“رميت مراتي في الشارع الساعة 2 بالليل عشان ارضي امي.. بس اللي حصل بعدها وقف شعر راسي!”
كنت واقف زي “الأسد” – أو كدة كنت فاكر نفسي – وأنا شايف مراتي “دعاء” بتلم هدومها وهي بتترعش من القهرة، ود.موعها مغرقة وشها. كانت بتبصلي بنظرات كلها استعطاف، لكن أنا كنت عامي عيني وقلبي ومسلم وداني لأمي اللي كانت قاعدة على الكرسي بتهز رجلها وبتاكل لب ببرود أعصاب، وكأننا بنتفرج على تمثيلية مش بنخرب بيت.
دعاء قربت مني وصوتها مبحوح من كتر العياط:
“يا محمود، الدنيا ليل وإحنا في عز الشتا.. هروح فين دلوقت؟
استنى للصبح طيب، ده أنا شايلة ابنك في بطني، يرضيك يتبهدل معايا في الشوارع؟”
قلبي كان هيرق.. والله كان هيرق. بس قبل ما انطق، سمعت صوت أمي الحاد زي السـ,ـكينة:
“يا خيبتك يا واد! بتتحايل عليك بكلمتين وانت زي “الخيبان” هتلين؟ دي د.موع تماسيح يا عين أمك، عايزة تكسر كلمتك وتخليك “طرطور” في بيتك. لو قعدت للصبح مش هتمشي، وهتفضل راكباك ومدلدلة رجليها العمر كله. الراجل كلمته سيف، واللي متمشيش على عجينك متلخبطوش.. برة!”
بصيت لأمي، لقيت في عنيها تحدي.. “يا تكون راجل وتسمع كلامي، يا تبقى عيل ومالكش لازمة”.
الشيـ . ـطان وزني، والعند ركبني.
مسكت دراع دعاء وشدتها ناحية الباب بقسوة:
“كلمة أمي سيف على رقبتي.. والبيت ده ميبقاش فيه واحدة صوتها يعلى على ست الكل. يلا يا بنت الناس، ورقة طلاقك هتوصلك الصبح، وروحي لبيت أهلك خليهم يعلموكي الأصول من أول وجديد.”
دعاء بصتلي بصد.مة، كأنها مش مصدقة إن العشرة هانت عليا بالسرعة دي. أمي قامت وقفت وعدلت جلابيتها وقالت بشماتة:
“هاتي المفتاح يا حلوة.. ومن غير ما تاخدي قشة من البيت، ده خير ابني وشقاه، اطلعي بجلابيتك اللي عليكي دي.”
دعاء سكتت فجأة.. مسحت د.موعها بكم الجلابية، وبطلت تترعش.
وقفت وقفة غريبة فيها ثبات عمري ما شفته فيها قبل كده. بصت لأمي من فوق لتحت، وبعدين بصتلي وضحكت ضحكة وجعت قلبي، وقالت بهدوء مرعب:
“حاضر يا ابن الأصول.. يا تربية الست الأصيلة. أنا همشي.. ومش عايزة حاجة من ‘خيرك’ ولا ‘شقاك’. بس قبل ما أخرج من الباب ده، لازم تعرفوا حاجة مهمة أوي.. حاجة هتخليكم تند.موا على اللحظة دي العمر كله.”
أمي زعقت: “هتكون إيه يعني؟ هتقولي حامل؟
ما إحنا عارفين، يغور هو وأمه، بكرة نجوز سيد سيده ونجيب عيال يملوا البيت.”
دعاء اتجهت ناحية الباب، وحطت إيدها على الأكرة، ولفت وشها لينا وقالت جملة نزلت عليا زي الصاعقة:
“لا يا حماتي.. الموضوع مش حمل. الموضوع يخص ‘الأرض’ اللي محمود باع دهبى عشان يشتريها ويكتبها باسمه.. ويخص ‘الوصلات’ اللي أمك مضت عليها عشان تاخد القرض.. أنتو نسيتوا إن الورق كله معايا؟ ونسيتوا أنا مين؟”
أمي وشها اتخطف ولونها بقى زي الكركم، واللب وقع من إيدها، صرخت وقالت:
“يا نهار أسود! الورق فين يا بت؟”
دعاء فتحت الباب، والهوا الساقع دخل البيت، وقالت بابتسامة نصر:
“الورق في الحفظ والصون.. والصبح مش ورقة طلاقي اللي هتوصل، ده المحضر هو اللي هيوصلكم لحد هنا.”
ورزعت الباب وراها رزعة هزت حيطان البيت وهزت رجولتي المزيفة معاها.
أمي جريت عليا وهي بتلطم على وشها: “إلحق مراتك يا محمود! دي هتحبسني.. دي معاها شيكات ومستندات تودينا في داهية! إجري بوس إيدها ورجعها!”
جريت حافي على السلم ورا مراتي اللي طردتها من دقيقتين.. بس لما نزلت الشارع.. ملقتهاش! الشارع كان فاضي وضلمة وكأن الأرض انشقت وبلعتها..
وفجأة تليفوني رن.. رقم غريب.. رديت وأنا بلهث: “ألو.. دعاء؟”
جاني صوت راجل خشن بيقول:
“المدام دعاء معانا في القسم يا أستاذ.. وعاملة محضر تعدي وطرد، ومعاها ورق يخص والدتك.. شرفنا حالاً.”
يا ترى محمود هيعمل إيه؟ وهل دعاء فعلاً هتنتقم ولا دي قرصة ودن؟
والأهم.. إيه سر الورق اللي قلب حماته من فرعون لكتكوت مبلول؟
لو عايز تعرف باقي الأحداث والمفاجأة اللي حصلت في القسم..
#الكاتبه_نور_محمد
الجزء الثاني: “سقوط الأقنعة.. وعزة النفس”
وصلت القسم وأنا بلهث، وركبي بتخبط في بعضها. أمي كانت سابقة بخطوة، بس مش مشية “الست الكبيرة” اللي بتمشي تهز الأرض، لأ.. كانت ماشية بتجر رجليها والخوف كاسر عنيها.
دخلنا المكتب، ولقيت “دعاء” قاعدة.. بس مش دي دعاء اللي كانت بتعيط وبتبوس الإيدين من ساعة. كانت قاعدة حاطة رجل على رجل، وشها مغسول من الد.موع، وعنيها فيها نظرة قوة أول مرة أشوفها. المحامي بتاعها كان قاعد جنبها، وقدام الظابط ملف مفتوح.
الظابط بص لأمي وقال بجمود:
“المدام مقد.مة فيكي بلاغ بتبديد إيصالات أمانة، ومقد.مة صور من الشيكات اللي بتمضيكي عليها عشان القرض، وفيه شهود من الجيران إنك طردتيها في نص الليل وهي حامل.. التهم دي كفيلة تبيتكم في الحجز النهاردة.”
أمي، الست الجبارة، انهارت ووقعت على ركبها قدام دعاء وهي بتعيط بحــر . ــقة:
“يا بنتي.. يا دعاء يا حبيبتي، ده كان شيطان ودخل بينا! إحنا أهل، والظفر مايطلعش من اللحم. أنا زي أمك، هتحبسي أم جوزك وجدة ابنك؟”
دعاء بصت لها ببرود وقالت بصوت هادي زلزلني:
“شيطان؟ ولا جبروت؟ لما رميتيني في الشارع الساعة 2 بالليل مكنتش زي أمك؟
لما قولتي لابنك يطلقني ويرميني مكنتش جدة ابنه؟ أنتو اللي قطعتوا اللحم ورميتوه للكلاب.. ودلوقتي جايين تدوروا على الأصول؟”
أنا قربت منها وحاولت أمسك إيدها:
“دعاء.. عشان خاطري، بلاش فضايح، إحنا لسه متطلقناش، والطفل اللي جاي ده ملوش ذنب.”
دعاء سحبت إيدها بقرف وقالت:
“الطفل ده هيتربى بعيد عن الظلــ . ــم. أنا مش هتنازل عن المحضر إلا بشرط واحد.”
أمي صرخت بلهفة: “أي شرط يا بنتي.. أي حاجة بس بلاش الحبس!”
دعاء وقفت وقالت بصرامة:
“الشقة اللي أنا اتطردت منها..
تتكتب باسمي دلوقتي حالاً، عقد بيع وشراء خالص، وتتكتب ورقة رسمية إن ملكش حق تدخلي الشقة دي تاني، ولا أمك تعتب عتبتها، والطلاق يتم دلوقتي وبهدوء، وكل حقوقي ومؤخري ونفقة ابني توصلني.. يا إما المحضر يمشي في مجراه، والصبح أمك تترحل على النيابة.”
أمي بصتلي وهي بتترعش: “وافق يا محمود.. وافق يا ابني، أنا مش حمل بهدلة السجون في السن ده.”
بصيت لأمي بكسرة نفس.. دي الست اللي كانت بتقولي “ارميهم”، دلوقتي بتبيع كل حاجة عشان تنجد نفسها.
بصيت لدعاء وقولت وأنا موطي راسي: “موافق.”
بعد مرور 3 سنين:
أنا قاعد في أوضة ضيقة في شقة إيجار قانون جديد، بعد ما بعت عفشي القديم عشان أسدد ديون القروض اللي أمي ورطتني فيها. أمي جالها جلطة من القهرة والحسرة بعد ما شافت “شقا عمرها” وملكها راح لغيرها، وبقت قاعدة على كرسي متحرك، لسانها تقيل ومبقتش تقدر تأمر ولا تنهي.
أما دعاء.. شوفتها صدفة امبارح. كانت خارجة من الشقة (اللي كانت شقتي) وماسكة إيد طفل صغير زي القمر “ابني”، ولابسة شيك ووشها منور. ركبت عربية جديدة، وعرفت إنها كملت دراستها واشتغلت وبقت ست مسؤولة وناجحة.
ابني بصلي وهو معدي، معرفنيش.. استخبى في حـ,ـضن أمه ومشيوا.
في اللحظة دي عرفت معنى الجملة اللي المأذون قالها زمان: “كما تدين تدان، والظلــ . ــم ظلــ . ــمات”.
📌 العبرة والخلاصة المفيدة:
* الظلــ . ــم عاقبته وخيمة: مهما كنت فاكر نفسك قوي وليك سلطة، دعوة المظلوم (وخصوصاً الزوجة المقهورة) ليس بينها وبين الله حجاب. محمود وأمه خسروا البيت والفلوس والصحة والابن بسبب لحظة تجبر.
* لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق: بر الوالدين واجب، لكن مش على حساب خراب البيوت وظلــ . ــم بنات الناس. محمود لما سمع كلام أمه في الغلط، خسر مراته وأمه خسرته احترامه ورجولته.
* كيدي كيد نساء، ولكن بالحق:
دعاء مكنتش شريرة، هي استخد.مت ذكائها ومستنداتها عشان تحمي نفسها وابنها من الشارع. الست العاقلة هي اللي تأمن نفسها وماترميش نفسها في التهلكة.
* الند.م لا يصلح ما كسره الزمن: محمود ند.م، بس بعد إيه؟ بعد ما ابنه كبر بعيد عنه ومراته بقت غريبة. حافظوا على النعمة اللي في إيدكم قبل ما تزول.
لو القصة لمست قلبك، وشايف إن النهاية عادلة..
سيب “قلب” ❤️ واكتب “الحمد لله” في كومنت..
وشيرها عشان غيرك يتعلم إن “جبر الخواطر” بينجي من المهالك! مع تحياتي الكاتبه نور محمد