في الليل، سمعت أمي بتعيّط وهي فاكرة إننا نايمين. كانت بتقول لنفسها: “أروح له ولا أسيبه؟ بعد اللي عمله فينا… أعمل إيه؟” تاني يوم، خالتي أمينة جت البيت بدري. كانت شايلة ورقة صغيرة فيها عنوان. قالت: “واحد من قرايبنا شافه من شهرين في القاهرة. بيشتغل حارس في مخزن قديم، ومريض. شكله كان وحش قوي.” أمي قعدت على الأرض، وسكتت شوية، وبعدين قالت: “أنا لازم أروح.” المشكلة إننا ما كانش معانا فلوس سفر تكفي. لكن خالتي طلعت جزء من الفلوس اللي أبويا كان سايبها وقالت:
“دي فلوسه… حقكم تستخدموها.” بعد يومين، أمي سافرت ومعاها خالي، وسابتني أنا مسؤول عن إخواتي. أول مرة أحس إني كبرت فجأة. مرّ يوم… واتنين… وثلاثة. كل يوم كنت مستني حد يخبط على الباب ويقول خبر. وفي فجر اليوم الرابع، سمعنا خبط سريع. فتحت الباب، لقيت خالي واقف، وشه مرهق، وعينيه حمرا. قلبي وقع في رجلي. سألته بسرعة: “أمي فين؟” قال: “أمك بخير… بس في حاجة لازم تعرفها.” حسيت إن نفسي اتقطع. قال بهدوء: “لقينا أبوك فعلًا… بس…”
وقف شوية كأنه مش قادر يكمل. قلت وأنا قلبي بيخبط: “بس إيه؟!” قال: “أبوك ما بقاش لوحده…” الكلمة دي نزلت علينا زي الصاعقة. ولسه ما كناش نعرف إن المفاجأة اللي مستنيانا هتقلب حياتنا كلها تاني. حكايات رومانى مكرم وقفت قدام خالي وأنا مش فاهم قصده. قلت له: “يعني إيه مش لوحده؟” خالي دخل وقفل الباب وراه، وقعد وهو ماسك راسه بتعب. قال: “أبوك متجوز… وعنده طفل صغير.” حسيت كأن حد خبطني في صدري. إخواتي كانوا واقفين ورايا مش فاهمين، بس حاسين إن في حاجة كبيرة بتحصل.
قلت بعصبية: “يعني سابنا واتجوز؟!” خالي هز راسه: “اسمع للآخر… أمك أول ما شافته، ما عرفتهوش من كتر ما اتغيّر. كان ضعيف، وشعره كله أبيض، وبيكح جامد.” وبعدين كمل: “الست اللي معاه طلعت مراته فعلًا… بس الحكاية مش زي ما إنت فاكر.” اتشدّيت في الكلام. قال: “بعد ما ساب البلد، اشتغل في القاهرة، ووقع في الشغل واتصاب إصابة كبيرة في ضهره. قعد شهور في المستشفى، والست دي كانت ممرضة، ومالهاش حد في الدنيا. لما خرج، ما كانش عنده مكان يروحله، وهي ساعدته.”
سكت لحظة وبعدين قال: “وبعدين اتجوزوا… مش حب، بس علشان كل واحد فيهم ما كانش عنده حد.” أنا سألت: “طب وإحنا؟ عمره ما سأل علينا؟” خالي تنهد وقال: “كان بيسأل… بس كان فاكر إنكم عايشين كويس عند خالتكم، وإن الفلوس اللي سايبها مكفياكم. ما كانش يعرف إنكم بتعانوا.” حسيت بغضب، بس في نفس الوقت وجع غريب. قلت: “وأمي عملت إيه؟”