بنت عمي منى صممت إن فرحها كله يتعمل “أوبن بوفيه” من تحت إيدي، ومن غير ولا مليم! وقالت لي بمنتهى الثقة: “يا بنتي ده هيبقى وش السعد عليكي، دعاية ببلاش وسط الناس المهمة اللي جاية الفرح.” لما قلت لها “لأ يا حبيبتي، ده أكل عيش”، راحت بصلّي بقرف وقالت: “خلاص، هجيب اللي أحسن منك.” وطبعاً، العزومة طارت ومنى معزمتنيش.. وأنا كبّرت د.ماغي. تاني يوم الصبح، صحيت على “فرح” مكالمات فايتة.. الموبايل كان هينفجر. الأكل في الفرح طلع “سم هاري” وكارثة، والكل كان بيستغيث بيا ألحقهم!
أنا فاتحة مشروع “كيرتنج” (تجهيز حفلات) صغير على قدي. لا هي شركة انترناشونال ولا عندي أساطيل عربيات وشعار منور، أنا شغلي “سُمعة”. الناس في منطقتنا وفي المناطق اللي حوالينا عارفين اسمي، وبيطلبوني بالاسم عشان واثقين في “النَفَس” وفي النضافة. الأكل بالنسبة لي مش مجرد لقمة عيش، ده “بريستيجي” وفخري. ده الفن اللي بعرف أعمله في دنيا دايمًا بتحاول تقنعك إن شطارتك دي ملهاش تمن، وإنك لازم توهبي مجهودك ببلاش لو حد “قريبك” ضحك في وشك وقال لك “إحنا أهل”.
أنا بقالي 8 سنين بجدّ وبجتهد، من ساعة ما اتخرجت من معهد السياحة والفنادق وكان حلمي أفتح مطعمي الخاص. موضوع تجهيز الحفلات ده جه “صيت” كدة بالصدفة. بدأت بصحابي اللي طلبوا مني أطبخ في أعياد ميلاد ولادهم، والكلمة لفت، والدايرة وسعت. من عيد ميلاد لغدوة شركة، ومن فرح لليلة حنة. المطبخ بتاعي في محل صغير في “وسط البلد”. مش مودرن وشيك، بس بتاعي. رخام نضيف، بوتاجازات تشيل دبيحة، وكل حاجة في مكانها. ريحة التقلية والتوم محفورة في الحيطان، حتى لو مفيش شغل النهاردة، تحسي إن المطبخ له روح.حكايات رومانى مكرم
وعلى الحيطان، معلقة صور لكل الشغل اللي عملته. صور مش للذكريات بس، لأ دي “تاريخي”: أفراح شفت فيها العرايس بيعيطوا من الفرحة، وأنا وفريقي واقفين في الضهر، بنرص الأطباق وبنملى الكاسات في صمت، عشان “الليلة” تطلع زي الكتاب ما بيقول. وعندي نوتة صغيرة، كاتبة فيها كلمة كل زبون: “الحمام المحشي بتاعك ملوش حل.” “التورتة كانت لوحة فنية.” “إنتي اللي رفعتي راسي قدام نسايبي .”
الكلام ده عندي بكنوز الدنيا. الشغلانة دي “نحت في الصخر”. المكسب فيها بسيط، والساعات طويلة، وأي غلطة في “سرفيس” واحد ممكن تهد اللي بنيته في سنين. والكوارث ما بتخلصش، بوتاجاز يعلق، مورد يضحك عليكي في الخضار، مساعد يغيب فجأة.. بس أنا اتعلمت أبقى “أسطى” في الهدوء وتحت الضغط. الناس لما بتدفع لي، مش بتدفع تمن “لحمة ورز”، هما بيدفعوا تمن “راحة بالهم”. عارفين إن الأكل هيوصل سخن، نضيف، ويشرّف. بناء السمعة دي خد مني شقى، وعشان كدة كنت حامية جداً في موقفي.
لما منى كلمتني وهي “طايرة” وبتحكي عن فرحها، كنت فرحانة لها بجد، رغم إن علاقتنا دايماً كانت “ناقر ونقير”. منى من نوع البنات اللي “عايزة الضوء كله عليها”. لازم تبقى “نجمة القعدة”. طول عمرها البنت المدلعة في العيلة، وبنت “سيد عمي” اللي مبيترفض لهاش طلب. حكايات رومانى مكرم كانت مخطوبة لـ طارق، محاسب في بنك، راجل “دُغري” وهادي، وهو الوحيد اللي كان بيعرف يمتص جنونها. بقالهم 3 سنين مع بعض، وأخيراً حددوا الميعاد. قعدت تحكي لي عن الفستان والقاعة والزفة، وأنا مبتسمة وبسمع، لحد ما قالت لي الجملة اللي سدت نفسي:
“أنا قلت مفيش حد هيعمل بوفيه فرحي غيرك.. وهتعمليهولي هدية بمناسبة الفرح!” حسيت بـ “شرقة”. مش عشان الطلب نفسه، بس عشان الاستهطاع. كأني شغالة عندها، أو كأن مجهودي وشقى سنيني ملهوش قيمة لمجرد إننا ولاد عم. حكايات رومانى مكرم قلت لها بكل هدوء: “يا منى، على عيني، بس دي ميزانية كبيرة. المكونات لوحدها بمبلغ، والعمالة، والوقت. أنا أعملك أحلى خصم عشان إنتي بنت عمي، ونرتب قايمة تشرفك بميزانية معقولة.”
صوتها اتغير فجأة، وبان فيه “النبرة” المتعالية بتاعت زمان: “خصم إيه يا بنتي؟ بقولك ده هيبقى إعلان ليكي، كل صحابي “الهاي” هيدوقوا أكلك، ده إنتي المفروض تدفعي لي عشان تخلي أكلِك في فرحي!” لما لقتني ناشفة ومش هتنازل، قالت لي جملتها الشهيرة: “خلاص، هجيب حد أحسن منك وبيفهم في الأصول.” ومن ساعتها، الأخبار انقطعت. عرفت من ماما إنها “لقيت متعهد أكل تاني ورخيص وزي الفل”. قلت في بالي “الله يسهل لها، المهم أركز في شغلي.”
حكايات رومانى مكرم الأسابيع اللي سبقت فرحها كنت مطحونة، أفراح ومناسبات ومبنامش. وجيه يوم فرح “منى”.. وأنا طبعاً “مغضوب عليا” ومجاليش دعوة. وفجاء تاني يوم الصبح… ولسه الشمس بتفرك عينيها، الموبايل عندي عامل زي صفارة إنذار. مكالمات من أرقام غريبة، مسدچات على واتساب، حتى رسائل على صفحة الشغل. أول ما رديت على رقم من اللي كانوا بيرنوا، لقيت واحدة صوتها مخنوق: “إلحقينا يا أستاذة… إنتِ مش قريبة العروسة؟ الأكل بايظ! الناس بترجّع في الحمام!” قلبي وقع في رجلي.
قفلت، لسه بحاول أستوعب، قام رقم تاني. واحدة أعرفها من زبايني: “هو إنتي اللي عاملة فرح منى؟” قلت بسرعة: “لا والله، أنا ماليش دعوة.” سكتت ثانية وقالت: “طب الحمد لله… عشان اللي حصل مبارح فضيحة. الرز معجن، الفراخ ريحتها مش مظبوطة، والسلطات كانت م.يتة. الناس مشيت قبل التورتة!” قعدت على طرف السرير ووشي سخن. مش شماتة… والله ما كانت شماتة. بس إحساس غريب كدة… مزيج بين قهر قديم وراحة صغيرة إني مابعتش نفسي. — ماما دخلت عليا المطبخ بعدها بساعة، قالتلي:
“منى كانت بتعيّط امبارح في آخر الفرح. عمك وشه كان أسود. نص المعازيم مشيوا، وناس اتسمموا خفيف وراحوا مستشفى.” حطيت الكوباية من إيدي بهدوء. “يا ساتر يا رب.” قالت لي بصوت واطي: “ومن امبارح وهم بيدوروا عليكي.” لسه الجملة ما خلصتش… رن الموبايل. الاسم اللي منوّر على الشاشة: منى. بصّيت له ثواني. الغرور اللي كان في صوتها من كام أسبوع… رجع في وداني. رديت. صوتها كان مكسور، مش هو نفس الصوت: “إنتي فين؟” “في البيت.”
سكتت لحظة، وبعدين قالت بسرعة: “إحنا في مصيبة. المعازيم بيشتمونا على السوشيال، وفي ناس بتهدد ترفع قضـ ـية. المتعهد اختفى! قفل تليفونه ومحدش عارف له طريق. أنا لازم ألحق سمعتي… إنتي تقدري تعملي غدوة تعويض للناس المهمة النهارده؟” اتخضيت. “النهارده؟!” “آه! في الفيلا بتاعة طارق. هنعزم الناس الكبيرة بس. نلم اللي حصل. بالله عليكي.” الجملة الأخيرة كانت أول مرة أسمع فيها كلمة “بالله عليكي” منها. سكت شوية. د.ماغي شغالة حسابات: المكونات؟ الوقت؟ العمالة؟ الضغط؟ والأهم… سمعتي أنا.
قلت لها بهدوء: “يا منى، الشغل ده مش لعبة. لو هعمل حاجة، هتتعمل صح. بس مش ببلاش.” سكتت. السكوت بتاعها المرة دي ما كانش فيه تعالي… كان فيه ابتلاع كبرياء. “قولي الرقم.” قلت لها رقم محترم… مش مبالغ فيه، بس يغطّي التكلفة والضغط اللي هتحطني فيه. سمعت شهقة خفيفة. واضح إن الرقم “فوق خيالها”، بعد ما كانت شايفة إن شغلي إعلان مجاني. “مافيش خصم؟” ابتسمت لنفسي. “فيه… ده سعر بعد الخصم.” عدّت ثواني طويلة… وبعدين قالت:
“ماشي.” — قفلت وأنا قلبي بيدق جامد. مش عشان الفلوس… عشان الاختبار. لو قبلت، أنا بدخل نفسي في معركة تحت ضغط رهيب. لو رفضت، هيفضل في كلام يتقال: “سابِت بنت عمها في المصيبة.” لبست بسرعة، ونزلت على مطبخي في وسط البلد. أول ما فتحت الباب، ريحة التوم والبصل اللي متشربة في الحيطان استقبلتني كأنها بتقول: “يلا يا أسطى، ورّينا.” لمّيت الفريق: سامح الشيف المساعد، أم عبده بتاعة المحشي، وولاد السيرفيس. قلت لهم بصراحة: “إحنا داخلين عملية إنقاذ. الوقت قليل، والغلط ممنوع.”
سامح سألني: “لحد فين؟” قلت: “لحد ما الناس تنسى كارثة امبارح وتفتكر بس إن في حد أنقذ الليلة.” بدأنا نشتغل كأننا في سباق. لحمة طازة، فراخ من مورد مضمون، خضار بنختاره بإيدينا. أنا واقفة على كل حلة، أدوق، أزبط ملح، أزود سمنة بلدي. المطبخ كان مولّع نــ ــار، عرق، صوت طشّة الزيت، وصوتي وأنا بقول: “عايزة الأطباق دي تطلع تتشاف قبل ما تتداق.” في نص الزحمة، جالي مسدچة من رقم غريب. فتحته… لقيت سكرين شوت من بوست على فيسبوك.
واحدة كاتبة: “كارثة تنظيم وأكل في فرح منى بنت فلان… محدش يتعامل مع المتعهد ده.” التعليقات تحتها نــ ــار. قلبت الصورة… لقيت حد كاتب: “الحمد لله مش كانت عاملة البوفيه الست بتاعة وسط البلد، دي أكلها مضمون.” وقفت لحظة، وابتسمت. السمعة… دي اللي بتحارب عنك حتى وإنتي مش موجودة. رفعت راسي وقلت للفريق: “شدّوا حيلكم. الليلة دي مش عشان منى… الليلة دي عشان اسمنا.” وبين صوت النــ ــار اللي بتغلي، والمواعين اللي بتترص، كنت حاسة إن اليوم ده مش بس إنقاذ فرح…
ده امتحان كبير لقلبي أنا. ولسه… اللي جاي أصعب. حكايات رومانى مكرم بعد ما فرغنا من تجهيز الأكل وتعويض المصيبة، بدأنا ننقل الأطباق على العربيات الصغيرة للفيلا. الجو كان مشحون… كل ثانية محسوبة. الفراخ سخنة، الرز متظبط، السلطة طازة… وكل حاجة لازم تطلع مظبوطة كأنها على طبق “ميكروفيلم”. وصلنا للفيلا، والناس مستنية، عيونهم بتراقب كل حركة. منى كانت واقفة في ركن، باصصة علينا بعينين فيها خليط من الإحراج والغضــ . ــب، ومفيش أي كلمة حب من أول فرحها. واضح إنها حسّت بعظمة الضغط اللي احنا قاعدين نتــ. ــحمل فيه.
بدأنا نرص الأطباق على الطاولات… كل طبق لازم يكون perfect. حتى التورتة… كانت لازم تبان كأنها لوحة في معرض. سامع صوت الناس اللي بيشتموا اللي حصل امبارح… وبيبصوا حوالينا… كأنهم بيقولوا: “هل ده فعلا اللي هينقذنا؟” منى حاولت تقف بين الضيوف وتدير الموقف، لكن واضح إنها مضطرة تبتسم. حد من الضيوف قرب وقال: “ده أكلكم… ياجماعة… حقيقي مختلف عن البارحة.” ابتسمت لنفسي… دي أول كلمة اعترفت فيها الناس باللي احنا عملناه. كنت واقفة جنب الشيف سامح، وبصحه:
“ماتسيبش طبق غير لما يتأكد كل حاجة مظبوطة… أنا هابص على الطاولات، وبعدين نعدي على الناس واحدة واحدة.” الفريق كله مركز… كل واحد بيعرف دوره. المطبخ كله صار هدوء في العاصفة. الحركة كانت سريعة، لكن منضبطة. منى كل شوية تبصلي… وانا مش بحس بأي غضــ . ــب… بس تحدي، كأنها بتقول: “مش هتعمليها تاني.” بس أنا عارفه… مش مهم. السمعة عملت نص المعركة. وفي نص الشغل… واحد من الضيوف وقف وقال بصوت عالي: “ده… ده الأكل ده… يستاهل أي فلوس!”
الكل بصّ على المطبخ… وابتسامة خفية جت على وجهي. ده اللي كنت محتاجه… اعتراف الناس، ومفيش أي حد يقدر يقلل من شغلي تاني. منى وقفت في آخر القاعة، وشفت كل حاجة تمام… وشربت نفس طويل، واضح إنها فهمت الدرس الأول من اللي بيحصل لما حد يحاول يستخف بشغلك. الليلة دي كانت مش بس تعويض عن فرح، كانت درس لكل حد فاكر إن “البريستيج” ما بيتعملش إلا ببلاش. حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
بعد ما الناس خلصوا أكلهم، والضحك والفرحة رجعوا للفيلا، حسّيت بثقل اليوم بيخف شويّة. كل طبق رُصّ مكانه، كل فاكهة مقطعة بطريقة حلوة، وكل طبق حلويات كأنه تحفة. الفريق اتلم حواليّا، وعينيّ عليهم فخورة. كل واحد فيهم حسّ إنه كان جزء من إنقاذ ليلة ما كانش حد فاكر إنها هتنقذ. منى فضلت واقفة في ركنها… بصّتلنا من بعيد، من غير كلام. يمكن فيها إحساس بالند.م، يمكن بس صد.مة من واقع إن شغل حد مش بيركّب ببلاش. أنا معرفش، وما كانش مهم. المهم إني أنا حسّيت إني كسبت احترام نفسي قبل أي حد.