روايات

حكايات رومانى مكرم

“بس مش ده الطلب الأصعب.” قلبي دق بسرعة. قالت: “مراته… الست اللي معاه… عندها طفل صغير، عمره سنتين. ما عندهاش حد، ولا شغل، ولا بيت. أبوكم كان شايلهم بالعافية.” أنا قلت: “يعني إيه؟” أمي قالت وهي دموعها بتنزل: “طلب مني… لو حصل له حاجة… ما أسيبش الطفل ده يضيع.” الكلام نزل علينا زي الصدمة. يعني الراجل اللي سابنا سنين، دلوقتي بيطلب مننا نتحمّل مسؤولية طفل مش أخونا! أنا اتعصبت وقلت: “إحنا ناقصين؟! إحنا لسه طالعين من الفقر!”

أمي رفعت عينيها ليا وقالت بهدوء: “وأنا قلت له نفس الكلام… بس لما شوفت الطفل، افتكرتكم وإنتوا صغيرين ومفيش حد واقف جنبنا.” البيت كله سكت. وأمي قالت آخر جملة قبل ما تقوم: “أبوك حالته ساءت… ولازم نسافر القاهرة كلنا بسرعة.” لكن ما كناش نعرف إن الرحلة دي مش بس عشان نودّعه… كانت عشان نكتشف سر أخير، خلى أمي تغيّر رأيها تمامًا. حكايات رومانى مكرم للمذيد من القصص الكامله تابعو صفحه رومانى مكرم سافرنا القاهرة في قطار الليل. كنت باصّ من الشباك طول الطريق، وأنا حاسس إن في حاجة كبيرة مستنيانا.

وصلنا الصبح، وخالي ودّانا لمخزن قديم في حارة ضيقة. طلعنا سُلّم حديد، ودخلنا أوضة صغيرة فوق المخزن. أبويا كان نايم على سرير حديد، جسمه ضعيف قوي، وأنبوب أكسجين جنب راسه. أول مرة أشوفه من سنين… بس بالكاد عرفته. أمي قرّبت منه بهدوء وقالت: “ولادك جم.” فتح عينيه بالعافية، وبصّ لنا. دموعه نزلت فورًا. مدّ إيده المرتعشة ناحيتي وقال بصوت مكسور: “كبرت… وأنا ما شفتش حاجة.” كنت واقف متجمّد، مش عارف أقرّب ولا أبعد. كل الذكريات رجعت مرة واحدة: جوعنا، تعب أمي، سنين الغياب.

لكن قبل ما أتكلم، دخلت الست اللي كانت عايشة معاه، شايلة طفل صغير نايم على كتفها. الطفل فتح عينيه وبصّ حوالينه بخوف، وبعدين مشي ناحية أبويا وقال: “بابا…” ساعتها أبويا بكى زي طفل صغير. وبصّ لأمي وقال: “في حاجة لازم تعرفيها… حاجة خبّيتها طول السنين.” أمي اتشدّت وقالت: “إيه تاني؟” أبويا بلع ريقه وقال: “الولد ده… مش ابني.” الأوضة كلها سكتت. الست اتجمدت مكانها، وأمي بصّت له مش فاهمة. وأبويا كمّل بصوت ضعيف: “لقيته مرمي قدام المستشفى من سنتين… والست دي كانت هتترمي في الشارع عشانه… فقلت يبقى اسمي عليه بدل ما يضيع.”

أمي سكتت، وعينيها اتغيّرت. بس لسه الحقيقة الأكبر ما اتقالتش… واللي عرفناه بعدها بدقائق… هو اللي خلّى أمي تاخد قرار ما حدش فينا كان متوقعه. حكايات رومانى مكرم الجو في الأوضة كان تقيل، كلنا ساكتين، والأبواب مقفولة. أمي وقفت قدام أبويا، عينها مليانة دموع، لكن صوتها ثابت: “يعني كل اللي حصل… كان عشان تحمي حد تاني؟” أبويا هز راسه بصعوبة: “أيوه… وماكنتش عايزكم تعرفوا. كنت خايف تخافوا عليّ أو تزعلوا… بس دلوقتي الوقت جه.”

الست اللي معاه وضعت الطفل على الأرض، وهو بيبص حوالينا بخوف. أمي ركعت وأخدت الطفل في حضنها، كأنها بتقبّل غلطة السنين دي كلها، وكأنها بتديه أمان ما حسش بيه قبل كده. أبويا بص ليّ أنا وقال: “ابني… إنت كبرت قوي… وأخواتك كبروا… وأنا ضيّعت سنينكم.” سكتنا كلنا. دموعنا اختلطت بالدهشة والحزن والفرحة مع بعض. أمي مسكت إيده وقالت: “اللي مهم دلوقتي… إننا مع بعض… كلنا.” أبويا ابتسم بصعوبة، وشال الطفل في حضنه، وقال: “إنتوا عائلتي… مش بس ولادي… دلوقتي كلنا مع بعض… حقيقي.”

اللحظة دي حسّيت بالدفا اللي مفيش كلام يوصفه… كل الجوع، التعب، سنين الغياب… اتحوّلوا لضحكة صغيرة على وجوهنا. الطفل ابتسم لأول مرة، وأنا حسّيت إن الدنيا رجعت مكانها… وأمي ضحكت لأول مرة من سنين. بعدها، بدأنا نخطط لحياتنا الجديدة. أبويا، ضعيف زي ما هو، بس قلوبنا اتجمعت تاني… وقررنا نكون عيلة واحدة مهما حصل. وبالرغم من كل الألم اللي فات… لسه أمي بتقولي ليا كل مرة: “الرز اللي خالتي أمينة أعطتنا… كان أكتر من أكل… كان بداية حياة جديدة.”

حكايات رومانى مكرم

انت في الصفحة 5 من 5 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى