روايات

زهرة وزين

وصلوا المستشفى، وزين مكنش في وعيه، طلب من الاستقبال دكتورة نساء فوراً. دخلت زهرة مع الممرضة، وزين واقف بره الأوضة رايح جاي، قلبه بيدق بسرعة، خوف وقلق ممزوجين بشك مش عايز يسيبه. دقايق مرت عليه كأنها ساعات. أخيراً، باب الكشف اتفتح، وخرجت الدكتورة بهدوء. زين جرى عليها، عينيه بتسألها قبل ما لسانه ينطق. الدكتورة بصتله بنظرة هادية، وقالت بصوت واضح وثابت: “يا أستاذ زين، المدام… آنسة. بنت عـ,ـذراء.”

الكلمات دي نزلت على زين زي حكم بالإعـ,ـدام. بنت عذراء. يعني كل اللي قاله أياد كدب، وكل اللي قاله عمها كدب، وكل اللي اتهمها بيه هو نفسه كان كدب. وأمه! أمه هي كمان كدبت عليه! الدنيا كلها لفت بيه، وحس إن كل حاجة كان بانيها في حياته مجرد أكاذيب. الظلــ . ــم اللي عمله في زهرة دلوقتي بقى واضح قدام عينيه زي الشمس.بعد ما كلمات الدكتورة اخترقت أذنه ووصلت لقلبه، زين اتجمد مكانه. الضـ,ـربة كانت قوية، مش مجرد اعتذار ممكن يصلح اللي حصل.

زهرة خرجت من غرفة الكشف، ملامحها متجمدة، لا فيها خوف ولا حزن، بس قوة غريبة وعيون بتلمع بند.م وحقد كبير. وقفت قدامه، نظرتها كانت بتخترقه، وكل كلمة بتخرج منها كانت أقوى من القلم اللي ضـ,ـربها بيه: “دلوقتي صدقت؟” قالتها وصوتها فيه مرارة عمرها ما سمعها منه. “دلوقتي عرفت مين اللي بنت شريفة ومين اللي كداب؟” سكتت لحظة، وبعدين أخدت نفس عميق، وقالت بصوت واضح وثابت، زي اللي أخد قرار لا رجعة فيه: “طلقني يا زين. أنا مش عايزة أعيش معاك لحظة واحدة بعد اللي عملته فيا.”

كلمة “طلقني” رنت في ودانه، كأنها بتعيد إليه وعيه. لأول مرة زين يحس بالخوف بجد، خوف من خسارة زهرة اللي ظـ,ـلمها ظلــ . ــم عمره ما هيتغفر. إزاي يسيبها تروح وهو لسه مدفعش تمن اللي عمله فيها؟ إزاي يسيبها قبل ما يرد لها اعتبارها من كل اللي ظلــ . ــموها؟ الرفض كان رد فعله الأسرع. “لأ! مستحيل أطلقك!” قالها بصوت فيه أمر وغلبه، ومد إيده مسكها بقسـ,ـوة من دراعها. مكنش في وقت للمناقشة، ولا حتى للتفكير. سحبها وراه من المستشفى، ورجع بيها على الفيلا.

مكانش يقدر يسيبها تروح، لازم تكون تحت عينيه. لازم يصلح اللي كسره، بس بطريقته هو. وصل الفيلا، وفجأة، اتغيرت نبرته، عينيه لمعت بشيء أقوى من الغضــ . ــب، شيء بيشبه الانتقام، بس المرة دي عشانها. “أنتي مش هتطلعي من هنا يا زهرة.” قالها وهو بيسحبها لأوضتها، اللي كانت دلوقتي أوضته هو كمان. “مش هتعيشي بره الفيلا دي غير لما أجيبلك حقك من كل واحد ظلــ . ــمك. من أياد… ومن أمك… ومن أي حد اتجرأ يجيب سيرتك بكلمة وحشة. وهتشوفي بعينك إزاي زين بيه بيقدر يجيب حق اللي يخصوه.”

سابها في الأوضة، وأقفل الباب وراها. حبسها… بس المرة دي حبسها مش عشان يعاقبها، لكن عشان يحميها، ويجيب لها حقها. كانت لسه رهينة في قصره، لكن الوضع اختلف تماماً. زين كان بيتحول، بيستجمع كل قوته عشان يواجه عائلته والعالم كله، بس المرة دي، زهرة كانت في صفه.زين مكنش عنده وقت يضيعه. الصبح بدري، قبل ما أياد الكلـ. .ب يفكر يفتح بقه بكلمة زيادة أو يتصرف أي تصرف غبي، زين كان في طريقه لشركة أياد. دخوله كان زي الإعصار، ملامحه متجهمة وعينيه بتطلق شرار. مكنش بيبص لحد، توجه مباشرة لمكتب أياد.

فتح الباب بقوة، لقى أياد قاعد بيشرب قهوة ومبسوط زي كإنه عمل إنجاز. أياد اتفاجئ بوجود زين، وابتسامة مصطنعة رسمت على وشه: “أهلاً زين باشا… خير في حاجة؟” زين مسك أياد من ياقة قميصه بقوة، لدرجة إن وش أياد احمر. زين قرب وشه من أياد، وهمس بصوت واطي ومخيف، يادوب أياد هو اللي سمعه: “البت اللي كنت عايز تعتدي عليها دي، اللي اتهمتها بالكدب، دي تبقي مراتي. زهرة مراتي يا كلـ. .ب.”

بعدين، قبل ما أياد يلحق يستوعب الصد.مة، زين رفع إيده ونزل عليه قلم على وشه لدرجة إن أياد وقع من على كرسيه. الموظفين اللي كانوا بيعدوا من جنب المكتب، والمديرين اللي كانوا في المكاتب اللي جنبهم، كلهم طلعوا يشوفوا إيه اللي بيحصل. زين مكنش فارق معاه. شاور بإيده على شاشة الكمبيوتر اللي في المكتب، اللي كان عليها فيديو الحفلة وهو بيعرض لحظة اعتـ . ـــدا أياد على زهرة ودفاعها عن نفسها. “الڤيديو ده يا أياد، هو نهاية لعبتك القذرة.”

وهو بيبص للموظفين المصدومين اللي اتجمعوا حواليهم، قال بصوت عالي وواضح: “اللي بيحصل ده قدام عينيكوا، ده جزاء أي واحد يفكر بس يمد إيده على واحدة ست بريئة، خصوصاً لو كانت مراتي!”

وطلع من المكتب، وساب أياد مرمي على الأرض، وشوشة الموظفين بدأت تعلى، وسيرة الفضيحة اللي عملها زين لأياد في شركته انتشرت في كل مكان زي النــ ــار في الهشيم.زين بعد ما خلص من أياد، كانت وجهته اللي بعد كده هي البلد. كان لازم يواجههم، لازم يحط النقط على الحروف، وبالذات مع اللي كانوا السبب في كل اللي حصل لزهرة. وصل بيت عمه في البلد، ودخل البيت اللي كان مليان صمت غريب. عمه قاعد على كرسيه، ومرات عمه بتتحرك حواليه في صمت.

زين دخل وقعد قصادهم، مكنش فيه أي مقد.مات. بص لعمه اللي كان وشه متغير من الشلل، وبعدين لمرات عمه اللي كانت بتبص له باستغراب. “أنا عرفت الحقيقة كلها.” قالها زين بصوت ثابت وهادي، بس وراه بركان غضــ . ــب مكبوت. مرات عمه حاولت تتكلم، بس زين رفع إيده عشان يسكتها: “عرفت إنك يا مرات عمي، كدبتي عليا. كدبتي عليا وقولتيلي إن زهرة غلطت وكنت حامل، وكل ده عشان أجبرها على الجواز مني.” مرات عمه وشها اتخطف، وبدأت تتمتم بكلمات مش مفهومة، بتحاول تنكر.

“متحاوليش تنكري.” قالها زين وهو بيخرج تليفونه ويوريهم الفيديو بتاع كاميرات المراقبة اللي سجل اعتـ . ـــدا أياد على زهرة ودفاعها عن نفسها. “عرفت كل حاجة. وعرفت إن أياد كداب، وإن زهرة مظلومة، وإنها بنت شريفة زي ما قالت.” عينيه لمعت بغضــ . ــب وهو بيبص لمرات عمه: “وكل اللي حصلها ده، وكل اللي أنا عملته فيها، بسبب كدبتك البشعة. بسبب إنك اتفقتي مع أياد عشان تلفقولها تهمة تخليها تتجوزني عشان فلوسي!” بعدها، بص لعمه بنظرة لوم وحزن: “وأنت يا عمي، كنت فين من كل ده؟ ازاي سمحت بالكلام ده يحصل تحت سقف بيتك؟”

عمه مكنش قادر يرد، عينيه كانت بتلمع بالند.م والحزن، هز راسه بإيجاب ضعيف. “أنا عايزكم كلكم، أنتِ يا مرات عمي، وأنت يا عمي، تروحوا لزهرة، وتعتذرولها. تعتذرولها على كل كلمة، وعلى كل ظلــ . ــم، وعلى كل وجع سببتوهولها. عايزكم تردوا لها اعتبارها بنفسكوا. ده أقل حاجة ممكن تعملوها بعد اللي حصل.”

زين سابهم مصدومين من كلامه وخرج، تاركاً وراءه صمت أثقل من أي كلام، ومواجهة أثقل من أي عقاب. كان عارف إن المهمة لسه مخلصتش، بس على الأقل، بدأ يزيح الأكاذيب طبقة ورا طبقة.بعد ما خرج زين من بيت عمه، حس إن جبل اتشال من على صدره. رجع لزهرة في الفيلا، ودخل أوضتها بخطوات هادية. لقاها قاعدة على طرف السرير، بتبص قدامها بشرود. قعد جنبها، ومد إيده لمسها، بس سحبها تاني لما حس بتردد. “زهرة،” قال بصوت مكسور، “أنا جيتلك تاني.”

رفعت زهرة عينيها وبصتله، نظرتها كانت لسه مليانة حذر. “أنا لسه راجع من البلد،” كمل زين، صوته كان هادي ومتقطع، “واجهت عمي ومرات عمي بكل حاجة. عرفتهم إني عرفت كل أكاذيبهم، وإنك بريئة من كل تهمة.” زهرة فضلت ساكتة، بس لمعة خفيفة ظهرت في عينيها. “هما هيجولك هنا يعتذرولك بنفسهم،” قال زين، “وهيردوا اعتبارك قدام كل الناس. أياد في إيد القانون، ومحدش هيقدر يخرجه من اللي عمله. أنا حاولت على قد ما أقدر إني أرجعلك حقك من كل اللي ظلــ . ــموكي.”

سكت زين لحظة، وبعدين بص في عينيها مباشرة. “بس باقي أهم حق لازم تاخديه، وهو حقك مني أنا. أنا عارف إن كلامي، وشكي فيكي، وقسوتي عليكي، كل ده ميتغفرش. أنا اتعميت عن الحقيقة، وصدقت الكدب، وسبتك تعاني لوحدك.” نزل زين على ركبتيه قدامها، ومد إيده ليها بتردد. “زهرة، أنا آسف. آسف على كل لحظة وجع سببتها ليكي، وعلى كل د.معة نزلت من عينيكي بسبب جهلي وظلــ . ــمي. أنا مش بطلب منك تنسي، ولا بطلب منك ترجعيلي الحب اللي كان بينا. أنا بس بطلب منك تسامحيني على الأذية اللي عملتها فيكي. سامحيني عشان أقدر أسامح نفسي.”

نظرة زهرة كانت بتتنقل بين عينيه وإيديه اللي كانت ممدودة ليها. الصمت كان بيملأ الأوضة، صمت محمل بكل الألم اللي مروا بيه، وبكل الأمل اللي ممكن يكون لسه موجود.زهرة بصت لزين، وحسّت إن كل الكلمات اللي كانت مجهزة إنها تقولها اختفت. شايفاه قدامها مكـ,ـسور، ودي أول مرة تشوفه كده. الألم اللي في عينيها كان كبير، بس كلامه بدأ يكسر حواجز كتير جواها. بعد لحظة صمت طويلة، ردت زهرة بصوت خافت: “زين… اللي حصل مش سهل. الألم اللي عشته كان أكبر بكتير من إني أنساه أو أعديه بسهولة. أنا… أنا محتاجة وقت.”

زين هز راسه بتفهم، وقام وقف تاني. “أنا عارف يا زهرة. عارف إن اللي عملته مش هيتنسي بسهولة، وإن الكلمة دي صغيرة قدام حجم وجعك. وهاخد أي وقت تحتاجيه، وهستنى مهما طال الزمن.” مسك إيديها بحنية، المرة دي مكنش فيه تردد. “بس عايزك تعرفي حاجة، وأنا بقولها بكل صدق… أنا بتمنى من كل قلبي إنك في يوم من الأيام، توافقي تكوني مراتي. مراتي لآخر يوم في عمري. أنا بتشرف بيكي قدام كل الدنيا، وقدام نفسي، وقدام ربنا. أنتِ تستاهلي كل خير يا زهرة، وأنا مستعد أعمل أي حاجة عشان أثبتلك ده.”

ساب إيديها بهدوء، وساب الأوضة، تاركًا وراءه قلب زهرة اللي كان مليان صراع بين الماضي الموجع والمستقبل المجهول، بس لأول مرة من زمان، كان فيه بصيص أمل.وبعد شهور طويلة، قضاها زين في محاولات حثيثة إنه يعوض زهرة عن كل لحظة ألم مرت بيها. كان بيقف جنبها في كل خطوة، بيرد اعتبارها، وبيثبت براءتها قدام كل اللي شكوا فيها. مرات عمه وعمه جم واعتذروا لزهرة قدام الجميع، وظهرت الحقيقة جلية وواضحة للكل.

زين مكنش بس بيصلح اللي فات، لأ ده كان بيبني مستقبل جديد مع زهرة. كان بيسمعها، وبيحتويها، وبيخليها تحس بالأمان والحب اللي كانت محرومة منه. مع الوقت، بدأت جروح زهرة تلتئم، وبدأ قلبها يسامح، مش بس زين، لكن كمان نفسها على اللي مرت بيه. وجاء اليوم اللي زهرة فيه بصت لزين بابتسامة حقيقية من القلب، ولقى نفسه بيعيد السؤال اللي كان بيتمناه من سنين، بس المرة دي بثقة أكبر، وبقلب أصدق. “هتقبلي تكوني مراتي يا زهرة؟”

ابتسامتها كانت كافية، لمعت عينيها بالحب اللي رجع يملى قلبها، وهزت راسها بموافقة. وكان فرح زهرة وزين، فرح البلد كلها. عزمه فيه كل الناس، الكبار والصغار، القرايب والجيران. مكنش مجرد فرح عادي، كان احتفالًا بانتصار الحق على الباطل، وبانتصار الحب على الظلــ . ــم. كانت زهرة لابسة فستانها الأبيض، زي الملايكة، وزين جنبها، عيونه مكنتش بتشيل من عليها، كأنه بيعوض كل لحظة فاتت.

اكتمل زواجهم، وبدأوا صفحة جديدة في حياتهم. عاشوا مع بعض في سعادة، زين كان الزوج الحنون والسند، وزهرة كانت الزوجة المحبة اللي قدرت تتخطى آلام الماضي وتبني حياة جديدة مليانة أمل وحب. كانت قصتهم بتتحكى للأجيال اللي بعدهم، عشان تكون دليل على إن الصدق دايمًا بينتصر، وإن الحب الحقيقي ممكن يشفي أي جرح. النهاية

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى