مسكت مريم التليفون بيد مرتعشة، وأجابت بصوت هادي:
— “ألو، يا مريم، في حاجة؟ أنا لسه ما رحتش.”
ابتسمت مريم بحزن بسيط وقالت:
— “آه… أنا لغيت فكرة إننا نعمل فرح صغير أو نتجوز كده على سكيتي.”
صوت يوسف من التليفون كان مليان دهشة:
— “بتهزري، صح؟ الفرح بكرة! هحجز القاعة إمتى دلوقتي؟”
تنهدت مريم وقالت ببرود:
— “مليش في الموضوع ده… خلّيه يتعمل بأحسن شكل، يكون فيه سحليق ومرجيح عشان ولاد إخواتي. والقاعة تكون كبيرة عشان أعزم متابعيني وأصحابي على الفيسبوك.”
ضحك يوسف وقال:
— “مش عاوزاه على برج إيفل بالمرة.”
ضحكت مريم بخفة وردّت:
— “يا ريت، بس مش عايزة أتقل عليك.”
مريم سكتت للحظة، وبصت قدامها كأنها بتجمع كل قوتها، وبصوت واطي لكنه مليان تحدي قالت:
— “بس فيه حاجة… لو ما حصلش الفرح ده، مش هعرف أكمل… مش عارفة أعيش من غيره.”
وسكتت، والتليفون في إيدها بدأ يرن من جديد، لكن مريم ما ردتش…….. يتبع….. الحلقة الثالثة عشر
في صباح يوم الفرح، كانت البيوت الشعبية بتعيش طقوسها المعتادة، أغاني المهرجانات شغالة على آخرها، والبيت مليان ضحك وهزار، كله في حالة طوارئ.
مريم واقفة في وسط الزحمة، ماسكة المسكات على وشها، وشعرها لسه مفرود، أمها في المطبخ بتجهز الأكل اللي هيتاكل بعد الفرح، والكل بيسأل ويجري ويدور على حاجة. الساعة بتجري، وميّة الورد مترشّة في الأركان، وكله بيجهز للعروسة.
﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎
في أوتيل القاعة، يوسف قاعد مع صحابه، الضحك مالي القوضة.
أدهم، أقرب واحد له، رمى جملة بصوت عالي:
— “عاوزك تشرفنا النهارده يا معلم!”
يوسف ضحك وهز دماغه:
— “اتلم بقى!”
كان بيحلق دقنه، وعامل ماسك وش، ملامحه فيها لمعة فرح غريبة.
﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎
في قوضة تانية، أم يوسف وشيماء راحوا لمريم عشان يجهزوها.
مريم لبست فستانها في الحمام، وطلعت عليهم…
كانت زي الملاك، ميكب بسيط بس ناعم، شعرها مفرود وهادي، عيونها بتلمع.
أم يوسف همست:
— “ما شاء الله، تبارك الله… زي الوردة البيضا.”
شيماء بصت لأم مريم وقالت:
— “مش كده يا طنط؟”
أم مريم ابتسمت بصعوبة، وهزّت راسها، ودموعها محبو.سة في عينها.
دخلت شيماء ودنيا وأصحاب مريم من الكلية، جريوا عليها وحــ . ــضنوها:
— “عاوزين نقرصك في رقبتك عشان نحصلك!”
ضحك، تيك توك، صور، وأغاني، وكانت الدنيا ماشية زي الحلم.
جت العربيات، الكورتيج اتحرك، زغاريد، وزينة، وضحك.
في القاعة، الأنوار مزينة كل حاجة، الليلة دافئة، والفرح ساكن القلوب.
يوسف واقف مستني، وبمجرد ما شاف مريم نازلة القاعة
، . وشاف كمان حب اللي كان بدر وتمام زي القمر
كانت زي القمر، ماشية بخطى هادية، وإيده في إيد أخوه أدهم.
وصلت عنده، مسك إيدها، وباسها، وغير مكان الدبلة من اليمين للشمال.
وقفت جنبه على الكوشة، فستانها الأبيض بيلمع تحت الضي، تسريحتها كانت بسيطة، بس مفيش أحلى منها.
ضحكتها الهادية كانت بتدفّي القاعة كلها.
الزغاريد شغالة، والأطفال بيجروا حوالين الترابيزات، وصوت عصام صاصا شغال على أعلى مستوى.
يوسف قرّب من ودنها، وهمس:
— “اديني وفيت بوعدي… صدقتي؟”
مريم بصّت له، عينيها فيها دموع فرح:
— “صدقت… بس خايفة يكون حلم.”
وعدى الفرح، وسافروا بعده بشوية.
شهر عسل كان مليان ضحك، صور، ولحظات صغيرة بتحفر في القلب، يوسف بينجح، بيتقدم في شغله، ومريم جنبه دايمًا.
﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎
﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎
لكن…
بعد سنين، الكادر اتغير وجه علي شخص بيحكي عن الروايه .
﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎
في قاعة محاضرات صغيرة، الإضاءة خافتة، والسكوت تقيل كأنه بيحمل سر كبير.
الدكتور هشام قاعد قدام مجموعة طلاب، بيشرح عن الرواية اللي كتبها عن “مريم”.
بنت من الطلبة رفعت إيدها وسألته بصوت فيه فضول حقيقي:
— “يا دكتور، حضرتك كتبت الجزء التاني، بس ماقلتش بعد الجواز حصل إيه؟ خلفوا؟ رجعوا مصر؟ عاشوا ازاي؟”
هشام سكت، بص في الورق اللي قدامه، وعينيه كأنها بتفتّش عن لحظة فقد.
قال بصوت مكسور:
— “مفيش حياة بعد الجواز… الرواية الحقيقية انتهت يوم فرحها.”
واحد من الحضور قال بذهول:
— “إزاي يعني؟”
هشام قالها بصوت منخفض كأنه بيرمي قنبلة:
— “مريم… ما.تت يوم فرحها.”
الصمت خيّم، الوجوه اتجمّدت، وكل عيون القاعة اتثبتت عليه.
كمل هشام:
— “مريم حست إنها هتمــ . ــوت… وكتبت لكل واحد رسالة، بصوتها.”
﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎
فلاش باك…
الساعة كانت ٤ الفجر، البيت كله نام بدري.
مريم خرجت من الحمام، شعرها مبلول، لابسة بيجامة بسيطة.
وفجأة…
وجع خبط في ص.درها، تقيل، حاد، كأن قلبها بيتك.سر جواها.
مسكت ص.درها، أنفاسها بدأت تتقطع، رجليها خذلوها.
قعدت على الأرض، بدأت تسحف ناحية السرير، بتحاول توصل.
طلعت تليفونها، بصّت في النور الخافت، وبدأت تسجل…
— “أمي العزيزة…
كنتي أول حــ . ــضن، وأكتر حد وجعني. كنت بتمناكِ تبقي زي ما رسمتك في خيالي… بس يمكن أنا اللي كنت ببالغ في الحلم.”
“كان نفسي أعيش حياتي زي أي بنت… مكنتش عاوزة أتستت، ولا أبقى مختلفة.”
— “أبويا…
مكنتش ملاك، بس كنت ضلي. في أسوأ حالاتك كنت ساكت… وسكوتك كان أكتر من صريخك.”
— “لأخواتي العزاء، اتمنوا تعيشوا سعداء…
ابقوا مبسوطين…
عيشوا زي ما بتحبوا، ومتفكروش فيّ غير بضحكة.”.
— “أما عنك يا يوسف…
حبيبي الأول والوحيد، وجوزي في الجنة إن شاء الله…
اتجوز، وخلف، وكمل حياتك، وأوعى ترجع للزفت اللي كنت بتشربه.
البنت اللي هتتجوزها ياريت تحبك زي ما كنت هحبك أنا.”
“سيبتلك جواب تاني في البيت، هيكون ليك بس.”
فضلت تكتب… لكل حد حبيته، لكل لحظة خافت تتنسي.
سابت جزء منها على الورق، خطها بيتقل، ونفسها بيتعب.
خلصت، سابت القلم، واتكأت على السرير، وبصّت للسقف.
غمضت عنيها…
بس المرة دي، ما فتحتهاش تاني.
﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎
في الصباح
﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎
بعد ساعة…
البيت كله كان على قدم وساق. أم العروسة بتغرف في الأكل وتحطه في علب، الشباب بيكويوا القمصان، صوت الزغاريد كان لسه بيرن في الهوى.
“دنيا” كانت ماشية بخفة، وشها فيه بقايا نعاس، بس قلبها فرحان. دخلت الأوضة، فتحت الباب بهدوء وهي بتضحك:
— “اصحي يا عروستنا… اصحي يا مريم، يخربيتك على النوم التقيل!”
قربت منها، مريم كانت لسه نايمة، ملامحها هادية، زي ملاك حالم.
— “مريم؟”
هزت كتفها بلطف، مفيش رد. قربت أكتر، لمست إيدها… كانت ساقعة.
— “مريــــــم؟”
الصوت اتغير، الهزار بقى خوف.
بدأت تهزها بعنــ . ــف:
— “مريم قومي بالله عليكي… متعمليش كده فينا!”
صوتها علي، ونبرة الرعب بدأت تتسرب. النداء بقى صويت:
— “ماماااااااااا!!”
البيت كله اتقلب في لحظة. أم مريم جريت، أول ما دخلت وشافت بنتها، وقعت على ركبتها:
— “يا حبيبتي… يا بنتي… قومي ياروح أمك، قومي الفرح مستنيكي…”
الصويت شق السقف، والعياط بقى موج عالي. جيران، وأهل، وأصحاب، الكل جري، والفرح… اتبدّل.
الفستان الأبيض، اللي كان المفروض يفرح الكل، بقى ملفوف حوالين جـ . ــثه باردة. الزينة وقعت، الكوافير سكت، والقاعة فضيت قبل ما تتعمر.
﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎
يوسف، العريس، كان في بيته بيحضّر نفسه، لابس البدلة وبينده على أمه وأخته،
لقى تليفونه بيرن من ناس كتير… افتكر بيبركوله.
ركب عربيته بسرعة وهو مبتسم، وشه فرحان، قلبه بيجري على حبيبته.
مسك الموبايل واتصل على شيماء، أخته:
— “شيماء، انتي فين؟ صوتك ماله كده؟”
— “مريم يا يوسف…”
— “مالها؟
حضرت نفسها، زي القمر النهارده…”
— “ما.تت.”
الكلمة وقفت كل حاجة. الصوت اتقطع، والدم اتجمد.
وشه شحب، إيده كانت بترتعش، ورجله مش عارف يتحرك.
ركب العربيه وهو مش شايف، وصل يجري لبيتهم،
لقى ناس غريبة لابسة أسود واقفة قدام العمارة، قلبه وقع.
دخل، وعيونه بتدور عليها، قعد مكانه وهو مش مصدق.
أم مريم كانت قاعدة على الأرض، حــ . ــضناه الفستان الأبيض، وقالت بصوت مكسور:
— “كان حلمها تلبسه… جبناه وشترناه، وبرضه ملحقتش تلبسه!”
﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎
بعد شوية، بعد ما غسّلوها وكفّنوها،
كانوا واقفين عند باب الأوضة: شيماء، أم يوسف، دنيا، وأم مريم، كلهم بيبكوا.
وابراهيم، أبو مريم، كان قاعد جنب بنته وهي ملفوفة بالكفن،
صوته كان بيترعش، ودموعه سايلة:
— “اللهم إني عبدك، وشهيدك، إني ربيت بنتي على الدين والصلاح، وأنت أعلم بها. توفيتها وهي صغيرة السن، اللهم اغفر لها ذنوبها، وبدّلها دارًا خيرًا من دارها، وأهلًا خيرًا من أهلها، وثبتها عند السؤال…”
باس جبينها، وقال وهو بيشهق:
— “اللقاء في الجنة يا حبيبتي.”
﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎﹎