا تظنه مختلًا نفسيًا يطاردها أو شيء من هذا القبيل، سعل سليم في خفة يزيل الحرج من أفعاله عن صوته قبل أن يخبرها في صراحة: -في موضوع كده شاغلني أوي ومش عارف أعمل إيه بجد تعبت منه!

-موضوع إيه؟! ما تتكلم من غير ألغاز يا سليم مالك ؟ الفصل السابع والأخير:

تنهد سليم بقوة، بعد إرهاق دام أكثر من شهران … شهران … يستنزفه ذلك التردد الذي لم يُعرف عنه ابدًا … شهران … وكل تفكيره مُنصب عليها فقط… على نجمته التي أرقت منامه وأشعلت فتيل ع\شقها بين ضلوعه التي كلما حاول تجاهله أحس بذلك الصهد يحر\ق روحه حر\قًا.
شهران … ولعنة التفكير تلاحقه، فبعد أن تخلص من جلد الذات وزالت مخاوفه من نظرتها فيه أنه أصبح مُستغلًا لسلطته بعد ما فعله معها ومع أهلها، بعثت له لعنته قلقًا جديدًا يحيره بأنه ان اتخذ خطوة الآن ستكون موافقتها نابعة من رد الجميل بعد وقوفه معها في محنتها.

تلك النجمة أتت إلى حياته كشهاب لاهب سقط على محور أرضه ليُذيبها مخلفًا خلفه شخصيته القديمة التي لم تكن تنتمي لتلك الشخصية الجديدة التي جعلته عليها أبدًا..
فقد كان يُكرس حياته لعمله فقط، يكدح فيه ويخرج كل جهوده من أجل الارتقاء في وظيفته ورسم الفخر على وجوة أسرته، لكنه الآن اصبح هدف ثانوي لم يعد يؤديه على أكمل وجه كما كان
وقد أصبحت نجمته.. ” نجمة الباشا ” أكثر أهمية من نجوم الشرطة التي كان يسعى لزيادتها على كتفه …!!

-سليم أنت لسه معايا؟ قطع أفكاره صوتها الهادئ الذي يحمل في طياته القلق، فك\سر سليم مخاوفه أخيرًا وأطلق سراح الحروف من بين شفتاه في حزم: -نجمة أنا بحبك، بحبك وحبك سيطر عليا خلاص، اتجوزيني يا نجمة ؟! لحظات من السكون التام وكأن تلك النبضات العالية الصاخبة صْمت أذناها عن كل شيء حولها إلا من تلك الكلم\ات ..  تلك الكلم\ات التي لم تتوقع أن تثور لها انفاسها في حرارة أنستها أنها في الشتاء القارص.
ولكن أتاها صوته المتلاعب المخلوط بتوتر يحاول اخفاءه في مكر وهو يتابع:

-السكوت علامة الرضا؟ ضحكت نجمه في رقة وقد أكدت بتلك الضحكة ما يسعى له قلبه جاهدًا، وسمعها تغرد في ميوعتها المعتادة: -رغم ان الصيغة آمر أكتر منها طلب، بس أنا موافقة.. تأهب كل إنش بجسد سليم وهو يشعر أنه أخيرًا وبعد مُعاناة أقترب، أقترب كثيرًا من خط البداية للسعادة الأبدية، الخط الذي كان كلما أقترب منه حتى شعر به يبتعد وكأنه كان يسعى خلف سراب.
تمالك سليم سعادته ثم استطرد بصوت هادئ يلقي بأخر مخاوفه من طيات روحه:

-بس أنا مش عايزك توافقي كرد جميل يا نجمة،
صدقيني والله العظيم لو مش بتحبيني وسمعتها منك دلوقتي أنا هقفل ومش هتشوفي وشي أو أضايقك تاني. حينها هتفت دون سلطة على لسانها الذي انطلق يتابع بكل تلقائية واندفاع: -لأ طبعًا، أنت عايز تخلع ولا إيه! عضت على شفتاها في خجل حين وصلها صوت ضحكته لتدرك ما تفوه به لسانها، فأستطرد سليم في نبرة مرحة تتجلى في صوته: -أبوكي عندك؟ -اه، اشمعنى؟ -لا أبدًا، خمس دقايق وقومي أفتحيلي الباب يا عروسة، أنا طالع.

تداخلت خلايا عقل نجمه وهي تحاول استيعاب ما يقول، لتغمغم ببلاهة: -باب إيه؟! اتسعت ابتسامة سليم وهو يلحظ توترها قائلًا في مشاكسة: -باب بيتكم، أنا قدام الباب يلا مش هفضل مستني كتير ولا عايزاني أجبلك شبهه! انتفضت نجمة في هلع تلتفت حول غرفتها دون سبب مقنع هامسة في ذهول: -نعم!! أنت قدام بيتنا بجد؟
سليم أنت بتهزر صح؟! -إيه ده وأنا ههزر معاكي ليه؟
هو عشان قربنا من بعض كام شهر واتبهدلت وانا بجري وراكي عشر شهور، هنبقى صحاب خلاص؟!

صدح صوت جرس الباب فرمت نجمه الهاتف وهي تنهض كالملسوعة تضحك وتركض حول نفسها بحثًا عن ملابسها دون أي فكرة عن ما سيبرر به سليم حضوره.
بينما في الخارج رن سليم الباب من جديد حتى فتح له والد نجمه الباب، ظهرت الدهشة على وجهه بمجرد أن رآه ولكنه سرعان ما أبدلها بابتسامة مرحبة: -اهلا يا سليم باشا اتفضل اتفضل. دخل سليم في خطوات ثابته مهذبة، سائلًا إياه بمودة: -ازي حضرتك يا أستاذ شاهين عامل إيه؟

-الحمدلله بخير، أنت عامل إيه؟ -كويس الحمدلله. ظهرت نجمة في تلك اللحظة وعيناها تلقائيًا قابلت عينـا سليم الذي حدق فيها في شغف لثواني قبل أن يغض بصره أمام والدها، فقابلت هي انظار والدها الذي حدجها بنظرة موبخه يستنكر خروجها، فدخلت نجمة إلى غرفتها بعد أن لاحظت نظراته الحادة لكن قلبها المجــ . ــنون أراد رؤية سليم والتأكد من وجوده فعليًا.
أما في الخارج ظهرت والدة نجمه التي رسمت ابتسامة مرحبة في هدوء وهي تلقي التحية على سليم:

-السلام عليكم ازي حضرتك. -انا بخير الحمدلله، انتم بخير؟ -الحمدلله. أتبعها سليم يفتح أي موضوع: -في مشاكل حصلت تاني؟ الواد إياه ظهر تاني؟

انت في الصفحة 8 من 9 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى