روايات

زهرة وزين

كان رافض تماماً يسمعلها. أي كلمة كانت ممكن تقولها كانت بتترجم عنده لغيرة وشعور بالخـ,ـيانة. ازاي بنت عمه، اللي كانت تحت عينيه، تعمل كده؟ ازاي تحط راس عمهم في الطين بالمنظر ده؟ مفيش أي مبرر. كل اللي كان عايزه هو الصمت، يمكن الصمت يطفي النــ ــار اللي جواه. هي كانت بتبص له بعينيها اللي غرقانة في الد.موع، وكأنها بتترجاه يديها فرصة تتكلم، يديها فرصة تدافع عن نفسها، بس هو كان باصص للطريق قدامه، مصمم إنه مش هيفتح مجال لأي حوار. مش دلوقتي. ولا يمكن أبداً.وصلوا قدام الفيلا الكبيرة في القاهرة. زين وقف العربية ومطفيش المــ .

ــوتور، فضل ساكت كام دقيقة، كأنه بيجمع شتات نفسه أو بيفكر في المصيبة اللي بقت لازقة فيه. زهرة كانت لسه بتعيط بصمت، خايفة ترفع راسها وتبص له. بص ناحيتها بنظرة كلها غضـ,ـب واشـ,ـمئزاز، عينيها كانت حمرا ومورمة، بس نظراته كانت حادة زي السـ,ـكين. صوته طلع ناشف ومقرف: “اسمعي كويس اللي هقولهولك ده يا زهرة. هنا في القاهرة، مفيش أي حد هيعرف إنك مراتي. انتي هتبقي الخدامة الجديدة اللي جاية من البلد عشان تشتغل في الفيلا. فاهمة؟”

زهرة رفعت وشها بصد.مة، الد.موع وقفت في عينيها للحظة. “خدامة؟” قالتها بصوت خافت، كأنها مش مصدقة اللي سمعته.

“أيوه، خدامة. وهتسمعي الكلام اللي يتقال بالظبط. ولا كلمة زيادة ولا كلمة ناقصة. وحسك عينك حد يعرف الحقيقة. لو ده حصل، وحياة عمي اللي بقى في الحالة دي بسببك، لهتشوفي وش زين اللي عمرك ما شفتيه. مفهوم؟” كمل كلامه، ونبرته كانت بتتوعد، وعنيه بتوعد بالأسوأ لو ما سمعتش كلامه. نظراته كانت بتخترقها، بتخليها تحس إنها ولا حاجة، مجرد وصمة عار.زين نزل من العربية ورزع الباب وراه، وزهرة نزلت وراه بخطوات بطيئة، حاطة وشها في الأرض زي ما يكون بتعد تراب الأرض اللي ماشية عليه. حست بنظراته اللي بتلسعها في ضهرها، كأنه عايز يحــر . ــقها من مكانها.

صفحة الكاتبة ملك إبراهيم زين دخل الفيلا الكبيرة وهو بينادي بصوت عالي: “يا سنية! يا سنية!” سَنِيّة، مديرة الشغل في الفيلا واللي كانت كبيرة في السن، طلعت تجري على صوته. “أيوة يا بيه، حمد الله على السلامة.” زين بص على زهرة اللي كانت واقفة بعيد شوية، كأنها خيال، وقال بصوت عالي ومسموع، وكأنه قاصد كل كلمة توصل لمسامعها: “دي زهرة، خدامة جديدة جبتها من البلد. هتشتغل معاكم هنا. وريها شغلها وقوليلها على كل حاجة.”

الكلمات دي كانت زي السكاكين اللي بتغرز في قلب زهرة. حسيت إن روحها بتتسحب منها مع كل حرف. نظرة سنية ليها كانت نظرة عادية، نظرة عاملة لزميلة ليها، لكن في عيون زهرة كانت نظرة احتقار عالمية. الد.موع اللي كانت بتحاول تحبسها، نزلت تاني بصمت، حــر . ــقت وشها المجهد. سنية هزت راسها وقالت: “حاضر يا بيه. تعالي يا بنتي معايا.”

زهرة ما رفعتش راسها، بس مشيت ورا سنية زي الطفلة التايهة، خطواتها كانت بتجر وراها ألم الدنيا كله. كل ما بتبعد، بتحس إنها بتفقد أكتر وأكتر من نفسها، وبتتأكد إن “مظلومة” دي كلمة محدش هيسمعها ولا يصدقها أبداً.عدى شهر، وكل يوم كان بيعدي على زهرة كأنه سنة. حياة الخدامة الجديدة كانت صعبة ومُهينة، خصوصًا لما كانت كل تفصيلة فيها بتفكرها بحياة تانية كانت عايشاها كبنت عم زين، مش مجرد “زهرة الخدامة”. كانت بتصحى بدري، تعمل شغل البيت، وتنام وهي بتعيط بصمت كل يوم، كلمه “مظلومة” بقت زي ترنيمة حزينة جواها. زين كان بيتجنبها تمامًا، وكأنها شبـ .

ــح، ونظراته لو صادفها كانت دايماً باردة ومُنفّرة. في يوم، سنية قالت لها إن الفيلا النهاردة هتكون مقلوبة، عشان فيه حفلة كبيرة زين عاملها لشركة بتوعه، وهي لازم تساعد في التجهيزات والتقديم. الحفلة دي كانت اختبار حقيقي ليها. لبست زهرة زي الخد.م الموحد، الفستان الأسود الطويل والمريلة البيضا، حسّت إنها اتقطعت عن هويتها القديمة تماماً، بقت مجرد جزء من ديكور الفيلا. بالليل، بدأت الفيلا تتحول لقاعة استقبال فخمة، أضواء وديكورات وموسيقى هادية. المعازيم بدأوا يجوا، زهرة كانت بتتحرك بينهم بسرعة، بتقد.م المشروبات والأطباق وهي بتحاول متلفتش أي انتباه ليها. وفجأة، عينها وقعت عليه. زين.

كان واقف وسط مجموعة من رجال الأعمال، لابس بدلة سودا شيك أوي، وشعره متسرح بعناية، وسامته كانت بتخطف الأنفاس. الابتسامة المهذبة اللي كانت على وشه وهو بيتكلم كانت بتضوي المكان، وبتخلي كل اللي حواليه ينجذبوا ليه. كانت بتبص عليه من بعيد، وهو مش دريان بيها، قلبه فجأة دق بطريقة غريبة. رغم كل الوجع والغضــ . ــب اللي سببهولها، سحره ووسامته خلوا قلبها يتأرجح، للحظة نسيت كل حاجة وحست إنها بتنجذب ليه زي الفراشة للنور، سحره كان قوي لدرجة إنها حست بلمعة في عينيها.وفي عز ما قلب زهرة كان بيرفرف لزين اللي كأنه نجم ساطع وسط الحفلة، ظهرت بنت زي القمر.

كانت لابسة فستان سهرة أحمر يبرز جمالها، ولفتت الأنظار كلها بمجرد دخولها. خطت خطوات واثقة وراحت لزين مباشرةً، حطت إيدها في دراعه بدلال وثقة كأنها صاحبة المكان، وابتسامة واسعة زينت وشها. زين ابتسم لها هو كمان وبادلها الكلام، وكأن وجودها كان طبيعي ومألوف. زهرة شافت المشهد ده بعينيها، وهي بتقد.م طبق مالح لأحد الضيوف. قلبها اللي كان لسه بيدق على وسامة زين، حس إنه بيتقطع. مين دي؟ وايه مكانتها في حياة زين؟ الأسئلة دي دارت في بالها وهي بتحاول تكتم غيرتها اللي بدأت تشعل قلبها.

لكن في نفس الوقت، كان فيه عيون تانية متابعة زهرة في صمت. أياد، صاحب زين المقرب وشريكه في الشغل ورجل أعمال مرموق زيه بالظبط، كان واقف في ركن هادي بيراقبها. كانت لسه بتتحرك بين الضيوف بزي الخد.م الموحد، لكن كانت بتشع ببراءة ورقة خطفت عينه. لاحظ حركتها الهادية، عينيها اللي كانت بتلمع رغم الحزن، وشكلها اللي كان مختلف عن أي بنت شافها في المجتمع ده. عجبه فيها شيء غامض، وكان فضوله بيزداد معاها كل ثانية. تابعها بنظراته الذكية والنافذة، وكأنه بيشوف جوهرة مخبأة وسط كومة رمل.الحفلة كانت شغالة على ودنها، والمشروبات بتدور على الكل.

أياد، اللي كان بيشرب زيادة عن اللزوم، عينيه فضلت تتابع زهرة لحد ما شافها داخلة المطبخ عشان تجيب طلب جديد. الشرب كان عمل شغله فيه، مخه كان فصل، وراح وراها بخطوات مش متزنة. زهرة كانت بتلم الأطباق وهي سرحانة، لما حست بحد وراها. لفت وشها بسرعة لقت أياد واقف وراها بالظبط، وعينيه لمعتها غريبة. قلبها اتنفض، حاولت تبعد خطوة لورا، لكن هو كان أسرع. مد إيده ناحيتها، حاول يلمسها، وهي رجعت لورا بخوف. “إيه اللي بتعمله ده يا أستاذ أياد؟!” قالتها بصوت خافت فيه رجفة.

هو ما ردش، حاول يقرب أكتر، يلمس وشها. زهرة اتجمدت من الرعب، حست إن الخطر حقيقي وقريب. صرخت صرخة عالية، اخترقت صوت الموسيقى والضحكات، صرخة كلها خوف ورعب. صوت الصرخة العالية خلا كل اللي في الفيلا يتسمروا في مكانهم. الموسيقى وقفت، والكل بص ناحية مصدر الصوت. زين، اللي كان بيتكلم مع البنت الجميلة، اتخض وجري على جوه بسرعة، قلبه اتقبـ . ــض إحساس مش حلو. دخل المطبخ لقى زهرة واقفة بتترعش، والد.موع مغرقة وشها، وأياد ماسك وشه اللي بينزف د.م من مناخيره.

زهرة أول ما شافته جريت عليه، حـ,ـضنته وهي بتترعش وبتعيط هستيري، كأنها بتتحامى فيه من وحش كاسر. أياد بص على زين بغضــ . ــب، صوته كان متقطع وهو بيقول: “البنت دي… البنت دي مش كويسة يا زين! كانت عايزة تعمل معايا عـ ـلاقة، ولما رفضت، ضـ,ـربتني في وشي!”

كلماته نزلت على زين زي صاعقة، خصوصًا إنه حاسس بذنب تجاه أياد. بص لزهرة اللي كانت لازقة فيه وبتعيط، الغضــ . ــب والحيرة كانوا بيتعاركوا جواه.زين بصلها بصد.مة، كلام أياد رن في ودانه زي الجرس. ازاي يتجرأ أياد يقول كلام زي ده؟ وفجأة، الشك القديم، الفضيحة اللي هرب منها، كلها رجعت تضـ,ـرب في د.ماغه زي المطارق. بص لزهرة اللي لسه ماسكة فيه وبتعيط، كأنها بتستنجد بيه، بس في عينيه ما بقاش فيه غير غضــ . ــب أعمى.

“مش كويسة؟” الكلمة كانت بتردد في راسه وهو بيبص لها باشمئزاز. “أنا اللي صدقتك، أنا اللي سترت عليكي… عشان في الآخر تطلعي زي ما كنتي متهمة بالظبط!” قبل ما زهرة تقدر تنطق بحرف واحد، إيد زين كانت نزلت بقوة على وشها. القلم كان صوته يرن في المطبخ اللي سكت تماماً. زهرة حطت إيدها على خدها المضروب، وعينيها كانت مليانة دهشة ووجع أكبر من القلم نفسه. “قومي!” صرخ فيها، وسحبها من إيدها بقوة لدرجة إنها كادت تقع. كان بيسحبها وراه، ومشي بيها وسط نظرات كل اللي في الحفلة، اللي كانوا مصدومين من المشهد.

“فين؟ موديني فين؟” قالتها بصوت متقطع، والخوف بان على وشها. فضل ماشي بيها وهو بيجرها وراه لحد باب في آخر الفيلا ما بيستخد.موش كتير. فتحه، وظهر بدروم مظلــ . ــم وموحش. “هنا!” قالها بصوت غاضب وهو بيدفها لجوه. زهرة وقعت جوه، والظلــ . ــمة ابتلعتها. “لا… لا يا زين! أنا بخاف من الضلمة!” صرخت وهي بتحاول تطلع، بس هو كان سد الباب بجسمه. “تخافي من الضلمة؟” قالها بنبرة سخـ ــرية مريرة، “أنتي اللي عملتي الضلمة في حياتنا كلنا. خليكي هنا يمكن تعرفي يعني إيه فضيحة ووجع!”

ورزع الباب وراها بقوة، وسابها في الضلمة لوحدها، بتعيط وبتصرخ باسمه، وهو واقف بره الباب، الغضــ . ــب مسيطر عليه تماماً، وكأنه شايف إنها فضحتهم تاني، وإنها بنت مش كويسة ولا تستاهل أي رحمة. صفحة الكاتبة ملك إبراهيم الحفلة انتهت أخيراً، والضيوف مشيوا تاركين وراهم الفوضى والصمت المطبق. زين دخل أوضة مكتبه، قعد على كرسيه الجلدي الفخم، والغضــ . ــب لسه بيحرك كل خلية جواه. حط راسه بين إيديه، د.ماغه كانت بتغلي. هو دلوقتي عنده “عار” تاني لازم يدفـ,ـنه، ومستقبل عمه اللي كان بيتمنى يرجعله، باظ تاني. كان بيفكر يعمل إيه معاها، يخلص من عارها ده إزاي.

في نفس الوقت، تحت في البدروم، زهرة كانت بتعيط وتصرخ طول الليل، صوتها مبحوح من كتر الصراخ والخوف. الظلــ . ــمة كانت بتخنقها، وكل ركن في المكان الموحش ده كان بيكبر جواها الرعب. كانت بتحس إنها هتفقد عقلها، بس لا حياة لمن تنادي.

عند زين في المكتب، بعد ما قعد فترة طويلة يفكر في حلول مفيش ولا حل فيهم كان بيرضيه، فكرة خطرت على باله. مد إيده بسرعة وفتح شاشة الكمبيوتر، وعليها برنامج كاميرات المراقبة الخاصة بالفيلا. كان عايز يشوف بنفسه إزاي زهرة كان عندها الجراءة إنها تعمل اللي عملته مع أياد، وتتعرضله بالشكل ده. كان عايز دليل مادي يثبت لنفسه إن كلام أياد كان صح، وإن ظنونه فيها كانت في محلها، عشان يقدر ياخد قراره بقسوة ويخلص من الحوار ده كله. بدأ يرجع مقاطع الفيديو لحد ما وصل لوقت دخول أياد المطبخ.عين زين كانت متسمرة في الشاشة، بيتابع كل حركة.

شاف زهرة وهي بتتحرك طبيعي جداً في المطبخ، بتخلص شغلها بهدوء، مفيش أي حاجة غريبة في تصرفاتها. بعدين، شاف أياد وهو داخل المطبخ، خطواته مش متزنة، ملامحه متغيرة بسبب الشرب. شاف إيده وهي بتحاول تمتد لزهرة، وهي بترجع لورا بخوف. شاف زهرة وهي بتدافع عن نفسها، بتبعد عنه بكل قوة عندها، عينيها كانت بتصرخ بالرفض والخوف. ولما أياد أصر على الاقتراب، شافها بترفع إيدها وبتضـ,ـربه، بعدها صرخت صرختها اللي هزت الفيلا كلها. كل تفصيلة في المشهد ده كانت بتوضح براءة زهرة وشرفها، وإنها كانت ضحيــ .ــة محاولة اعتـ . ـــدا مش أكتر.

الد.م في عروق زين اتجمد. إزاي قدر يصدق أياد؟ إزاي قدر يشك فيها، ويعمل فيها كده؟ الكاميرات كانت بتكشف الحقيقة المرة، حقيقة إنه ظلــ . ــمها ظلــ . ــم بين، وإنها كانت صادقة في كل كلمة قالتها. وش أياد وهو بينزف، كان دليل على دفاعها عن نفسها. زين حس إن الأرض بتتهز من تحت رجليه.تفكيره كان زي الدوامة، كل كلمة قالها أياد، وكل شك اتزرع جواه، اتحول لسكاكين بتقطع في ضميره. شافها بوضوح في التسجيل، براءتها كانت بتصرخ في كل حركة. هي فعلاً مظلومة، مظلومة منه هو بالذات. أياد الكداب، أياد اللي استغل غضــ .

ــبه وقهره عشان يلبسها تهمة هي بعيدة عنها كل البعد. قام من مكانه بصد.مة، الكرسي اتقلب وراه، بس هو ما حسش بيه. خرج يجري من المكتب زي المجــ . ــنون، ملامحه كانت متغيرة تماماً، الخوف على زهرة حل محل الغضــ . ــب اللي كان مسيطر عليه. نزل السلالم خطوتين خطوتين، وصل عند الباب اللي رزعها وراها. الظلام اللي كان بيحس إنه العدو دلوقتي، كان لازم يزيحه عنها. فتح الباب بسرعة، المكان كان ساكن تماماً. صمت موحش. نادى عليها: “زهرة! يا زهرة!” صوته كان بيرجف، مفيش رد. قلبه كاد يقف. شغل النور وهو بيجري خطوة لجوه، وفجأة، اتجمد مكانه.

زهرة كانت مرمية على الأرض، جسمها هزيل، وشها شاحب، باين عليها آثار العياط والخوف. مغمى عليها. المنظر ده كان كفيل يهد جبل، فما بالكم بقلب زين اللي كان لسه مكتشف قد إيه ظلــ . ــمها. ركع جنبها بسرعة، حسس نبضها، قلبه بينزف على حالتها اللي وصلتها بسببه.زين شالها بين إيديه بحرص، حس بوزنها الخفيف اللي كان بيعكس قد إيه هي مرهقة وضعيفة. طلع بيها على أوضته، حطها على سريره بهدوء، ومغطاها كويس. وجهها الشاحب كان بينطق بالخوف والتعب. على طول، اتصل بالدكتور وهو صوته فيه قلق مش طبيعي.

بعد شوية، الدكتور وصل، كشف على زهرة، ولما خلص بص لزين بنظرة فاهمة. “المدام اتعرضت لصد.مة عصبية عنيفة يا أستاذ زين. لازم راحة تامة، ومتقلقوش، العلاج اللي كتبتهولها هيهديها ويخليها ترتاح. أهم حاجة تبعدوها عن أي توتر أو ضغط نفسي.” روايات ملك إبراهيم زين هز راسه وهو حاسس إن كل كلمة من الدكتور بتزيد جواه شعور بالذنب والقهر. الدكتور مشي، وساب زين وزهرة لوحدهم.

زين قعد على كرسي جنب السرير، وسهر جنبها طول الليل. كان بيتأمل ملامحها، لأول مرة يشوفها بالشكل ده، بعيد عن الغضــ . ــب والأحكام المسبقة. ملامحها الهادية وهي نايمة، رموشها الطويلة اللي كانت مبلولة بالد.موع، وشها اللي كان بينطق بالبراءة. اكتشف قد إيه هي جميلة، جمال هادي ومختلف، مش جمال صاخب زي اللي كان متعود عليه في عالم القاهرة. كل نفس بتاخده، وكل حركة خفيفة منها، كانت بتخليه يحس بغصة في قلبه. الألم اللي سببتهولها كان كبير، وذنبها مكنش موجود غير في خياله المريض. كان بيتمنى الزمن يرجع بيه عشان يصلح كل اللي عمله، بس كان فات الأوان.

دلوقتي، كل اللي يقدر يعمله هو إنه يفضل جنبها، ويحاول يصلح اللي كسره.بعد تلات أيام، زهرة كانت لسه بتتعافى، جسمها ضعيف وروحها منهكة. كانت نايمة على سرير زين الفخم، واحدة من الخدامات بتساعدها تاكل شوية شوربة، بتحاول تدخل فيها أي حاجة عشان تستعيد قوتها. زين دخل الأوضة، بخطوات هادية، أول ما عيون زهرة وقعت عليه، جسمها كله انتفض بخوف واضح. الكوباية كادت تقع من إيدها، والخدامة لاحظت ارتجافتها. زين لمح ده، الإحساس بالذنب لسع قلبه تاني.

طلب من الخدامة بهدوء إنها تسيبهم لوحدهم. الخدامة خرجت بسرعة وهي بترمي نظرات قلق على زهرة. زين قرب من السرير، قعد قدامها، وبدأ يبص لها مباشرةً. زهرة كانت بتبعد عينيها عنه، نظراتها مكسورة وخايفة، مش قادرة تواجه عيونه. زين أخد نفس عميق، وصوته القوي اللي كان دايماً بيخوفها، طلع منه نبرة محايدة ومحاولة للفهم: “زهرة… أنا عايز أسمعك. عايزك تحكيلي كل اللي حصل، بالتفصيل.”

سكت لحظة، وبعدين كمل، وصوته بدأ يبقى فيه حدة خفيفة، كأنه بيحاول يمسك آخر خيط من الشك جواه: “مين اللي غلطتي معاه؟ ومين اللي كنتي حامل منه؟ عايز أعرف الحقيقة كاملة، من غير كدب ولا لف ودوران.”

نظرة زهرة ثبتت عليه للحظة، نظرة فيها ألم وغضــ . ــب ووجع كل اللي فات. السؤال ده كان السكـ,ـين اللي كل مرة يطــ . ــعنها بيها.زهرة بدأت تتململ على السرير، وفتحت عينيها ببطء. أول ما عينيها وقعت على زين اللي قاعد جنبها، ملامح الخوف والوجع رجعت ترتسم على وشها، بس المرة دي كانت ممزوجة بغضــ . ــب جامد. رفعت راسها بصعوبة وقالت بصوت مجهد، بس مليان قوة: “أنا قولتلك قبل كده إن أنا مظلومة، وإن أنا ما عملتش أي حاجة غلط!” كلمات كانت بتقطع النفس وهي بتخرج من صدرها. “بس أنت رافض تصدقني، ورافض تسمعني!”

بصت له مباشرة في عينيه، نظرة مليانة تحدي وألم، وتابعت: “خذني عند أي دكتورة… أي دكتورة نساء تبعك، خليها تكشف عليا وتقولك إذا كنت مظلومة ولا لا.” صوتها كان بيعلي وبيتهدج، “أنا بنت شريفة يا زين! ومفيش أي راجل لمسني في حياتي كلها!”

كانت الكلمات دي زي رصـ,ـاص بيصيب قلبه. كل كلمة كانت بتأكد قد إيه هو ظلــ . ــمها، وقد إيه الشك أعمى بصيرته.زين حس إن كل كلمة بتقولها كانت بتصدقها روحه قبل عقله، بس كبرياؤه وغضــ . ــبه اللي تربى عليه لسنين طويلة خلاه يقاوم الإحساس ده بقوة. قام من مكانه ووقف قدامها، صوته كان أقوى من نبرتها الغاضبة: “أنتي كدابة! مرات عمي قالتلي بنفسها إنك غلطتي مع واحد وكنتي حامل منه… دي كانت فضيحة!”

زهرة بصتله بقوة وثبات، نظرة مفيش فيها أي خوف، بس كلها ألم وانكسار: “أمي كدبت عليك!” الكلمة دي نزلت على ودانه زي الصاعقة، “كدبت عليك عشان تكون مضطر تتجوزني عشان خاطر عمك!” سكتت لحظة، كأنها بتجمع كل قواها عشان تكمل الكلام اللي كتمته جواها طول المدة دي: “أبويا اتشل يا زين! اتشل من قهره بعد ما خسر أرضه ومبقاش حيلته حاجة في الدنيا دي. أمي شافت إن مفيش حل تاني، وإنها لازم تتصرف عشان تساعدهم بالفلوس. ولما أنا رفضت أتجوزك… عملت الحكاية دي.”

الد.موع بدأت تتجمع في عينيها وهي بتكمل، وصوتها اتخنق بالعياط: “خلتها تقولك كدبة الفضـ,ـيحة عشان تتجوزني غصب عني… وتنقذهم من الفقر، ومن غيرتهم عليك. كل ده عشان فلوسك!”زين واقف مصدوم، كلام زهرة نزل عليه زي الصاعقة، بس عقله رافض يصدق. أمها بالبشاعة دي؟ تستغل ظروفها وعمها عشان تلفق تهمة زي دي؟ مستحيل. “أنتي كدابة!” قالها بصوت عالي، بيحاول يقنع نفسه قبل ما يقنعها. “أنتي بتقولي أي حاجة عشان تخرجي نفسك من اللي أنتِ فيه. وأنا مش هصدق. أنا هاخدك للدكتورة دلوقتي، دلوقتي حالاً، عشان أكشف كدبك ده قدام عيني!”

مسك إيدها بقوة، مكنش فيه مجال للنقاش. نزل بيها السلالم، وكل ما تنزل خطوة كان بيحس إن قلبه بيتقبـ . ــض. ركبوا العربية، وساق بسرعة جنونية ناحية أقرب مستشفى خاص يعرفها، أو أي دكتورة يقدر يثق فيها.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى