الحلقة الحادية عشر مريم بصّت له وسكتت.
ولا قادرة تقول إنها، رغم كل الفرح… قلبها بدأ ينهار بصمت.
يوسف قعد جنب مريم تاني، وفضل يبصلها باستغراب:
— “فيه إيه؟ الست دي قالتلك حاجة زعلتك؟”
مريم ابتسمت ابتسامة باهتة، كأنها بتحاول تهرب من خوفها:
— “قالتلي كلام عب.يط، بس مش مهم.”
يوسف ضحك وهو بيهز راسه:
— “أنا قلتلك كده من الأول… كل اللي بتقوله ده تخريف. إحنا خلاص هنبدأ حياة جديدة، وهنكون مبسوطين… مش كده؟”
مريم بصّت له… وسكتت.
جواها مليون صوت، وكلهم بيزعقوا، لكن صوتها هي ماتلعش.
اكتفت إنها تهز راسها بنعم…
وابتسامتها كانت أضعف من الهوا.
﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎
الهوى لسه بيعدّي على وش النيل، بس اللحظة ما بقتش هادية زي قبل كده.
مريم وقفت، عينيها فيها دموع مش نازلة، قلبها بيصرخ بصوت هي بس اللي سامعاه. بصّت
الهوى بقى تقيل فجأة كأن الدنيا حست باللي بينقال، والنيل قدامهم سكت، مابقاش بيخبط في السور زي الأول، كأن حتى المايه سمعت الكلام واتجمدت.
مريم وقفت، عنيها فيها لمعة دمعه محبو.سة، قلبها بيصرخ بس صوتها كان ناعم، متك.سر، مليان وجع:
— “عاوزه أروح للدكتور هشام يا يوسف… دلوقتي حالًا…
أنا تعبت من الخوف اللي جوّه الفرح…
أنا مش عايزه أدخل بيتك وأنا قلبي بيترعش…
أنا عايزه أطمن، أطمن إني هعيش، أطمن إني هكمل معاك.”
يوسف بصّ لها باندهاش، نبرة صوته اتهدت، بس الاستغراب ما فارقش ملامحه:
— “دلوقتي؟ دلوقتي يا مريم؟
إنتي كويسة؟
في حد ضايقك؟ حد قالك حاجه؟”
مريم هزّت راسها، عنيها ما فارقتش الأرض، وبصوت مهزوز قالت:
— “لا محدش قالي… بس أنا…
حاسه إني همــ . ــوت يا يوسف… قريب.”
صوته ارتفع، بس الخوف كان باين أكتر من الغضــ . ــب:
— “إيه الكلام ده؟ ليه بتقولي كده؟ ليه؟!”
مريم رفعت عنيها، وشها هادي بس مخضوض، وقالت:
— “حاسه من زمان إني مش هكمل…
حاسه إني همشي بدري، قبل كل الناس…
زي ما تكون دي نهايتي… وأنا عارفه ومش قادرة أقول.”
يوسف اتشد، خد خطوة ناحيتها، وشه اتغير، وصوته اتك.سر رغم العصبية:
— “يا مريم، إحنا ساعات بنحس حاجات… بنخاف، بنتخيل…
بس ما بيحصلش حاجه.
دي أوهام، وساعات بتكون مجرد قلق.”
مريم قربت خطوة، وهمست:
— “أنت بتقول كده لأن إحساسك مش دايمًا بيطلع صح…
بس أنا…
إحساسي عمره ما خيب،
وكل مرة كنت بحس بحاجة… كانت بتحصل.”
يوسف مسك إيديها، صوته علي فجأة، بس عينه كانت بتدمع:
— “ما تجيبيش سيرة المــ . ــوت دي تاني!
أنا مش ناقص…
أنا ممكن أمــ . ــوت بعدك انتي… فاهماني؟
أنا ما بستحملش فكرة إنك تختفي، حتى لو بالكلام…
ما تتكلميش كده، بالله عليكي، ما تتكلميش!”
مريم بصّت له، ولأول مرة، نزلت دمعة من غير ما تبل ريقها.
قالت بهدوء:
— “خدني للدكتور هشام يا يوسف…
مش عشان أطمن على جسمي…
أنا عايزه أطمن على قلبي.”
وساد بينهم صمت، غير صوت أنفاسهم، وسكون النيل…
وليل بيحــ . ــضنهم بس مش دافي.
يوسف، من غير كلام تاني، مسك إيديها وودّاها للعربية.
نص ساعة كانت كافية توصل فيها مريم ويوسف قدام عيادة الدكتور هشام، بس ما كانتش كفاية تهدي العاصفة اللي جوا قلبها.
دخلت مريم العيادة وهي ماسكة إيد يوسف بإيد، وبقلبها ماسكة أمل صغير إنها تطلع مطمنة.
الممرضة ابتسمت بحذر، ويوسف قال كلمتين بلطافة، وبعد لحظات، هشام بنفسه فتح الباب.
ولما عينه وقعت على مريم، ملامحه اتغيرت كأنه حس بحاجة مش مفهومة.
دخلت القوضة، وسابت يوسف واقف برا، زي ظلها اللي مقدرش يدخل الوجع معاها.
قعدت قدامه، وقالت بصوت مكسور، واضح، مفهوش لف:
— “أنا همــ . ــوت يا دكتور؟”
هشام شد جسمه القدام، وقال بهدوء بيخبّي قلقه:
— “ليه بتقولي كده يا مريم؟”
﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎
يتبع….. الحلقة الثانية عشر
كل حاجه بتقول اني همــ . ــوت
هشام اتنهد ببطء، عيونه مليانة تفهم وحزن:
— “كل حاجة بتقول كده؟ يعني إيه بالضبط؟
هل في أعراض جسمانية بتحسي بيها؟ أو كوابيس متكررة؟
” مريم عضّت شفايفها، والدموع تلمع في عينيها: —
“الكوابيس… بحلم إني بمــ . ــوت… والمــ . ــوت دايمًا قريب، بحس بالخوف من جوايا… و
في حياتي كمان، كل حاجة بتتقلب ضدي، وأحيانًا بحس إن الدنيا مش راضية تسيبني أعيش عادي.” هشام جاب ورقة وقلم وبدأ يكتب ببطء: —
“ده شعور اسمه قلق وجودي، ساعات بيخلي العقل يلعب ألعاب مرعبة، خاصة لما يكون الإنسان تحت ضغط نفسي أو مواقف صعبة في حياته.
” مريم بس انا احساسي ديما بيطلع صح
الدكتور هشام مدّ إيده بهدوء على درج المكتب، طلع منه شريط دوا وحطه قدامه، ثم بص لمريم وقال بجديّة هادية:
— “دي مهدئات خفيفة، ومنومات تساعدك تنامي. تاخدي قرص قبل النوم كل يوم، لحد ما نعدي المرحلة دي.”
مريم بصّت للدوا، وبعدين بصّت له، وقالت بصوت خافت:
— “بس… يعني هو ده؟ حلم بمــ . ــوت كل يوم… ودوّا؟”
الدكتور هشام سكت لحظة، وبعدين قال وهو بيحاول يحتفظ بهدوءه:
— “الحلم انعكاس لخوف جواكي، مش نبوءة يا مريم. واللي بتمري بيه طبيعي بعد صدمات كتير وقلق متراكم.
أنا مش بعالج حلم… أنا بعالجك إنتي، يا مريم.
ولازم تساعديني تساعدي نفسك.”
مريم شالت عينيها عن الدوا وقالت بصدق:
— “أنا بس مش عايزه أمــ . ــوت وأنا خايفة… مش عايزة أدخل بيت وأنا قلبي بيرجف. أنا تعبت، وعاوزه أعيش بجد.”
الدكتور هشام حنّ صوته شوية:
— “وهتعيشي… طالما عايزة، يبقى هتعيشي، وهتعيشي مرتاحة.
بس خلينا نمشي خطوة خطوة.
إنتي مش مجــ .
ــنونة ولا مريضة نفسية… إنتي موجوعة، ودي حاجه مختلفة تمامًا.”
مريم سكتت، مدت إيدها وخدت الشريط من على المكتب، وبصّت له نظرة فيها شكر، بس كأنها بتقول “أنا بحاول”.
قبل ما تقوم، سألها هشام:
— “يوسف مستنيك برا، صح؟”
مريم ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت:
— “آه… مستنيني من أول ما دخلت.”
هشام ابتسم وقال:
— “ده أول سبب يخليكي تطمني… لأنك مش لوحدك.”
خرجت مريم من الأوضة، لقت يوسف واقف في الرسيبشن، وشه فيه قلق بس أول ما شافها قام بسرعة:
— “كويسة؟ قالك إيه؟”
مريم هزّت راسها وقالت:
— “قال لي إني هعيش… وإن الخوف ما بيمــ . ــوتش الناس.”
يوسف مسك إيدها وقال بهدوء:
كملت بحزن يلا عاوزه اروح
﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎
في الساعة تمانية بالليل، رجعت مريم البيت. الجو كان مختلف… البيت كله مقلوب، والعيال مشغّلين أغاني بصوت عالي. رغم الزحمة والضجة، ابتسمت مريم بصدق ودخلت أوضتها.
ولما دخلت، لقتها أمها قاعدة، بنبرة غاضبة سألتها:
— “مريم، حجزتي القاعة ولا إيه؟”
مريم استغربت وقالت بهدوء:
— “أنا ويوسف مش ناويين نعمل فرح.”
الأم رفعت صوتها، بتوتر وغضــ . ــب:
— “ليه كده؟”
مريم نظرت لها بحزم:
— “إحنا مش عاوزين أفراح.”
لكن أمها ما صدقتش الكلام، وبدأت تطلع الغضــ . ــب اللي جواها بصوت أعلى:
— “إنتِ اللي قولتي نعمل كده عشان تحسّريني وتوجّعي قلبي، صح؟”
مريم، بصوت ثابت، ردت:
— “وأوجع قلبك ليه؟ دي حاجة بيني وبين يوسف، مش لازم تخشي فيها، كفاية تحكّم بقه.”
الأم ما قدرتش تتحكم في غضــ . ــبها وضــ . ـربت مريم كف على وشها، وقالت بكلمات موجعة:
— “طول عمري بكرهك، وندمانة إني جبتك على وش الدنيا! روحي، ربنا يتوهك في دنياك وما يريحك بال أبداً.”
بصوتها المحطم، خرجت من الأوضة.
مريم قعدت على الأرض، دموعها بتسيل من غير توقف، وفضلت تعيط.
في اللحظة دي، دخلت رحاب، بنت أخت مريم الصغيرة، ببراءة الطفولة في عينيها، وقالت بحماس:
— “خالتو، هو إنتِ مش هتعملي فرح ونرقص كبير؟”
مريم مسحت دموعها بسرعة، وابتسمت لرحاب وقالت:
— “مين قال كده يا حبيبت خالتو؟ لا، هنعمل فرح كبير. غيرت رأيي خلاص، وحنجيب مرجيح وسحليق كمان.”
رحاب ضحكت بحب وحــ . ــضنت مريم وقالت وهي بتضحك:
— “أنا بحبك أوي يا خالتو.”
مريم ضحكت من قلبها وهي بتشيل نفسها من حــ . ــضن رحاب وقالت:
— “وأنا كمان، يا حبيبت خالتو.” وقفت من حــ . ــضنه وقالت وهي بتضحك:
— “روحي قولي لمّك تشغل أغاني عدل، خليه يشغل ألبومات أليسا مثلاً.”
رحاب ببراءة طفولتها ردّت بحماس:
— “لا يا خالتو، إحنا هنشغل عصام صاصا!”
مريم ضحكت أكتر وقالت مازحة:
— “خلاص، قدّامك هتشغليه مهرجانات! شغّل حمو الطيخي بقى!”
— “ماشي يا خالتو!”
وبسرعة خرجت من الأوضة وهي بتغني بحماس، تاركة وراها جو من البهجة والضحك اللي رجع البيت ينبض بالحياة.
﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎