أمي فتحتها بالراحة… ولما بدأت تقرأ، صوتها اتكسر، وكان مليان حكايات رومانى مكرم أمي كانت ماسكة الورقة بإيدين بيرتعشوا، وعينيها بتمشي على السطور كأن كل كلمة بتشد منها حتة روح. قلت لها بخوف: “في إيه يا ماما؟ مالك؟” ما ردّتش عليّ. قعدت على الكرسي الخشب، وحطّت إيدها على بقها عشان تكتم شهقة طلعت منها غصب عنها. قربت منها وبصّيت في الورقة، بس الخط كان قديم ومش فاهم منه حاجة. كل اللي فهمته اسم أبويا مكتوب في أول السطر.
أمي أخيرًا اتكلمت، بصوت مكسور عمري ما سمعته منها قبل كده: “الرسالة دي من أبوك… قبل ما يمشي ويسيبنا.” اتجمدت مكاني. اسم أبويا كان زي جرح مفتوح في بيتنا، محدش بيجيب سيرته. أمي كملت وهي بتمسح دموعها: “أبوك ما سابناش بمزاجه… هو كان مريض. عرف إنه مش هيعيش كتير، وكان مديون. خاف يسيبنا وإحنا شايلين ديونه، فهرب عشان الديّانة ينسوه، وسابنا عند أختي أمينة.” أنا ما كنتش فاهم. طول عمرنا فاكرينه هرب وسابنا. أمي كمّلت القراءة، وصوتها بيرتعش:
“كتب في الرسالة إنه سلّم كل اللي كان معاه لأختي أمينة عشان تحافظ عليهم لينا، ولما تيجي الأيام الصعبة تسلّمهم لنا.” بصّينا سوا على الصندوق الخشب الصغير. أمي فتحته بإيدين بترتعش، وطلع منه شوية دهب قديم، وخاتم جوازها اللي كانت بتقول إنه ضاع، ومعاه مبلغ فلوس ملفوف في قماش. أمي انهارت في البكاء، بس المرة دي كان بكاء غريب… وجع وراحة في نفس الوقت. قالت وهي بتبص للكيس: “أمينة كانت مستنية اليوم اللي نحتاج فيه بجد… عشان ترجّع الأمانة.”
ساعتها فهمت النظرة الغريبة اللي شفتها في عيون خالتي. مش شفقة… كانت سر كبير شايله سنين. وأنا واقف، حسّيت لأول مرة إن أبويا ما كانش راجل قاسي زي ما كنا فاكرين… بس راجل غلبان حاول يحمينا بطريقته. وأمي فضلت تبكي وهي بتقول جملة عمري ما نسيتها: “رزقنا كان متخزن لنا من سنين… بس جه في وقته.” حكايات رومانى مكرم تبعونا على صفحه رومانى مكرم في الليلة دي، لأول مرة من سنين، أمي طبخت رز بكمية تكفينا كلنا… وزيادة. البيت كان دافي، وإخواتي الصغيرين بيضحكوا، لكن أمي كانت ساكتة طول الوقت، باصة في الفراغ.
بعد ما إخواتي ناموا، سمعتها بتقول: “لازم أروح لأمينة بكرة.” تاني يوم أخدتني معاها. مشينا لبيت خالتي الصغير في آخر الشارع، نفس البيت اللي روحتله مكسوف أطلب رز. خبطنا على الباب، وخالتي فتحت، ولما شافت أمي، عرفت على طول إن الرسالة وصلت. الاتنين حضنوا بعض وعيطوا من غير كلام. قعدنا، وأمي قالت لها بهدوء: “ليه ما قولتيش كل ده من زمان؟ سيبتينا نتعب السنين دي كلها؟” خالتي أمينة سكتت شوية، وبعدين قالت بصوت مكسور: “علشان أبوك طلب مني كده.”
قلبي دق بسرعة. قالت: “قبل ما يمشي بأسبوع، جه عندي. كان تعبان قوي. قال لي: يا أمينة، لو سبت الفلوس والدهب معاهم، الناس هتاكلهم. الديّانة كانوا مستنيينه. فطلب مني أخبي كل حاجة لحد ما الولاد يكبروا، أو لما الدنيا تضيق بيهم قوي.” أمي قالت بغضب: “بس إحنا جعنا! الولاد تعبوا!” خالتي دموعها نزلت: “وأنا كنت باكل من غير لحمة سنين علشان الفلوس تفضل زي ما هي. كنت شايفة تعبكم، بس كنت خايفة الأمانة تضيع.” سكتت لحظة، وبعدين قالت الجملة اللي قلبت كل حاجة:
“بس في حاجة ما قلتهاش في الرسالة… أبوك ما ماتش زي ما إنتِ فاكرة.” أمي قامت من مكانها: “يعني إيه؟!” خالتي بلعت ريقها وقالت: “هو لسه عايش… بس مش هنا.” حسيت الدنيا بتلف بيا. أمي همست: “فين؟” خالتي بصّتلي وبصّت لأمي وقالت: “في القاهرة… بس حالته وحشة قوي.” السكوت وقع في الأوضة تقيل. وأنا واقف، قلبي بينبض بسرعة، وفجأة فهمت إن القصة لسه ما خلصتش… وإن أبويا… ممكن أكون هشوفه تاني. لكن اللي ما كناش نعرفه، إن اللي مستنينا في القاهرة… كان أصعب من كل اللي فات.
حكايات رومانى مكرم الجزء الرابع — وليس الأخير رجعنا البيت وإحنا ساكتين. أمي طول الطريق مش بتتكلم، وأنا ماشي جنبها ومش قادر أستوعب فكرة إن أبويا ممكن يكون عايش. طول السنين دي كنا فاكرينه مات أو هرب وسابنا وخلاص.