روايات

بقلم رحمه السيد

ردا بفظاظة مُضحكة : -والله أبغي اقولك انه عايز يتاكل أكل برضه بس استحي ضحك هو بعذوبـة فأرهقت ضحكاته اوتـار قلبهـا… استوطنت نظراتها لفحة جديدة على مرفقات الجوارح وهي تحدق بضحكته الجذابـة…!! فقاطعت ضحكته وهي تهمس بشرود : -عارف…آآ… قاطعها هو مشاكسًا : -لا مش عارف ابتسمت وهي تتمتم مكملة : -ببقى نفسي اقعد مع تيم كتير بس بخاف تسنيم هانم تزعق وتزعل وخصوصًا بعد اللي حصل النهاردة كادت تنتفض وهي تشعر بكفه الكبير الخشن يحيط كفهـا.. والحنـان يخترق مسامها تلقائيًا فتذوب تلك البرودة التي احتلتها بشظايا الماضي..!!!

ليقول متنهدًا وقد ارتسمت الجدية مشابكة الحنان بين حروفه : -اولا ماسهماش تسنيم هانم، ثانيا اقعدي معاه براحتك انا سمحتلك اهو، ثالثا انا مسألتكيش انتِ تقصدي ايه بالكلام اللي تسنيم سمعته لاني متأكد إنك لو حابه تحكي مش هتستني حد يسألك يا الله…. ما أجمـله شعور.. شعور أن هناك من يتفهمها.. يتخلل تلك الشوائب المتعلقة بين ثنايا روحها… ثم يُعيد تنظيم ما هدمه الماضي رويدًا رويدًا !!…. فجأة وجد الصحافة تحيط بهم !.. لم يعطهم اهتمام وأكمل تناول طعامه ولكنه وجدهم يتوجهوا له واحداهم تسأله بجدية :

-جاسم بيه… هل دي صديقة عمل؟ ولا صديقة خاصة عشان كدة حضرتك بتتعشا معاها ! تجمـد مكانه من السـؤال… ماذا يخبرهم ؟! زوجتي الخفية!!… بينما هي كانت اوصالها مرتعدة وهم يلتقطوا لها بعض الصـور.. وبعد دقيقتان تقريبًا كانت والدته تدلف.. لتركض الصحفية نحوها وتعيد على مسامعها نفس السؤال.. حينها ردت هي بثقة : -تقدري تقولي صديقة خاصة شوية ! ظلت ” كارمن ” صامتـة حتى سمعت ردها فسحبت نفسهـا على الفور متجهة للخارج.. ليتبعها جاسم مسرعًا…

لتظهر ابتسامة ذات مغزى على ثغر والدته التي استوطنت النشوة جوارحها!!… امسك بها جاسم بسرعة يهمس بأسمها : -كارمن… استني ! لم تنظر له وهي تغمغم بصوت مبحوح : -عايزة أروح البيت لو سمحت وبالطبـع لم يناقشهـا… فقد كان هو الاخـر كالمترنح بين لطمـات الحيـاة..!!! يكاد ينصهـر بين الذبذبات التي تكاد تعتصره كالنيـران من كل جانب… ******* صباح اليوم التالي…. خرجت كارمن من غرفتهـا بهدوء تام.. تمسح عيناهـا التي أرهقها البكاء ليلة أمس !!.. ألا يكفي ما حدث في ذلك المطعم لتأتي تلك التي تدعى تسنيم وتسحبه من يداه ما إن وصلوا المنزل وتتجاهلها وكأنها شيءً لم يكن !!!!

ولكن مع كل دمعة تهبط منها كانت تذكر نفسها وكأنها تصفع تلك الشظايا داخلها ” بتعيطي لية ؟! إنتِ اتصدمتي يعني!! ما إنتِ عارفة إنك عمرك ما هتبقي مراته فـ العلن.. إنتِ مجرد وسيلة أشتراها بفلوسه عشان يخلف ” ! تنهـدت وهي تنظر للجريدة الموضوعة امامها.. فأمسكت بها بتلقائية تتفحصها.. لتتجمد نظراتها على عنوان الصحيفة ” عشيقـة صغيرة ولاول مرة تظهر مع رجل الاعمال المعروف جاسم الشربيني ” !!!! كل شيء بدأ ينهـار حولها…. كرامتهـا….

أفكـارها… وأسبابها !! بالأساس هي طلبت الزواج الرسمي حتى لا تُوضع ضمن خانة عشيقاتـه !… وكأنها كانت تصعد وتصعد.. تبني وتُخطط.. وفجأة إنهـار كل شيء عليها وكأن الارض إنخسفت بها !!! ترنحت بضياع حتى كادت تسقط.. ولكن يد تسنيم التي ظهرت من العدم منعتها وهي تقول بابتسامة لعوب : -مالك يا بطه! ابتعدت كارمن عنها دون رد لتمد تسنيم يدها لها ببعض الاموال متشدقـة بــ : -طب خدي دول يمكن يفوقوكِ. جاسم بعتهملك بيقوتعويذة غرام

الفصل الرابـــع : حبست نفسهـا بغرفتهـا منذ ما حدث.. لا تدري لمَ تُعارضها تيـارات الحظ دومًا !!… وكأنها أقسمـت على همدهـا كأي بنـاء أهلكه عوامـل التعرية!! تورمـت عيناهـا من كثرة البكـاء… ها هو مـر يومـان منذ أن خطت خارج غرفتهـا… وبالطبـع لم يدلف لها سوى خادمة صديقة ببعض المـاء !! اما جاسم…. وآآهٍ من جاسـم.. جاسم الذي أتلف عقلها قبل قلبهـا… وجعل من الحيـرة شيطانًا يصر على تدمير فردوسهــا !!… أ كـان يُهيء لها تلك المشاعر التي ولدت بعينـاه نحوها ؟!

ام هي لم تولد اصلًا وهي التي أشتقتها من نسج خيالها !!…. أصبح وجههـا شاحـب بعض الشيء وهي تدرك إنجذابها القوي لجاسـم..!! وفجأة وجدت الباب يُفتـح وجاسم يطل منه.. فتمددت على الفراش بسرعة تغمض عيناها مدعية النوم… اقترب جاسم منها حتى جلس على طرف الفراش خلفهـا وهو ينظر لها.. عينـاه كانت تحمل وميضًا خالصًا من الشـوق ! أحرـ,,ــــقه الشوق كنيـران… فترك القلب حيران !!!! مد يده على كتفها يهزها برفق هامسًا : -كارمن.. قومي انا عارف إنك صاحيه

لم ترد فاستطرد هو بنفس النبرة الفياضة التي جعلت بدنها يكاد يرتعش : -قومي عايز أشوفك… ثم صمت برهه وكأنه يسترجع ما سيقوله ولكن رغم ذلك قال بما يجيش بصدره بتلقائية : -وحشتيني لم يجد منها رد الا انها نهضت جالسة كما أمرها لتهز رأسها بصمت.. فاقترب هو ببطء شديد منها ثم أحاط جانب وجههـا بيداه وهو يُقرب وجهه منها حتى كاد يلتصق بها… فلثم رقبتها الظاهرة بعمق وهو يهمس بصوت عذب : -بقولك وحشتيني.. بقالي يومين مش بشوفك. والشغالة قالت إنك عاوزة تقعدي لوحدك فمرضتش أتطفل واجيلك.. بس مقدرتش ماشوفكيش اكتر من كدة !!

لم يجد رد منها فظنه دلالًا !!… فارتفع بخفة ليُقبل جانب ثغرهـا متمنيًا استجابتها.. فلم يكن منها اي رد فعل وكأنها صنم تحت يداه !!!! حينها لم يتمالك اعصابه وهو يمسكها من شعرها بعنف يُقربها من وجهه صارخًا : -أنتِ عايزة ايه بالظبط !! اعاملك زي الناس واقولك وحشتيني مش عاجبك واعاملك وحش تقولي مش طالبه الا انك تعاملني حلو !!… انتِ عايزة ايه ! وايضًا لم ترد عليه ولكن تأوهت بصوت مكتوم يُضاهي لمعة عيناها بدموع حارقة.. فتأفف هو بضيق ليخفف ق*بضته على خصلاتها فأصبح يملس عليه بحنان هامسًا :

-انا اسف بس انتِ استفزتيني جدًا !! وهي… هي كانت فقيرة لتلك اللمسات.. فقيرة للحنان !! يتيمة تركض متلاطمة وسط الطرقات سعيًا لذلك الحنان…. حتى لو كانت احدى صديقاتها من تعطها ذاك الحنان في تلك اللمسة لكانت لانت وسامحتها على الفور!! نظرت له بطرف عيناهـا مغمغمة : -انت بعتلي فلوس صح اومأ مؤكدًا بهدوء : -ايوة عشان تشتري اللي نفسك فيه مع الهدوم عضت هي على شفتاهـا وهي تردف بنبرة ذات مغزى اختلطت بها السخرية :

-منا شايفه شغلي كويس صح تأفف بضيق واضح وهو يدير وجهه للجهة الاخرى فعادت تسأله سؤال تلبسته صيغة التوسل : -يعني مش مجرد عشيقة عايز منها طفل يا جاسم؟؟ تنهـد بقـوة ليدفـن وجهه عند رقبتها وهو يهمس بعمق : -لأ… أنتِ طفلة وحراميـة وانا عايز استغلك إتسعت عيناها وهي تسأله بحروف متقطعة ؛ -ايـ ايه!!! أجابها وهو يلثم عنقها حتى قشعر بدنها برعشة منتشية وهي تسمعه : -أنتِ طفلة جننتني.. وحرامية سر*قت قلبي وعايز أستغلك واجيب منك فريق كورة مش طفل واحد بس !!!

أنهـى كلامـه بقبلة أخرى لبدايات صدرها فأبعدته هي بسرعة وهي تهمس بصوت مبحوح : -ارجوك بلاش دلوقتي.. انا مخنوقة وآآ… قاطعها عندما وضـع إصبعه على شفتاها ليتشدق بعبث : -عارفة حل البؤس ايه؟ نظرت له بعدم فهم ليكمل وهو يسحب يداه لتحل محلها شفتاه المتلهفة : -حذف الهمزة !!!….. ******* كانت “تسنـيم” تدور حول نفسهـا في غرفتهـا… كالأخطبوط الذي يخطط أين سيطلق سمومه !!.. هي متيقنة أنه ذهب له… وللأسف هي من أعطت الحُجة لغريمتها !!

هي من أعطته السبب ليقترب من تلك التي تُدعى “كارمن” !…. كانت تسمـع بكاء طفلها ولكنها لم تعيره إنتبـاه فضيقت عينـاها بخبث.. اذًا ستمنعه من الاقـتراب منها وإن كان ذلك بأذيــة كارمن !!…. خرجت من غرفتها ببطء تنظر حولها لتتجه نحو المطبخ بسرعة.. وما إن رأتها الخادمة سألتها بهدوء : -تؤمري بحاجة يا هانم ؟؟ هـزت رأسها نافية بسرعة وردت : -لا لا روحي شوفي شغلك انتِ فذهبت الخادمة بالفعل لتتحرك تسنيم وتجلب -زجاجة من الزيـت- ثم امسكته وخرجت من المطبخ مرة اخرى…

توجهت نحو السلم وعيناها تراقب غرفة كارمن بحذر خشية خروج جاسم بأي وقت.. بدأت تسكب الزيت على السلم ببطء وبكثرة حتى تضمن سقوط كارمن ما إن تخط قدماها على ذلك السلم!!! إنتهت ثم عادت بسرعة نحو غرفتهـا في الاسفـل… ووجدت طفلها كما هو يبكي بقهرة.. فتأففت وهي تصرخ به بغضب : -اوف اوف مابتبطلش زن اخرس بقااا زهقت منك !! فازداد بكاء الطفل بحدة لتضعه هي في اخر الغرفة حتى لا يُرهق اذناها بكاءه !!…

******* بعد ساعـــات…… خرج جاسم من غرفـة “كارمن” وعلى وجهه أجمل ابتسامة يمكن أن تُرسم ولو بريشة فنان مبدع !!…. يشعـر بأشياء جديدة لم يشعر بها نحو “تسنيم” يومًا !.. في كل مرة يقترب فيها منها يشعر وكأنها اول مرة… وكأن عداد الزمن يتخطاها فلا يكل ولا يمل منها!! توجه نحو غرفة ملابسه في نفس الطابق.. بينما في الداخل كانت كارمن ترتدي ملابسها متنهدة بحيرة….. ولكن كلما تذكرت كلمـ,,ــاته شعرت وكأن تدغدغ جوارحها!!… خرجت تنوي التوجه للمطبخ ولكن سمعت صوت بكاء تيم فهبطت بهدوء تنوي الذهاب له والجلوس معه بعض الوقت كما سمح لها جاسم..

ولكن فجأة شعرت بقدماها تنزلق من اسفلها فلم تشعـر بنفسها سوى وهي تسقط على السلم وصرخاتها تملأ المكـان !!… سقطت في نهاية الدرج فاقدة الوعي فكان اول مَن خرج على صراخها جاسم الذي لم يكمل ارتداء قميصه حتى فكان يصرخ بأسمها وهو يهرع نحوها.. فكاد يسقط هو الاخر ولكن تمالك نفسه في اخر لحظة متمسكًا بالسلم بقوة.. وبعد دقيقة هبط واصبح في مستواهـا يهزها وهو يهمس بهلع : -كارمن… كارمن حبيبتي قومي فوقي ! ولكن ما من مجيب..

حملها بين ذراعيه بسرعة وهو يصرخ في الخدم : -دكتوووور.. اطلبوا دكتور بسرررعه يا بهايم ! وبالفعل توجهت احدى الخادمـ,,ــات نحو الهاتف تتصل بطبيب العائلة… وضعها جاسم على الأريكـة ثم امسك بزجاجة المياه يسكب منها بضع قطرات على وجهها وهو يناديها والقلق يكاد يتآكله كالصدئ في الحديد : -كارمن.. قومي عشان خاطري مـ,,ــاتخضنيش اكتر!! بعد دقائق بدأت تستعيد وعيهـا.. وما إن أطلت زرقة عيناها التي يعـ,,ــــشقها حتى تنهد بارتياح… بينما ظلت هي تتأوه بألم منادية بأسمه :

-جاسم… آآه مش قادرة تحسس وجهها برفق متمتمًا والحنان يتغلل نبرته : -مالك يا روح جاسم.. ايه اللي واجعك ؟ بدأت تبكي كالأطفال وهي تتابــع مشيرة لقدمها : -جسمي كله واجعني، ورجلي…. رجلي مش قادرة احركها ! أحتضنهـا دون أن يأبه بنظرات الخدم وظل يدندن لها وكأنه يهدء احد اطفاله وليس زوجته : -اهدي يا حبيبي الدكتور زمانه جاي، استحملي شوية صغننين بس والوجع هيروح اومأت وهي تحبس دموعها بصعوبة..

انت في الصفحة 3 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى