ضحكت سديم بـ ملئ فِيها حتى عادت رأسها إلى الخلف..ليبتسم أرسلان ثم.دنى يُقبل عُنقها لتصرخ بـ صوتٍ خفيض وهمست وهى لا تزال تضحك -بس يا أرسلان..المفروض تلبس ونطلع ناكل… صعد بـ قُبلاتهِ إلى فكها ثم إستند بـ جبينه إلى جبينها وتساءل بـ هدوء -لازم يعني!… أومأت بـ ما يسمح لها من مساحة وهى تبتسم ليبتعد أرسلان عنها ثم قال وهو يلتقط قميصه الأسود -إطلعي يلا… فتحت الباب ثم خرجت يتبعها أرسلان وهو يُغلق أزرار قميصه
توقفت سديم وهي ترى والدها ينظر إليها بـ نظرات علمت فحواها لتُخفض رأسها ثم جلست فوق مقعدها ليتناولوا الغداء بـ صمت أردف مُحرم بـ ملامح مُتجهمة موجهًا حديثه إلى أرسلان دون النظر إليه -أنت وعدت هتطلق بنتي لما تبقى فـ أمان..ليه متطلقتهاش لحد دلوقتي؟!
-همست سديم بـ صدمة وهي مُتسعة العينين:بابا!!… أما أرسلان لم يهتز له جِفن فـ أكمل تناول الطعام بـ هدوء حتى أجاب بـ برود ثلجي جعل مُحرم يغضب -والله يا عمي أنا شايف إن دي حياتي أنا وهي..لما نقرر ننفصل هنعملها
-عمى الدبب…
تلاعبت سديم بـ غطاء الطاولة لتنتفض عندما وجهه والدها حديثه إليها بـ صوتٍ جهوري ، غاضب -وأنتِ يا ست الدكتورة إتخليتي عن مبادئك خلاص!..هتفضلي على ذمة واحد قاتل؟!..مش دا اللي مُكنتيش طيقاه!
-إبتلعت سديم ريقها بـ صعوبة وقالت بـ تبعثر:بـ..بابا..أنا آآ… قاطع حديثها أرسلان وهو يضع الملعقة أمامه ثم إلتفت إلى سديم وقال بـ إبتسامة -معلش يا حبيبتي..ممكن تناوليني الملح!… إرتفع حاجبي سديم بـ صدمة وخوف..حدقت بـ أرسلان بـ عدم إستيعاب ليعود ويقول -الملح!!…
مدت سديم يدها بـ المِلح مسلوبة الإرادة ثم نظرت إلى والدها الذي تنبعث النيران من عينيه..وبينهم جميعًا كانت سُمية جالسة تُتابع ما يحدث بـ صمت دون أن تجد القُدرة على الحديث وضع أرسلان المِلح بـ طبقهِ ثم نظر إلى مُحرم وأردف بـ جمود ولكنه لم يُخفي شراستها وغضبه الأسود -القاتل دا هو اللي بيحمي بنتك ها..ومبادئها زي ما هي متغيرتش أنا اللي إتغيرت يا عمي العزيز..كل اللي بنتك عملته إنها إدتني فُرصة جديدة للحياة…
-همست سديم بـ لوعة:أرسلان!!…
صمت مُحرم أمام حديثه المُفاجئ على الرغم من جموده الظاهري إلا أن المشاعر التي تموج داخل عينيه جعلته يصمت..نهض أرسلان وقال بـ تجهم وملامح فاقدة الحياة -بعد إذنكوا!!… ثم تركهم ورحل لتنهض سديم وهي تتبعه تُناديه بـ صوتها كله -أرسلان!!!… ولكنه قد رحل مُغلقًا باب المنزل خلفه بـ قوة أفزعتهم جميعًا..حدقت سديم بـ الباب بـ أعين مُتألمة قبل أن تعود إلى والدها وتهمس بـ عتاب -ليه بس كدا يا بابا!!… ثم تركتهم وإتجهت إلى غُرفتها مُغلقة الباب خلفها لتتكئ إليه ثم إنزلقت تُحيط رُكبتيها تضمها إلى صدرها لتُخبئ وجهها وهي تجهش بـ بُكاء قوي
************************************* كانت بين يديه نائمة عقب وقتٍ طويل قضاه الإثنين بـ الحديث والسمر..تلك الليلة جعلته أكثر من سعيد أزالت الجُزء الأكبر من همومه وإكتشف رحمة وجوانبها المرحة..كان يُخطط لقضاء الليلة بـ شكل آخر ولكنها لم تكن على أتم الإستعداد لتقبل قُربه..فـ قد رفض قُربها هو ذات يوم إنتفض لصوت هاتفهِ الذي صدح ليجذبه سريعًا كان الوقت قد تخطى مُنتصف الليل بـ دقائق..فـ عقد حاجبيه لمن يتصل بـ هكذا وقت..أجاب دون النظر ليأتيه صوت لم يكن يتخيل أن يسمعه
-أنت فين!… إبتعد عن رحمة ليخرج عن الغُرفة حتى لا يُزعجها بـ حديثهِ ثم أردف بـ تعجب -أرسلان!..مالك أنت فين؟!
-أجابه بـ صوتٍ غامض:أنا تحت..إنزل
-طب ثواني… أغلق الهاتف ثم سحب مفاتيحه وإرتدى حذاءه الرياضي وهبط إلى الأسفل..ليجد أرسلان مُتكئ إلى سيارتهِ وبين أصابعهِ لُفافة تبغ يُدخنها بـ شراسة إقترب قُصي منه ثم تساءل بـ تعجب وهو يرى هيئته المزرية -إيه اللي حصلك؟!
-سأله أرسلان بـ صوتٍ كـ الهدير:لسه بتحبها؟!… إزداد تعجب قُصي ثم إقترب خطوة أكثر ليُجيبه وقد عَلِمَ مقصده
-وأنت جاي دلوقتي عشان تسأل السؤال دا!!… قذف أرسلان لُفافة التبغ وجذب قُصي من تلابيبه ثم هدر بـ قوة -رُد عليا يا حضرة الظابط… أبعد قُصي يديه عنه ثم هدر بـ غضب هو الآخر -أنت أكيد إتجننت..أنا متجوز دلوقتي فاهم ومستوعب!
-سألتك سؤال..جاوب عليه
-مسح قُصي على وجههِ وقال:ولو قولتلك أه هتعمل إيه!… أغمض أرسلان عينيه ثم عاد يفتحهما وقال بـ جمود ونبرة ميتة -يبقى ترجعها ليك… إتسعت عيني قُصي بـ صدمة وقد عجز لسانهِ عن الحديث
إلتفت أرسلان ليرحل ولكن قُصي أمسكه وقال بـ غضب -أستنى رايح فين!..هو إيه اللي رجعها ليك!..دي مراتك اللي بتتكلم عنها
-وعشان هي مراتي بقولك رجعها ليك
-أنا مش فاهم حاجة… إلتفت إليه يتنهد ونظر إليه بـ ملامح ميتة ليقول قُصي بـ هدوء -أرسلان فهمني إيه اللي حصل أنت شكلك شارب
-مفيش يا حضرة الظابط
-مفيش إزاي بس؟!..هي سديم كويسة!!… أظلمت عيني أرسلان بـ ظلام دامس و أسودت ملامحه..ليبتسم قُصي وقد لاحظ غضبه ثم قال
-روح لمراتك يا أرسلان..أنا معرفش إيه اللي حصل بس كل اللي هقول لك إني صحيح لسه مبطلتش أحب سديم بس رحمة مراتي فُرصة ليا أعيش من تاني..خلي سديم تكون فُرصتك..عافر بيها وإبدأ من جديد وإنسى الماضي… ربت قُصي على كتف أرسلان ذو الملامح المُظلمة ثم أكمل حديثه -جايز اللي بينا مش هيتصلح بسهولة..بس اللي فينا هيتصلح بيهم هما مش بحد تاني..روح ليها يا أرسلان… ثم تركه قُصي وصعد..أرسلان هو نفسه إعترف أن سديم أعطته فُرصة جديدة للحياة ولكنه يجب أن يكن جدير بها..سيقتنصها كما يجب حتى وإن كان سيتخلى عن كل ما يملكه
ضحك أرسلان وهو يسمح على خُصلاتهِ لتلك المقابلة البلهاء مع شقيقه حتمًا هو قد فَقَدَ عقله تمامًا والأكثر فُكاهه أنه ينصحه أن يعود إلى سديم…ذلك الضباب الذي أضفى الصفاء إلى حياتهِ ************************************* بعد مرور سبعة أيام لم تره مُنذ ذلك الوقت..مُنذ خروجه من منزلهم لم يأت ولم يتصل..كل سلواها هذه الأيام هي سُترته التي تركها دون أن يرتديها ضمتها إلى صدرها تشتم رائحته بها..هي لم تخرج من غُرفتها قط ولم تعد إلى المنزل لأنها تعلم أنها لن تجده
سمعت طرقات الباب لتقول بـ صوتٍ ميت -مش عاوزة أكل يا سمية… إلا أنها تجمدت وهي تستمع إلى صوت والدها يقول بـ هدوء -دا أنا يا سديم..إطلعي عاوز أتكلم معاكِ… ساد الصمت طويلًا حتى ظن مُحرم أنها ستتجاهله ولكنه تفاجئ بها تفتح الباب ثم تقول بـ جمود ميت -خير يا بابا؟!… نظر إليها مُحرم يتأمل ملامحها الذابلة لم يكن يظن أنها تورطت به إلى تلك الدرجة..ليتنهد بـ قلة حيلة ثم أردف بـ جدية -تعالِ معايا البلكونة نتكلم
-مينفعش هنا؟!
-حرك رأسه نافيًا:لأ…
ثم تركها وإتجه إلى الشُرفة..أغلقت سديم الباب وتبعته..جلست فوق المقعد المُخصص لها كان الطقس شديد البرودة والليل قد أسدل ستائره إنتبهت إلى والدها الذي مد يده بـ وشاح صوفي لتضعه فوق كتفيها..بدأ مُحرم الحديث وهو ينظر إلى زرقاويها -أنا محبتش الأمور توصل لكدا يا سديم..بس أنا خايف عليكِ يا بنتي اللي قتـ,ـل عدوه فـ يوم يقـ,ـتل حبيبه فـ اليوم اللي بعده
-ردت سديم بـ شراسة:أرسلان مش كدا..أرسلان كان فـ إيده يقـ,ـتل ناس كتير بس هو معملهاش يا بابا..هو حماني وحمى أخوه اللي بيكره…
حكت جبينها بـ كفها المُرتعش ثم أكملت بعد خروج تنهيدة حارة من بين شفتيها -مفهمتش دا إلا متأخر..جايز كلكوا شايفينه شيطان بس أنا اللي لوحدي شيفاه إنسان..بس إنسان إتظلم وشاف قـ,ـتل عيلته بـ عينيه..شاف ظُلم القانون اللي المفروض يحميه ويحمي أمثاله..بس حتى دا كمان خذله… حدق بها مُحرم بـ دهشة قبل أن يهمس بـ عدم تصديق -يااه لدرجادي فهماه!
-إبتسمت سديم هازئة ثم قالت:هو شخصية مش مفهومة ولا حد يقدر يتنبئ بـ أفعاله..بس أنا دا اللي شوفته من واقع عيشته معاه..من أحداث بتحصل بتأكدلي كل يوم إنه مظلوم مش أكتر…
أرجعت خُصلاتها إلى الخلف ثم قالت بـ إبتسامة وهي تنظر إلى السماء المُلبدة بـ الغيوم الثقيلة -لما كنت بقع فـ مُشكلة كان هو اللي بيطلع ويساعدني..جاتله أوقات كتيرة يأذيني فيها بس معملهاش..إكتشفت إنه كان عاوز يبعدني عن المستنقع دا مش يورطني معاه… ربت مُحرم على يدها ثم قال بـ خفوت وهو ينظر إلى جانب وجهها -يمكن هو كل دا بس هو فـ النهاية قاتل
-إبتلعت سديم ريقها وهمست:جايز دي حقيقة مش هقدر أغيرها..بي أعمل إيه فـ قلبي يا بابا!…
لمح تلك العبرات التي تتوالى الهبوط ليجذبها مُحرم إليه فـ إرتمت فوق صدرهِ تبكي بـ قوة..و والدها يربت على خُصلاتها هامسًا بـ قلة حيلة -زي أُمك بتختار غلط… بعد وقتٍ طويل جلست هي بـ الشُرفة وتركها والدها بـ حُرية بعد إنهيارها بين ذراعيه..تنظر إلى الخارج تتأمل المارة بـ نظرات شاردة حتى إنتبهت حواسها لذلك الشخص الواقف بـ الطريق المُقابل لبيتها يتكئ إلى السيارة عاقدًا لذراعيه أمام صدرهِ وينظر إليها بـ إبتسامة لمحتها بـ صعوبة نهضت بـ لهفة وهي تهمس بـ سعادة وأعين لامعة
-أرسلان!!!… ركضت إلى الداخل وهي تقفز بـ سعادة ليقول والدها الجالس بـتعجب -رايحة فين يا بنتي!
-صرخت بـ سعادة:أرسلان تحت يابابا… فتحت الباب ثم هبطت الدرج سريعًا يكاد قلبها يقفز من بين أضلعها بـلهفة لرؤياه..وصلت إلى البوابة الخارجية لتقف تلتقط أنفاسها وهي تنظر إليه